20 November,2018

”لقاء كليمنصو“ لم يؤسس لـ”انقلاب“ على ”التسوية“ بل كرّس مصالحة الحريــري وجنبــلاط والتنسيق مع بــري!

بري-الحريري-جنبلاط---aإذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، قد حرصوا على تبديد <القلق> الذي اعترى الأوساط السياسية اللبنانية بعد لقائهم الثلاثي في دارة الزعيم الدرزي في شارع كليمنصو، إلا أن كل المواقف التي صدرت عن <ثلاثي كليمنصو> لم تشفِ غليل القلقين من هكذا لقاء قبل أشهر من موعد الاستحقاق الانتخابي وفي لحظة سياسية حساسة يمر بها لبنان في ظل التجاذبات الداخلية والصراعات الاقليمية وتداعياتها على الساحة اللبنانية. صحيح أن درجات القلق تتفاوت من موقع الى آخر، ومن مرجعية سياسية معنية الى أخرى، لكن الأكيد أن الأقطاب الثلاثة لن يكشفوا أسرار اللقاء الذي جمعهم لأن بعض ما قيل فيه لن تظهر مفاعيله في الوقت الراهن، بل هي لوقت آخر…

وفي انتظار جلاء الحقيقة الذي قد يتأخر، فإن الاجتهادات كثيرة و<المستهدفين> كثيرون. بعض ما قيل في هذا السياق تحدث عن <جبهة> ثلاثية تشكل في مواجهة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريق عمله، وذلك لإظهار <الامتعاض> من مسار العمل الرئاسي الذي يوصف من حين الى آخر بـ<التفرّد> في المواقف، وكذلك لتوجيه رسالة الى بعبدا مفادها أن الحكم شراكة، وما يحصل من <ممارسات> لا يعكس هذا الواقع، خصوصاً في ما يتعلق بأداء المؤسسات الدستورية ولاسيما منها مجلس الوزراء. إلا أن هذه الفرضية، تقول مصادر مطلعة، لا تصح بأن تكون سبباً لـ<لقاء كليمنصو> الثلاثي، لأن وجود الرئيس الحريري فيه يسقط استهداف بعبدا بـ<التفرّد> لأن كل قرارات مجلس الوزراء كانت نتيجة اتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة وإلا لما كانت لتصدر. كذلك فإن وجود الرئيس بري وهو صاحب التوقيع الثالث على المراسيم من خلال وزير المالية علي حسن خليل، يلغي احتمال تكوين جبهة <حلف ثلاثي> جديد ضد العهد، علماً أن ثمة من يعتبر أن رئيس مجلس النواب هو الذي يفرض إرادته على شريكيه في بعبدا و<بيت الوسط> ولا يمرر أي ملف أو قانون أو حتى مرسوم ما لم يحظ بموافقته ويكون وفق إرادته، والأدلة كثيرة بدءاً من سلسلة الرتب والرواتب والقانون الضرائبي والمخصصات السرية لقوى الأمن الداخلي وغيرها من المراسيم الجامدة في وزارة المال بانتظار موافقة الرئيس بري عليها!

 

لا حلف ثلاثياً جديداً

 

ومع تراجع نظرية <الحلف> ضد بعبدا، برزت نظرية أخرى عن <لقاء كليمنصو> تحدثت عن <حلف انتخابي> وضعت نواته في الليل على أمل ألا تمحوه تطورات النهار… وذلك في رحلة استذكار لما حصل في انتخابات 2005 ومن بعدها في العام 2009. إلا أن أصحاب هذه النظرية سمعوا كلاماً يدحض <تنظيرهم> إذ كيف يمكن أن يتفق الرئيس بري مع الرئيس الحريري انتخابياً من دون استشارة حليفه حزب الله وهو حليفه في <الثنائية الشيعية>، لاسيما وان بين رئيس تيار <المستقبل> وقيادة حزب الله هوّة تتسع يوماً بعد يوم كلما ازداد التباعد بين السعودية وايران، وكلما زادت <تغريدات> الوزير السعودي تامر السبهان ضد حزب الله. أكثر من ذلك كيف يمكن للرئيس الحريري أن يعمل لتحالف انتخابي مع حركة <أمل> وهو يعرف أن القاعدة الشعبية للحركة لن تصوّت لمرشحيه لاسيما في بيروت وصيدا والبقاع الغربي وفي كل مكان يمكن للصوت الشيعي أن يؤثر في نتيجة الانتخابات؟! وحده النائب جنبلاط قد تكون لديه <مصلحة> في هكذا تحالف على الصعيد الانتخابي، إلا أنه يدرك تماماً بأن أوان الاتفاق لم يحن بعد وهو يحتاج الى مزيد من التحضير قبل أن تنضج <الطبخة> وتصبح جاهزة للإعلان عنها! غير أن مطلعين على <لقاء كليمنصو> كشفوا عن أن الحديث الانتخابي لم يغب عن لائحة الكلام المباح في تلك الليلة، إلا أنه تركز خصوصاً حول قانون الانتخاب والآلية التي ستعتمد فيه في ظل ملاحظات عدة برزت خلال النقاش، تعهّد الرئيس الحريري بالطلب الى وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بحثها مع الرئيس بري، وهو ما حصل في اليوم التالي.

 

ولا رؤية موحدة سورياً

 

رواية ثالثة قيلت عن أهداف <لقاء كليمنصو> خلاصتها محاولة الوصول الى مقاربة متقاربة في النظرة الى الاوضاع في سوريا على أساس أن لدى الرئيس بري معطيات سبق أن تداولها مع عدد من النواب حول التطورات السورية تلتقي مع بعض ما لدى النائب جنبلاط من معلومات توافرت له من مراجع ديبلوماسية خارج لبنان على تواصل دائم معه، في وقت يبدو فيه الرئيس الحريري <خارج الصورة> حيال ما يخطط له من مستقبل للحل السلمي في سوريا. أصحاب هذه الرواية قالوا إن التشاور بين الأقطاب الثلاثة حول الوضع السوري حصل، لكنه لم يصل الى حد إقناع الرئيس الحريري باعتماد سياسة واقعية حيال الملف السوري، لأن العرض كان عاماً، فضلاً عن أن الرئيس بري ليس مكلفاً بهذه المهمة ولا هو يستسيغها أصلاً. أما النائب جنبلاط فهو في هذه المرحلة الراهنة يتمسك بشعار <ابعد عن الشر وغنيللو>. إلا أن أصحاب هذه الرؤية تحدثوا عن ملف النازحين السوريين ونقلوا عدم اتفاق اللبنانيين على مقاربة هذا الملف، معتبرين أن السياق الذي يعتمده الرئيس عون في التعاطي مع مسألة النازحين السوريين يحتاج الى <بعض الهدوء> وعدم المبالغة في الرهان على إمكانية إعادة هؤلاء النازحين أو مجموعات منهم في الوقت الراهن، ما لم يحصل توافق دولي على هذه الخطوة. وكان لافتاً انتقاد جنبلاط في اليوم التالي <التحريض> على اللاجئ السوري!

ومع <تساقط> الفرضيات الثلاث، الواحدة تلو الأخرى، فإن ما يمكن استخلاصه من <لقاء كليمنصو> سلسلة معطيات، أولها أن اللقاء حصل بالتنسيق بين الرئيس بري والنائب جنبلاط بهدف إقامة حوار مباشر بين رئيسي المجلس والحكومة من جهة، وبين الرئيس الحريري والنائب جنبلاط من جهة ثانية، ودور الرئيس بري في تحقيق الهدف الثاني كان أساسياً استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة، سواء في مسار عمل الحكومة أو في الاستعدادات للانتخابات النيابية، علماً أنه لا يصح توصيف <المصالحة> بين الحريري وجنبلاط، لأن الخلافات بين الزعيمين لم تصل الى حد الحاجة الى <مصالحة>، بل التعبير الأدق يمكن أن يكون <تقريب> وجهات النظر!

كذلك بدا واضحاً أن اللقاء سعى الى <تصليب> العلاقات بين الاقطاب الثلاثة، ما استدعى التأكيد بعد اللقاء انه <لم يكن موجهاً ضد أحد> بل هدف الى <تحصين لبنان داخلياً وخارجياً بعيداً عن المحاور المتصارعة، وذلك عبر التأكيد على أولوية المصلحة الوطنية وأهمية عمل المؤسسات وتحييدها عن أي مستجدات اقليمية قد تحدث في ضوء المتغيرات المتسارعة في المنطقة>. وفي رأي المصادر المتابعة فإن الرئيس بري الذي جمع الرئيس الحريري والنائب جنبلاط أراد أيضاً توفير مناخات سليمة خلال مداولات مجلس النواب لأن أي حملة جنبلاطية على الحكومة يمكن أن تطاول شظاياها الرئيس الحريري مباشرة، ما يعيد العلاقات بين الرجلين الى نقطة الصفر وينهار كل تقدم يكون قد تحقق في مسيرة التقارب. وتضيف المصادر نفسها ان الرئيس الحريري استفاد من اللقاء لأنه خرج بدعم من قطبين كبيرين يمثلان قاعدة شعبية واسعة، ولهما الحضور الفاعل داخل الحكومة وفي مجلس النواب ايضاً ما <يحميه> من حملات الحلفاء لكل من الرئيس بري والنائب جنبلاط. وهذا الدعم سوف يستثمره الرئيس الحريري في الآتي من الأيام من أجل إدارة أكثر رشاقة لجلسات مجلس الوزراء عندما تكون برئاسته، وأكثر <توازناً> عندما تكون برئاسة الرئيس عون…

وفيما نفت المصادر نفسها أن يكون اللقاء <خطوة أولى في مسيرة الانقلاب على معادلة الحكم والسياسة الحالية>، إلا أنه وفّر للنائب جنبلاط ما يؤمن ثبات التحالف الانتخابي في دائرة الشوف التي غدت واحدة مع دائرة عاليه. كذلك وفّر اللقاء توازناً تحالفياً جمع <المستقبل> و<أمل> والحزب التقدمي الاشتراكي في مواجهة توازن مطلوب مع ثنائي حزب الله – التيار الوطني الحر، إلا أن المصادر استبعدت انعقاد اللقاء الثلاثي مرة ثانية في القريب العاجل، لأن اصداء اللقاء الأول سوف تبقى تتردد الى زمن مقبل خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي وضرورة فرز التحالفات لإعداد اللوائح وتوزيع المهام. وعلى رغم تطمينات الأقطاب الثلاثة، فإن الأكيد أن التيار الوطني الحر لم تنزل عليه أخبار اللقاء برداً وسلاماً بدليل تباين ردود الفعل لدى المصادر <البرتقالية> التي تنوعت الأوصاف التي اطلقتها عليه بين <عادي> و<رد غير مباشر> من المشاركين على مسار سياسي معين ارتسم بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، خصوصاً مع وجود طرفين من المشاركين في اللقاء هما على علاقة فاترة مع سيد القصر، وإن كان <التيار> ينظر بارتياح الى علاقته مع الرئيس الحريري ولا يخشى خروجاً من رئيس الحكومة عن المتفق عليه مع الرئيس عون، لاسيما في ما يتعلق بإدارة شؤون البلاد وتمكين المؤسسات الدستورية من القيام بعملها.

وحده حزب الله، تضيف المصادر، لم يجد نفسه معنياً بـ<القلق> من <اللقاء الثلاثي> ومفاعيله لأنه يثق بحليفه الرئيس بري من جهة، وبـ<عجز> الموجودين في كليمنصو عن إحداث أي انقلاب في المسار القائم والذي يتطلب <احتضان> الجميع لحماية <التسوية> وخطوطها العريضة، خصوصاً بعدما ذكر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من أن أي مساس بالتسوية السياسية من شأنه تقويض الاستقرار. إلا أن ذلك يعني أيضاً – حسب المصادر – ضرورة تفادي الانخراط في لعبة المواجهة السياسية والإعلامية القائمة بين الرياض وحزب الله.