16 October,2019

لقاء بعبدا لمعالجة ذيول حادثة قبرشمون تميز بـ”المصارحة“... لكنه لم يحقق ”المصالحة“!

 

عندما دخل رئيس <الحزب الديموقراطي اللبناني> النائب طلال ارسلان، قاعة مجلس الوزراء في قصر بعبدا التي استضافت الاجتماع السياسي ــ الاقتصادي الذي دعا إليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لدرس الأوضاع الاقتصادية في البلاد، كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط جالساً على الطاولة يقرأ المذكرة التي تضمنت مقترحات رئيس الجمهورية للاصلاح الاقتصادي والمالي. راقب الحاضرون في القاعة ردة فعل النائب ارسلان الذي كان مقعده قبالة مقعد جنبلاط من الجهة الثانية للطاولة. وضع ارسلان ملف كان يحمله على الطاولة وانكفأ الى الوراء يصافح رئيس تيار <المردة> النائب السابق سليمان فرنجية من دون أن يتوجه الى حيث كان يجلس جنبلاط لمصافحته. بدوره ظل جنبلاط جالساً على مقعده مسترسلاً في قراءة المذكرة الاقتصادية ولم يبادر بأي خطوة تجاه الزعيم الارسلاني… ولأن جنبلاط غادر قصر بعبدا قبل انتهاء الاجتماع لارتباطه بموعد سفر الى القاهرة، فإن لقاء رؤساء الأحزاب والكتل النيابية انتهى من دون أن يشهد أي مصافحة بين الزعيمين الدرزيين تكمل ما حصل في <لقاء المصارحة والمصالحة> الذي جمعهما في قصر بعبدا في 9 آب (أغسطس) الماضي عشية عيد الأضحى المبارك…

هذا المشهد الذي سجلته عدسات المصورين وتابعه اللبنانيون من خلال النقل التلفزيوني المباشر لخص عملياً العلاقة الباردة بين الرجلين من جهة، كما أكد على ان اجتماع بعبدا أوقف الاحتقان لكنه لم يحقق المصالحة المنشودة. صحيح ان <لقاء المصارحة والمصالحة> أخرج حادثة قبرشمون من <عنق الزجاجة>، إلا انه لم يرتقِ الى مستوى تطمئن فيه القاعدتان الارسلانية والجنبلاطية ان زعيميهما طويا صفحة الخلاف وانتقلا الى مرحلة متقدمة من التعاون والتنسيق و<تنظيم الخلاف>، وهذا ما انعكس مواجهة بين أنصار الطرفين وقعت في الشويفات بعد أيام من الاجتماع السياسي الاقتصادي في بعبدا أمكن تطويقها وحصرها في إطارها الفردي، ما جنّب البلدة مواجهة دامية كان يمكن لو تطورت أن تكرر المأساة التي وقعت في البلدة نفسها خلال فترة الانتخابات النيابية في شهر أيار (مايو) من العام الماضي.

 

لا امكانية لـ<المصالحة> راهناً!

 

وتقول مصادر متابعة ان لا امكانية راهناً لإعادة المياه الى مجاريها بين الزعيمين الدرزيين، وبالتالي بين قاعدتيهما الشعبية، قبل أن تنجلي كل الملابسات التي رافقت حادثة قبرشمون ويقول القضاء كلمته… صحيح ان قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل الذي تسلم التحقيق بعد إزالة دعوى تنحيته، يمارس مهامه كاملاً ويستمع الى إفادات الشهود والموقوفين حتى الآن في الحادثة، وصولاً الى تحديد المسؤولية ومعرفة قتلة الشابين رامي سلمان وسامر أبو فراج من مرافقي الوزير صالح الغريب، إلا ان الصحيح أيضاً ان ثمة متورطين في الحادثة من الطرفين لا زالوا خارج القضبان وبعضهم يتمتع بـ<حماية> حزبية حالت دون مثولهم أمام القضاء ما يجعل مهمة قاضي التحقيق العسكري غير مكتملة الأمر الذي يؤخر وصول التحقيق الى خواتيم تحدد المسار المستقبلي لملف جريمة قبرشمون لجهة بقائها في عهدة القضاء العسكري أو انتقالها الى القضاء العدلي.

وفي تقدير المصادر المتابعة نفسها ان عدم اكتمال عناصر التحقيق كنتيجة لعدم مثول المطلوبين أمام القضاء، يبقي عملياً النار تحت الرماد ويعرض الموقف للاهتزاز في أي لحظة لأن المصالحة الحقيقية لم تتم و<لقاء المصارحة والمصالحة> كان مبتوراً بحيث اقتصر على <المصارحة> ولم يحقق <المصالحة> التي لا تزال في مرحلة الجمود أو القطيعة إذ لا تواصل بين الطرفين، والخطوة الأولى التي تمت في قصر بعبدا، لم تُستكمل نحو مصالحة شاملة التي لم يقم أي تحرك من أي طرف في سبيل السعي الى تحقيقها، ولا تزال عالقة منذ سنوات خصوصاً ان الملفات التي يجب النقاش فيها كثيرة، بدءاً من الخلاف حول المجلس المذهبي الذي يقول ارسلان ان جنبلاط <يحتكر> التمثيل فيه، وصولاً الى ازدواجية مشيخة العقل وقضية الأوقاف… والتعيينات بالنسبة الى المواقع الدرزية، ولا ينكر فريق ارسلان ان <لا ضرورة للعجلة> في تحقيق المصالحة قبل إزالة كل النقاط الغامضة، في وقت لا يرى فريق جنبلاط حاجة، في الوقت الحاضر على الأقل، لحصول المصالحة لأن القضايا الأخرى مثل المجلس المذهبي ومشيخة العقل، ستبقى عالقة الى حين زوال الأسباب التي أدت الى حصول ازدواجية في الموقف وغياب التسوية حول هذا الموقع الديني الحساس، علماً ان توافقاً سابقاً حصل بين جنبلاط وارسلان أدى في الماضي القريب الى <إزاحة> القائم مقام شيخ العقل المرحوم الشيخ بهجت غيث الذي حل مكان الشيخ محمد أبو شقرا الذي توفاه الله وهو في منصبه. أما في ما خص المجلس المذهبي الدرزي، فتقول المصادر أن لا امكانية للتفاهم حول وضعه بين جنبلاط وارسلان في الوقت الحاضر، وان الشرط الأساسي للنجاح في تحقيق أي تفاهم، مرتبط بإزالة التشنج القائم بين الرجلين، وفتح صفحة جديدة تأخذ في الاعتبار الواقع الدرزي وخصوصيته في لبنان، وهو أمر لا يزال بعيد المنال حسب هذه المصادر، لأن <لقاء المصارحة والمصالحة> الذي أريد منه طي صفحة الخلاف الدامي بعد حادثة قبرشمون، نجح في تحريك التحقيق القضائي، لكنه أبقى الخلاف السياسي معلقاً، والمصالحة مجمدة… حتى إشعار آخر!