10 December,2018

لــؤلـــــؤة الـسـيـنـمــــــا الـمـصـريــــــة يـســــــرا مــن بـيــــروت: ”لـــــو مــا مـثّلـتــــــش... أنـــا بـصـــــــدّي“!

بقلم عبير انطون

بدعوة من الجامعة العربية في بيروت حلت النجمة المصرية يسرا ضيفة على بلد الأرز. ديبلوماسيون ونواب لبنانيون ومصريون مع كوكبة من سيدات الجالية المصرية احتفلوا باللقاء معها.. <تميمة الحظ>، <لؤلؤة السينما المصرية> لا زالت تشع جمالا وحضورا، على الرغم من سني مشوار العمر الفني الطويل الذي لولا الصدف لكان حملها الى التحليق عاليا في السماء لتكون مضيفة الطيران التي حلمت أن تكونها وتراجعت عنها بفعل الخوف. كما <انغريد بيرغمان> بالشعر <الريترو> الأشقر والزي الطويل الراقي أطلت، فذكرتنا بنجمات عالميات لا يشخن. الفنانة التي منحت من الجامعة الاميركية في القاهرة لقب الدكتوراه الفخرية وهي من المرات النادرة التي تمنح لفنان والتي كرمتها <جمعية الاطباء الملكيين> في بريطانيا، كانت مشرقة باللقاء مع الطلاب، فأفردت لهم حيزا واسعا من الاسئلة مع لقاءات جانبية للاعلاميين الذين رحبوا بها. فما الذي كشفته يسرا عن المسيرة، ماذا قالت عن لبنان، وما جديدها المقبل؟

 

<الافكار> عادت بالاجوبة…!

 حول الموجة السائدة في السينما المصرية اليوم من قصص رومانسية بشكل مكثف، تردّ يسرا الأمر الى تراكم العنف الذي عاشه المجتمع المصري والعربي مؤخرا، ما ولّد حالة من طلب الطمأنينة والركون الى المشاعر والأحاسيس من خلال قصص تلبس شكل الحب الجديد في ايامنا الحالية، فـ«لحظة حب> في الستينات هي طبعا مختلفة عما هي عليه في التسعينات ومختلفة عما هي عليه اليوم، <الدنيا بقت قاسية جدا> قالت يسرا.

بغير السينما المصرية تتابع النجمة الحلوة السينما اللبنانية بشكل دقيق، مؤخرا تابعت فيلم <الشتيمة> للمخرج زياد دويري، اما المخرجة نادين لبكي فلها مكانة خاصة عندها، وتعتبرها يسرا من أكثر الفنانات ذكاء في اختيار مواضيعها فضلا عن الجرأة التي تتمتع بها في طرحها: <هي من أكفأ المخرجات في ادارة ممثليها وتقديمهم بافضل صورة تخدم قصتها>.

النوايا الحسنة…!

الى يسرا الفنانة، دخلنا في أعماق يسرا الانسانة وسفيرة النوايا الحسنة لبرنامج الامم المتحدة للانماء، والذي تعتبره منعطفا مهما في مسيرتها. اما حملاتها دعما لمرضى السرطان وجمع التبرعات لقضايا انسانية ملحة فمن غير الممكن ان تكون حبا بالظهور ابدا: <لأ ما ينفعش.! هنا بالتحديد يظهر التمثيل، فان لم يكن ما يقدمه الفنان في هذا المجال عن اقتناع تام واحساس بوجع الآخر فانه تمثيل وزيف، والناس تكتشف ذلك في لحظة. في السابق كنت اقوم بمثل هذه المساعدات في الظل ووجدت انني اطبطب على جرحهم، وآمنت بأنني ان تمكنت من تأمين لحظة سعادة واحدة على وجوههم فان ذلك يمدني بشعور لا يوصف>.

جانب الاناقة في حياة يسرا يدخل من ضمن الأولويات، هي التي اختارتها ماركات ازياء عالمية لتكون صورتها في البلاد العربية. برنامج <بروجيكت رانوي> لاختيار افضل مصمم ازياء والذي شاركت في لجنة تحكيمه التي ترأسها مصمم الازياء اللبناني العالمي ايلي صعب، دخل من ضمن هذا السياق. <ايلي يشرّف الوطن العربي كله> تقول يسرا، <وقد احترمته أكثر لما تعرفت اليه عن قرب: انسانية، طيبة حقيقية واخلاق. مشاركتي في لجنة التحكيم علمتني الكثير بدورها، وقد سعدت بعفاف (اشارة الى الممثلة والمقدمة ومصممة الازياء عفاف جنيفان) التي كنت قابلتها في تونس وعدت والتقيت بها بعد واحد وعشرين عاما. تعلمت امورا ربما كانت فايتاني اذ كنت لما اشتري زيا آخذه بكليته جميل ام لا. بعد البرنامج بت انتبه لأدق التفاصيل>.

 

اعرف طريقك…!

نصيحة يسرا لابناء الجيل الجديد تختصرها بكلمتين اثنتين: <لا تستسلموا! الفشل ليس سوى انطلاقة جديدة>. في بداياتي قدمت حوالى 25 فيلما بقيت جميعها من دون ان تعرض فاطلق علي في مصر لقب <الفنانة المعلبة>. كانت الساحة الفنية تزخر بكبار النجوم وكان صعبا جدا اختراقها لكنني أثبتت نفسي… والاصعب من النجاح هو الاستمرار، وللاستمرار فإن المدماك الاول يبقى التواضع لان الغرور مقبرة الفنان، اما الشغف بالعمل فأساسي طبعا: عندما لا امثل اشعر بأنني صدئة. لن اتوقف يوما عن التمثيل ولا حتى عن اي مشروع يمكنني ان اجد نفسي فيه اكان في التمثيل او الغناء او البرامج او غيرها. استنشق من كل وردة بعض العبير ليبقى نفسي عابقا بالحياة <بعمري ما هوقف!>. قالت يسرا التي شددت ايضا لشباب الجيل الجديد على عبارة  <اعرف طريقك وامشها بشغف..بثبات!…> وعن اللبنانيين تحديدا زادت بحب ظاهر: <انتم كماليون، ان مسكتم اي فكرة او عمل فإنكم تتقنونه حتى النهاية وتوصلون به الى مستوى عالمي… هذه ميزتكم. استغلوها. ستجدون في وجهكم الطلعات والنزلات، السدود والآفاق المفتوحة فلا تتراجعوا. وفي عملكم مع الاشخاص الذين لا تشعرون بكيمياء تسري بينهم وبينكم، تغاضوا عن الامر، تجاوزوه، وتعلموا منهم>!

 ألف جنيه…!

الحب الاول في حياة يسرا كان اسمه علي، وله غنت يسرا. اصلا هي اعتمدت في الاذاعة المصرية كمطربة، الا ان الاقدار شاءت اخذها الى عالم التمثيل حيث اجمع كل من رآها ومنذ البدايات على انها ولدت نجمة. هذه النجمة ولدت من ابوين انفصلا قبل ان تخرج هي الى الحياة، وارادت ان تؤكد وجودها، ان تثبت نفسها. مرورها ذات يوم بسيارة <الفولس فاغن> التي يقودها والدها الى جانب مكان تحلق فيه المعجبون حول نجمة زمانها سعاد حسني جعلها تنظر الى المشهد وتقول <ياه… اريد ان أصبح مثلها>.

كدّت يسرا التي دخلت على يد عبد الحليم نصر وحسين الصبّاح في مشوارها. الصبّاح كان من منحها أول فرصة في حياتها وقال لها <حاخدك نجمة> وكان اجرها الاول حينذاك الف جنيه! كذلك تبناها فنيا في بداياتها <دونجوان السينما> رشدي اباظة. تعلمت التمثيل وفنونه من دون ان تدخل المعهد حاصدة سبعين جائزة محلية وعشرات الجوائز وشهادات التقدير من مهرجانات سينمائية عربية كأفضل ممثلة وقد دخل البعض من افلامها روائع كلاسيكيات السينما المصرية. وابرز ما يستقر في الذاكرة من تلك الافلام تلك التي شكلت فيها المربع الذهبي مع الكاتب الكبير وحيد حامد والمخرج شريف عرفة والزعيم عادل امام.

«مدرستي وجامعتي> تقول يسرا، <كانت لقاءاتي بالكتاب والمؤلفين والاعلاميين والنجوم الذين كنت اسألهم واتعلم منهم، كنت عايزة اتعلم وهذا اساسي>. الشهرة طرقت يسرا ابوابها باكرا حتى انها كانت تقوم بأكثر من دور في فيلم واحد الى ان تم اللقاء مع المخرج العالمي يوسف شاهين الذي اختارها للتمثيل في العام 1981: قرأت سيناريو الفيلم <ما فهمتش منو حاجة> تقول يسرا. طلب مني شاهين التركيز معه وعدم فتح باب الحوار والنقاش او العمل في اي فيلم آخر. هو من علمني الانتقائية في اعمالي. علمني بان الله خصّني بموهبة التمثيل لاكون الوسيط بين المخرج والمتلقي، فيجب ان اكون على قدر هذه المسؤولية، ومن حينها صرت اختار بشكل دقيق جدا ادواري المختلفة.

مع الزعيم…!

من هذه الأدوار المختلفة ما شكل حلا في المجتمع لأكثر من مشكلة يعانيها المصريون حتى ان بينها ما حض السلطات على اتخاذ اجراءات قانونية او تنفيذية من بعدها، كمثل مسلسل <قضية رأي عام> حول الاغتصاب ونيل الدكتورة حنان (يسرا) حقها بالقانون. كذلك تذكر يسرا أيضا بفيلم <كراكون في الشارع> الشهير والذي وضع الاصبع على الجرح <السكني> في مصر واتخذت من بعده للتو اجراءات البناء على الطريق الصحراوي.

وللتذكير، يتناول الفيلم قصة المهندس شريف (عادل إمام) وزوجته سعاد (يسرا) المدرسة وابنتهما سارة وابنهما هاني ووالدته (نعيمة الصغير) الذين يعيشون بمساكن الإيواء بعد هدم منزلهم، ونظرا للمستوى غير الإنساني للمعيشة فيها يلجأون إلى فناء حوش الأسرة ويفاجأون بإقامة أبو دومة (علي الشريف) فيه. تأمر النيابة بأن يتقاسموا الحوش. يتمكن شريف من تصميم مسكن متنقل من الأخشاب والإقامة فيه. يتعرض لمضايقات عديدة وتنجب زوجته ولدا يسميه كراكون، من وحي استدعائه المتكرر للكراكون بتهم كثيرة كسرقة التيار الكهربائي واشغال الطريق. يقتنع عدد كبير من الشباب بفكرة المسكن المتنقل بعد إذاعة برنامج تلفزيوني عن تجربة شريف. يشرعون في إقامة عدد من هذه المساكن بالصحراء، لكن شرطة المرافق قررت إزالتها بناء على أمر سلطات المحافظة. في النهاية تتدخل السلطات العليا وتأمر بالإبقاء عليها.

<كراكون في الشارع> مع الفنان عادل امام لا يمكن ان تنساه يسرا وهي اشتركت معه في بطولة 17 فيلما. ومعنا ايضا تستعيد فيلم <طيور الظلام> للكاتب وحيد حامد الذي شكل استشرافا لما عاشته مصر مؤخرا… تذكر تعاونها الاول مع الزعيم: <في اول افلامي معه كنت ألعب دور اخته، فيضطر في احد المشاهد ان يشدني من شعري. قام عادل بذلك فرحت أبكي بقوة. اقترب مني سائلاً: آسف… انا وجعتك اوي كده؟ فأجبته: ابدا، عندئذٍ قال لي: <لأ بقا، انتي ممثلة جامدة جدا…>.

جرأة يسرا وقوتها في السينما لم توافها الى المسرح والتي كانت مقلة في اعمالها فيه اذ لم يتعد ما قدمته المسرحيات الخمس، في حين انها قدمت ما يفوق المئة فيلم سينمائي واكثر من ثلاثين مسلسلا تلفزيونيا. كانت تخاف من الجمهور المباشر. تذكر المسرحية الاولى التي شارك بها الكثير من النجوم والفنانين بدون اي اجر بهدف جمع التبرعات لسداد ديون مصر، ولما رأت على الخشبة امامها كوكبة الابطال الموجودين من فريد شوقي الى محمود عبد العزيز وسواهم تبلكمت ولم تستطع النطق بكلمة واحدة. <كنت مقلة في المسرح من خوفي> تعترف يسرا.

في المسلسلات، كانت بطلة <رأفت الهجان> (مع محمود عبد العزيز) بين النجمات النادرات ان لم نقل الاولى التي تنتقل من الشاشة الذهبية الى الفضية في رهان كان ناجحا وجر وراءه لائحة من ابرز نجوم عالم السينما الى التلفزيون. كذلك فان تشجيعها للوجوه الجديدة يأتي من منطلق مد يد العون ومنح الفرص لاطلاق مواهب كانت هي يوما ما واحدة منها، ووجدت من اطلقها. في هذا المجال تحدثت لنا عن تجربة احمد عز الذي بات اليوم من اشهر وجوه السينما المصرية، مشيرة الى انه لما طرح عليه الاشتراك بمسلسل <ملك روحي>، اجاب: <انا مش عاوز مسلسلات>… شجعته يسرا بقولها ان هذه الخطوة ستتقدم به عشرات الخطوات الى الامام. وبعد عرض المسلسل وجدته ينحني على رأسها ويقبله شاكرا اياها لما شجعته على خوضه.

 وتقول يسرا التي يجمع من يعرفها على صفة <العطاء> التي تتمتع بها: دعمت وشجعت العديد من الوجوه الشابة وآمنت بقدراتهم التمثيلية فهناك جيل من الشباب في مجال التمثيل والموسيقى نعتز به.

وبين الوجوه الغنائية الشابة التي دعمتها يسرا مؤخرا كان الفنان <أبو>، ويستمر نجاح اغنية <تلات دقات> بشكل منقطع النظير بعد ان سجلت الأغنية رقما قياسيا في متابعتها على <السوشال ميديا>، وجعلت كل شباب العالم العربي يرددونها.

 أما تلفزيونيا فيتابع الجمهور حاليا لصاحبة <الوردة الحمراء> مسلسل <لدينا اقوال اخرى> الذي يعرض على قناة <او اس ان> وتدور أحداثه حول مستشارة قانونية سابقة تعيش حياتها بشكل طبيعي، إلى أن يتعرض ابنها لحادث يقلب حياتها رأسًا على عقب، لتبدأ البحث عن حقه في محاولة للاقتصاص من القتلة، فتنتهي بها الأحداث الى اتهامها بقتل ابنها وتواجه حكما بالإعدام.