24 September,2018

لـمـــــاذا ثـلاثــــــة مـوفـديـــــن إيـرانـيـيـــــــن الـى المـنـطـقــــة فــي وقـت واحـــــــد؟

بقلم وليد عوض

 

تمام-سلام-علي-اكبر-ولايتي وماذا بعد؟! أوليس لهذا الليل من آخر؟! <داعش> يتأخر، <داعش> يتقدم، <داعش> يستولي على بئرين للغاز قرب مدينة تدمر الأثرية هما حقل <الهيل> الذي يبعد عن تدمر نحو أربعين كليومتراً، وحقل <الأرك> الذي يبعد نحو 25 كيلومتراً عن تدمر، وكلف الاستيلاء على هذين الحقلين للغاز سقوط 56 عنصراً من قوات النظام السوري.

   وعندما تستولي <داعش> على آبار النفط والغاز لا يعود أي معنى للسؤال: من أين تتمول؟

   ومدينة تدمر التي تدور حولها المعارك كانت رفيقتنا في الدراسة الابتدائية، هي وملكتها زنوبيا أو الزباء (240 ــ 274 ميلادية) التي قادت مع زوجها <أذينة> عصياناً ضد الأمبراطورية الرومانية توصلا خلاله الى السيطرة على معظم سوريا. وبعد وفاة زوجها تحولت الملكة زنوبيا عبر البحر المتوسط الى غزو مصر، ولكن هذا الغزو كسر شوكته الامبراطور الروماني <أورليان> وأسر زنوبيا وساقها الى روما ــ كما تقول الرواية التاريخية ــ حيث لقيت حتفها..

   في حكاية زنوبيا عبرة وعظة للذين يتصرفون الآن بقدر سوريا. فمهما توسعت <دولة> داعش وامتدت مراميها في كل من سوريا والعراق، لا بد أن تنكسر شوكتها كما انكسرت شوكة زنوبيا. ومهما طال أمد صمود النظام السوري، فلا بد أن يضع أوزاره في آخر المطاف، دون الحاجة الى مجيء <أورليان> آخر، لأن <أورليان> الآن هو الشعب السوري الذي لا بد أن يسترد مقاليد قدره وإن طال الزمان.

   وبين <داعش> الذي استولى على محافظة <الأنبار> في العراق، وبدأ يصدر أوامره من العاصمة <الرمادي>. وانسحاب الجيش العراقي من <الرمادي> وتجهيز قوات شعبية في محاولة لاسترداد <الأنبار> ثم الموصل ربما، تلوح في الخريطة شبكة كلمات متقاطعة لصالح التقسيم الذي هو الآن مشروع على خارطة الشرق الأوسط. سموه <الشرق الأوسط الجديد> كما بشرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة <كونداليسا رايس>، أو لتكن له تسميات أخرى، فإن الحذر لن يفيد مع القدر. وملامح الدولة الكردية في العراق صارت شبه واضحة المعالم، والدولة الشيعية هي أيضاً على الأبواب بدءاً من البصرة جنوب العراق، وكذلك الدولة السنية بين الشمال والوسط. والأقلام التي ترسم على الورق او <الكومبيوتر> تختلف حول المساحة لا أكثر..

   والسؤال هنا: هل تنبهت قمة <كامب دايفيد> الى هذه المخاطر؟ وهل وضع القادة الخليجيون رئيس الولايات المتحدة <باراك أوباما> في صورة ما تعده إيران من عبث بالخريطة الأوسطية؟ كل ما فعله <أوباما> لقادة الخليج أنه قدم لهم وعوداً بوقوف الولايات المتحدة الى جانبهم في أي خطر يتهددهم، وجبخانة الأسلحة الأميركية جاهزة لتقديم ما يحتاجونه من السلاح، ولكنه لم يقدم لهم ضمانات، ولا قام بالتوقيع على وثيقة بهذا الدعم تحمل عنوان: <إعلان كامب دايفيد>.

   ولا يمكن المرور مرور الكرام على زيارات ثلاثة موفدين إيرانيين الى المنطقة، وهم وزير الدفاع <حسين دهقاني> في العراق، وثانٍ في سوريا هو <علاء الدين بروجردي>، و<علي أكبر ولايتي> مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد <علي خامنئي>، الذي زار لبنان وأعلن استخدام بيروت كمنصة لتوجيه الرسائل، واعتبر لبنان جزءاً من دول الممانعة!

حسين-دهقاني 3 موفدين.. لإيران!

   وعندما يتحرك ثلاثة موفدين من إيران في المنطقة، فقل على مستقبل المنطقة يا رحمن يا رحيم. ووزير الدفاع الإيراني <دهقاني> اختار أن يزور العراق في هذا الوقت بالذات نظراً لحاجة الجيش العراقي الى مقاتلين شيعة الى جانبه في الأنبار التي سقطت في أيدي <داعش>. وتأتي زيارته للعراق لاستكشاف السبل التي تستطيع إيران من خلالها أن تدعم صمود الجيش العراقي، لا تسمح لقوات <داعش> بأن تقترب من بغداد، ومخططها أن تفعل ذلك.

   والمفارقة المذهلة في الموضوع أن الولايات المتحدة بأسطولها الجوي لم تستطع أن تقوّض دولة <داعش> ولا الإنزال الأميركي على منطقة دير الزور في سوريا استطاع أن يخترق خطوط <داعش>، بل نشرت معلومات أميركية ان الغاية من الغارة البرية لم تكن للقبض على القيادي التونسي أبو سياف مسؤول النفط والغاز والتمويل في تنظيم <داعش> بل زوجته أم سياف، وقد وقعت في قبضة القوة الأميركية المغيرة.

   لماذا أم سياف؟!

   لأنها ــ حسب تقارير المخابرات الأميركية ــ متورطة في تعذيب وقتل عاملة الإغاثة الأميركية <كايلا مولر> التي تم أسرها وتعذيبها وقتلها على يد التنظيم في شباط (فبراير) الماضي. أي ان الغارة الأميركية لم تكن لاقتلاع جذور <داعش> في دير الزور بل القبض على أم سياف. فدم مواطنة أميركية واحدة أغلى من دماء الآلاف الذين يسقطون كل يوم في سوريا والعراق. وبصريح العبارة: ليس هناك مخطط أميركي لاقتلاع <داعش>، بل كان للرئيس <أوباما> تصريح منذ شهرين يقول إن القضاء على <داعش> يحتاج الى ثلاث سنوات!

 

خريطة تحت.. العبث!

   وإيران، ومثلها تركيا، تريدان أن تعرفا موقعهما في التغيير الجغرافي الآتي على المنطقة. إيران تريد جنوب العراق، ولن تتساهل في هذا الموضوع. وإذا استطاعت أن يكون لها موطئ قدم في اليمن، فلن تبخل بالمال والسلاح. والرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> يريد أن يتحسس موقع تركيا في التغيير الجغرافي الآتي، وهل سيخسر المدن الكردية التركية مثل ديار بكر وماردين، إذا ما أراد الزعيم الكردي مسعود البرزاني أن يعلن دولة كردستان بعدما حصل لها على وعد أميركي بالاعتراف بها، خلال زيارته للبيت الأبيض مؤخراً؟

   و<أردوغان> يتخبط في قراراته بفعل هذا الهاجس الذي يسيطر عليه، هاجس انفصال الجزء الكردي من تركيا لصالح كردستان. ومن علامات هذا التخبط اعلان احتجاجه على أحكام الاعدام الصادرة في القاهرة ضد قادة الأخوان المسلمين مثل محمد مرسي، ومحمد بديع، والشيخ يوسف القرضاوي المقيم في قطر، مع ما في ذلك من تدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، تماماً كما لو احتجت مصر على الأحكام التركية الصادرة بحق عدد من القادة العسكريين الأتراك.

   ونحن الآن موزعون بين دول المناعة، وهي دول الخليج، ودول الممانعة التي صنف لبنان كواحد منها على لسان مستشار المرشد الأعلى الإيراني <علي أكبر ولايتي>. إلا ان لبنان يمارس دوره كل يوم كدولة مناعة، وهذا ما عبرت عنه انتفاضة وزير العدل اللبناني أشرف ريفي ضد حكم المحكمة العسكرية الصادر بحق الوزير السابق ميشال سماحة، بعدما ثبت في أشرطة فيديو ووثائق تورطه في مؤامرة تفجير شمالي لبنان وقتل القادة والمشايخ. وحسناً فعل مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر حين استدرك الحكم العجيب الغريب الذي أثار عاصفة سياسية وشعبية، وقرر رد الحكم وإعادة النظر في محاكمة ميشال سماحة، بل وتحويل جزء من معطيات هذه المحاكمة الى المحكمة الجنائية الدولية في <لاهاي>، صقر-صقرأي ان محكمة الشعب غلبت المحكمة العسكرية.

لا مناعة بدون رئيس!

 

   ولن تستقيم مناعة لبنان، برغم هذه الايجابيات في محاكمة ميشال سماحة إلا بانتخاب رئيس جمهورية جديد، بعدما أشرف الشغور الرئاسي على السنة، وليس في الأفق السياسي أي احتمال لانتخاب رئيس جديد في المنظور القريب، بل هناك اتهام لإيران بأنها تريد تأخير هذا الاستحقاق، ريثما تنتهي من ترتيب أوراقها السياسية بعد الاتفاق النووي الموعود في آخر حزيران (يونيو) المقبل.

   وخلافاً للتصور بأن العماد ميشال عون يستنجد بحزب الله وإيران لتأخير هذا الاستحقاق إلا إذا كان على مقاس طموحه، فإن حزب الله وإيران هما اللذان يضغطان على العماد عون لتأخير هذا الاستحقاق بتعطيل النصاب الدستوري لانتخاب الرئيس في مجلس النواب. وما مشروع العماد عون لتعديل الدستور، وانتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب، إلا تعجيز للحل لأن ذلك يتطلب تعديل الدستور، أي تعديل اتفاق الطائف، بما في ذلك من مخاطر.

   وماذا بعد؟! أوليس لهذا الليل من آخر؟! ومتى ستضيء النجوم في عتمة هذا الليل؟

   صيف آخر يطول دون وصول الى انتخاب رئيس جمهورية جديد، وهواجس من حالات تقسيم، وإقامة دويلات ضمن الدول!

   ويا خافي الألطاف نجنا مما نخاف!