26 September,2018

لقاء «المستقبل » وحزب الله تبريد للاحتقان المذهبي وتسخين للاستحقاق الرئاسي

geagea---aoun-4 ندخل العام الجديد وأزماتنا معنا، دون أن نعثر حتى الآن على باب للفرج. أزمة سوريا هي هي، مع شيء من التفاقم في حلب وإدلب. مشاكل ليبيا باقية في حضن المجهول، وبدل الدولة الواحدة هناك دويلات الميليشيات بدءاً من بنغازي وطرابلس الغرب، وما تبقى من سلطة موجود في طبرق برلماناً وحكومة. والعراق مجموعة عراقات بين سنة وشيعة وأكراد. والجامعة العربية جامعة للمشاكل بدلاً من أن تكون هي مصدر الحل ومرجعية الحسم.

تجربة مجلس التعاون

    وحدها دول مجلس التعاون الخليجي قفزت فوق أزمات المنطقة وأعادت اللحمة الى دولها، واستجابت دولة قطر لتمنيات العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وقالت لمصر: <سامحينا>، وذهب الى القاهرة رئيس الديوان الملكي السعودي الشيخ خالد التويجري والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مبعوث أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واعتبرت هذه الزيارة خاتمة للأزمة التي نشبت بين قطر وجمهورية مصر العربية، بعد الانحياز القطري الى الاخوان المسلمين، واستخدام قناة <الجزيرة> القطرية كسلاح لهذا الانحياز.

    وحدها تونس أجرت انتخاباتها الرئاسية يوم الأحد الماضي في جو من الديموقراطية، وأبعدت مشاكلها عن المنطقة ودول المنطقة. أما نحن في لبنان فما زلنا نقلب أوراق الروزنامة دون أن نجد الترياق لمشاكلنا الممعنة في التفاقم. فأزمة الجنود اللبنانيين المخطوفين حتى هذه الساعة تراوح مكانها. واهتدى الزعيم وليد جنبلاط الى الحل الوحيد وهو المقايضة، وأعطى تفويضاً لوزير الصحة وائل أبو فاعور بأن يتولى بنفسه مفاوضة <داعش> و<النصرة> مباشرة، بعدما تعطلت باقي الوساطات. وأهم ما في تكليف الوزير أبو فاعور أنه الوجه المحبب الى أهالي العسكر المخطوفين ويمحضونه كل ثقة، وهذه أهم أوراق الوسيط.

    وبذلك تكون حكومة الرئيس تمام سلام قد فاوضت الخاطفين مباشرة بعد طول عناد، والواحد من الوزراء الذي هو أبو فاعور يمثل الكل إلا إذا حجب مجلس الوزراء الوكالة عن أبو فاعور، وهذا ليس في الوارد، بعدما فتح وليد جنبلاط ثغرة في الباب الموصود.

أعناق الجنود وسكاكين <داعش>

   وحتى يصل أبو فاعور الى أول الخيط في المفاوضة، ويحمي أعناق الجنود المخطوفين من سكاكين <داعش> و<النصرة>، يتلفت اللبنانيون حولهم ويسألون: هل ستبقى البلاد بدون رئيس جمهورية؟! وهل سيبقى قصر بعبدا أسيراً لنعيق البوم؟!

   علينا أن ننتظر حتى آذار (مارس) المقبل، وهو الموعد الذي تنبأ به السفير البابوي المونسونيور <غبرييلي كاتشا> لفتح باب الانتخابات الرئاسية. وما تيسر على البابا <فرانسيس> وهو يعيد العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بعد أربع وخمسين سنة من القطيعة، لن يستعصي على البابا وهو يوجه ناظريه الى معركة الرئاسة في لبنان.

   والمتاهة الظاهرة في الأزمة حتى الآن تندرج في الحالة الآتية: طباخو معركة الرئاسة يسألون إيران عن الحل، وهذا ما فعله نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع سمير مقبل وهو يزور طهران، فكان الجواب: <اسألوا حزب الله>، وحين سأل نائب وزير خارجية روسيا <ميخائيل بوغدانوف> حزب الله عن عقدة رئاسة الجمهورية جاءته العبارة الآتية: <اسألوا العماد ميشال عون>، وإذا تم تجيير السؤال الى العماد عون، كان جوابه: نحن مع الأكثر تمثيلاً للمسيحيين اللبنانيين.

   ويقصد بذلك انه هو الأحق بمنصب الرئاسة وبمفاتيح قصر بعبدا.

   ولكن حزب الله وهو يدخل في عباب الحوار المرتقب بين الحزب وتيار <المستقبل> يدرك بأن أزمة الرئاسة يجب أن تصل الى خواتيمها، وأن عناد العماد عون يمكن حله بتحويله من مرشح رئاسي أكبر الى ناخب رئاسي أكبر. وهذا ما سيسمعه السيد حسن نصر الله من الرئيس سعد الحريري إذا انعقد بينهما الاجتماع الثالث بعد اجتماعات 2002، و2009، و2010. وإلا.. فلماذا الحوار إذن؟

تبريد الاحتقان المذهبي

ابو-فاعور

 

   ينطلق الحوار في الأساس من تبريد الاحتقان المذهبي بين السنة والشيعة، لأن هذا الاحتقان هو خطر رئيسي يواجه البلاد. وتبريد هذا الاحتقان لا بد أن يمر من تسخين البرودة في المعركة الرئاسية. والذين يقولون إن بحث الموضوع الرئاسي في الحوار غير وارد، إنما يلعبون في الوقت الضائع، لأن استقرار الأمن واستقامة المؤسسات لا يتكفل بهما إلا مجيء رئيس جديد للجمهورية يكون طالع سعد على البلاد والعباد، ولا يكون رئيساً للتحدي.

   وفي أوراق حزب الله أن الحزب مصر على شعار <الشعب والجيش والمقاومة>، أي ان التفكير في نزع السلاح من قبضة حزب الله مسألة ليس فيها نظر، ما دامت اسرائيل تحتل مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا، وتشكل عنصر تهديد لأمن الجنوب ولبنان. ولكن هذا الشعار موضع اعتراض من قبل تيـــار <المســـتقبل>. وها هو أمين عام التيار أحمد الحريري يقـــول مــن طرابـــلس يـــوم السبت الماضي ان الشعار المطلـــوب هــو <الجيش والشعب والاعتدال>، ولكنه لم يقل بنزع سلاح حزب الله، وبذلك يترك هامشاً للمفاوضة بين التيار وحزب الله.

   وفي سياق هذا العرض السياسي يبقى الموقف بأيدي العماد عون والدكتور سمير جعجع العائد من زيارة ميمونة للسعودية بعد لقائه ولي ولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز صاحب الدراية الخاصة بالملف اللبناني، ورئيس الاستخبارات السعودية الأمير خالد بن بندر، واستشرافه طبيعة المرحلة المقبلة، ضمن التأكيد السعودي على ان مع ما يتفق عليه اللبنانيون في معركة الرئاسة.   وأحمد الحريري سيد كلماته ولا يطلقها جزافاً، وقد ترك أثراً طيباً عند أهالي طرابلس، وارتاحوا الى ما سمعوه من كلماته.

 

العقدة في الرابية

   وأول خط القطار الرئاسي موجود في الرابية، بحيث ينتظر هناك الزيارة الموعودة التي سيقوم بها الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون، باعتباره الأكبر سناً، ورئيس وزراء سابقاً، ويكون فيها بحث عن الرجل الثالث بعدما تعذرت حظوظ كل من جعجع وعون في الوصول الى قصر بعبدا.

   فمن هو الرجل الثالث؟

   وعلى أي الأسماء استقرت خيارات الدول الشقيقة والصديقة للبنان؟

   ولقد شكل مجيء رئيس مجلس الشورى الإيراني <علي لاريجاني> الى بيروت بعد زيارته لدمشق واللقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد، فرصة لاستيضاح الموقف الإيراني حول المعركة الرئاسية. لكن <لاريجاني> جاء برسالة واحدة وحاسمة: أمر اختيار الرئيس اللبناني الجديد متروك للبنانيين، دون تدخل خارجي، وان هم إيران الآن هو التصدي للارهاب الذي يجتاح المنطقة، وحماية النموذج اللبناني وسط هذه الأخطار من كل عاصفــــة ارهابيــــة، ولن يؤثر تدهور أسعار النفط على المتابعة الإيرانية للخطر الارهابي في المنطقة. وكان لافتاً قوله ان على المسيحيين أن يحزموا أمرهم ويختاروا الرئيس المقبل.

tamam-salam-larijani

   وإذا سلم العماد عون والدكتور جعجع بأن حظ كل منهما للوصول الى قصر بعبدا شبه معدوم، فإن اتفاقهما على المرشح الثالث يكفي لفتح طريق قصر بعبدا أمام هذا المرشح، ولا فرصة لاستلامه الوشاح الرئاسي إلا إذا قال العماد عون والدكتور جعجع: هذا هو الرجل الذي وقع عليه اختيارنا.

   والضغط لمصلحة هذا الاتفاق أتى هذه المرة من البطريرك بشارة الراعي الذي قال في عظة الأحد الماضي ان لبنان يواجه الخطر الكبير إذا لم يتوصل الى انتخاب رئيس جمهورية. وهذا الكلام موجه في الدرجة الأولى الى العماد عون والدكتور جعجع، باعتبار أنهما المشكلة وأنهما الحل لو استطاعا الى ذلك سبيلا.

   علينا إذن ان ندرك خطورة استمرار البلاد بدون رئيس جمهورية لأن هذا الشغور الرئاسي عامل مساعد على أن يبقى لبنان في عين العاصفة، وفي قبضة الارهاب، وأن تبقى المؤسسات أسيرة الجمود، وأن يبقى مجلس الوزراء، كما يقول المعلق السياسي الجامعي في باريس الدكتور خطار أبو دياب، مجلساً بلدياً على… أوسع!