25 September,2018

لــيـــــــن ومــــــــارك  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

لحظة فرح تتفوّق على سنوات من الظلم والغش والفساد والكلام الرخيص.

لحظة فرح كفيلة بأن تنسينا كل تفاهات الشاشات وكلام المتحكّمين بمصيرنا.

لحظة فرح ينقلها شخص واحد نقيّ لوطن مجروح تساوي مال الدنيا.

شخص واحد يحمل لوطنه فرحة القلب ويعيش مما جناه مئات الملايين من البشر على مدى مئات السنين.

صحيح أن قدر الأدمغة والموهوبين اللبنانيين أن يتصدّروا الأوائل في الخارج، وقدر الخارج أن يصدّر لبنانيين الى اللبنانيين ويصادرهم ويلتف حولهم، يحضنهم ويحتضنهم ويصفّق جمهوره لهم، وصحيح أن قدر لبنان أن يسعد بلبنانييه المغتربين بل المنتشرين، يملأون الدنيا معرفة وعلماً وإنجازات، ولكن الصحيح أيضاً، أن لين حايك أعادت الى لبنان قوّة لبنانيي الداخل ودعت أطفال الداخل لأن يبقوا فيه، وأطفال الخارج لأن يعودوا إليه، وعملت بقول السيّد المسيح: <دعوا الأطفال يأتون إليّ>..

صوت لبناني آخر كان يصدح في فرنسا ويحمل في الوقت عينه لوطنه فرحة الشباب وتفوّقهم على كل الأصوات النشاز. هو مارك حاتم الذي تنشّق هواء الصنوبر وتراب الجبال وغفا مع وشوشات نسمات القمم، عندما خدم وهو تلميذ كشافة لبنان وأطرب رفاقه حول مواقد المخيمات الكشفية لمدرسة <سيّدة الجمهور>.

أما لين، فأضافت إلينا أملاً بأننا من وطن وفي وطن يستطيع في كل لحظة أن يوظّف بارقة أمل لكل اللبنانيين في قدرتهم على النهوض والاستمرار.

لين ذكّرتنا بأن هناك فعلاً حقيقة اسمها طرب ليس له عمر.

وأيقنّا من خلال لين ورفاق لين أن الغناء السليم والرفيع والخالي من النشاز والمليء بالإحساس هو للصغار وليس لـ<الكبار>، مع التقدير لكبار رحلوا وكادوا أن يأخذوا لبنان معهم.

من باريس الى بوسطن الى الريو وسيدني ومونتريال الى أبيدجان والخليج، أساطير لبنانية تعرّفنا إليها عبر الزمن وكأنها أشياء حدثت لأصحابها في الحلم.

رأينا كثيرين تدمع عيونهم عند ذكر لبنان، بل تدمع عيونهم عند محاولة لفظ عبارة واحدة عن لبنان بالعربية من مثل <كيف حال لبنان؟>.

إن حبّهم للبنان ليس حبّاً، إنه نوع من العبادة، حب أسطوري عبر الولايات المتحدة الشاسعة الواسعة وأوروبا وأفريقيا وأستراليا وكندا.

قصصهم لا تُحصى، وأخبارهم ورثها الأولاد والأحفاد وأحفاد الأحفاد، أروي واحدة حصلت في العام 1960 حين انتخبت إحدى الولايات الأميركية لبنانياً من بعلبك هو جوزيف نصر رئيساً لبلديتها: قال نصر للحاكم <نيلسون روكفلر>: <لن نقدّم لكم مفاتيح المدينة الرمزية، فقد سبق لنا وفعلنا ذلك، سبق لنا وأعطيناكم مفاتيح القلوب يوم انتخبتكم مدينتنا بأكثرية ساحقة>.

وخرج <روكفلر> من شدّة الفرح من مقعده حيث الاحتفــال وركض نحـو نصـــر يعانقـــــه ويقــــول له: <أنتــــم اللبنانيين لا تزالـــــون مـــــن ســـادة الكلمة الحلــــوة>.

ونحن نضيف: <مــــن سادة الإبداع والتألق ليس في الخارج فحسب بل في الداخل حيث لين ومارك أمس، وفلان وفلان غداً وكثيرون بعد غد…>.

هؤلاء فقط سيتغلّبون على من أساؤوا الى لبنان، وجعلوا منه مكبّاً للنفايات ومن شعبه ساعياً الى الفساد.

لين ومارك،

لقد حرّكتما فينا سنوات ضائعة في حياتنا.

حرّكتما فينا ما نريد عدم نسيانه، صفحة بيضاء في تاريخ بلدنا الحبيب لبنان.

أحببتما لبنان على طريقتكما، كما لم يحبّه من هو أكبر منكم سناً.

لقد اخترقتما قلوبنا، وكنتم عقولاً ستبني بل ستعيد لنا وطناً شامخاً، ذكياً، وعفيفاً حيث الكلمة فيه أغلى صناعة تُؤنس الليالي وتُنير العقول وتُعيد إلينا اقتناعاً كان سائداً بأننا معلّمو معلّمي العالم.

ونحن اللبنانيين، لن نترك المشرق لمغيب لأن أشباه لين ومارك سيتكاثرون وسيبزغ النور من رحمه.