26 September,2018

لـخـصـخـصـــــة بـورصــــــة بـيــــــــروت وإنـشـــــــاء الـمـنـصـــــة الالـكـتـرونـيــــــة لجـــــذب الاستـثـمـــــارات!

 

بقلم طوني بشارة

جاسم-عجاقة---2

<شاخت> بورصة بيروت كما الكثير من مؤسسات الدولة غير الناجعة، لأسباب لا تبعد كثيراً عن التجاذبات السياسية، فباتت أشبه بـ<دكان> لأسهم بعض الشركات العائلية، شركات لا يتعدى عددها 11 شركة تتصدرها شركة <سوليدير> وعدد من المصارف اللبنانية مثل <بنك عوده> و<لبنان والمهجر> و<البنك اللبناني للتجارة> و<بيبلوس>… وغيرها.

بورصة بيروت وبعد فترة ذهبية في خمسينات وستينات القرن الماضي، تعيش اليوم وللأسف عزلة مالية بكل ما للكلمة من معنى، حتى يكاد المرء يظن أنها تتمركز على جزيرة مجهولة، فلا يعنيها التداخل مع أي من الأسواق المالية العالمية أو الإقليمية، مما جعل من خصخصتها حلاً نهائياً لإخراجها من <قمقمها>، ومن أجل هذا الهدف استُصدر قانون يحمل الرقم 161 لكنه ركن في أدراج مجلس الوزراء لأعوام، وما يزال.

 ولا يخفى على احد بأن التجاذبات السياسية التي عرقلت تطبيق القانون 161 المعني بخصخصة بورصة بيروت وتحويلها الى شركة متطورة، دفعت بـ<مصرف لبنان> و<هيئة الاسواق المالية> الى العمل على تأسيس بورصة جديدة أو بالأحرى منصة الكترونية في بيروت لتمكين الشركات كافة من طرح أسهمها، فيُدرج فيها المهنيون والمصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة والمكاتب العائلية المتخصصة بادارة الثروات الخاصة، وتكون وسيلة تداول قانونية وشفافة للمؤسسات المالية المحلية والأجنبية. فما هي المنصة الالكترونية؟ وما مصير بورصة بيروت؟

وهل فعلاً ان الاستثمارات هي مفتاح النمو الاقتصادي؟ وهل آن الأوان لإقرار مشروع خصخصة بورصة بيروت وإنشاء المنصة الالكترونية؟ تلك التي ستُشكل رافعة للاستثمارات في الاقتصاد اللبناني، على اعتبار ان بورصة بيروت التي تأسست في العام 1920 (والتي تعتبر ثاني أقدم بورصة في الشرق الأوسط) قد فقدت عدّة فرص لتطويرها بسبب الأحداث الأمنية التي عصفت بلبنان في سبعينات القرن الماضي، ولكن أيضاً لافتقادها الأسس التي تقوم عليها البورصات الحديثة وعلى رأسها كفاءة الأسواق (market efficiency)، القدرة على خلق أدوات مالية إصطناعية (Replication)، وغياب فرص المراجحة (absence of arbitrage opportunity)؟

وبالتالي هل تعتبر هذه الأسس ضرورة لا مهرب منها لإنشاء بورصة حديثة تخدم الأهداف التي أنشئت من أجلها أي دعم الاقتصاد الوطني؟

وهل فعلاً ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يسعى لحلّ هذه المُشكلة عن طريق إنشاء منصّة الكترونية (ETP – Electonic Trading Plaform) والتي هي عبارة عن منصّة الكترونية يتمّ إدراج أدوات مالية عليها من عملات، معادن، أسهم، عقود آجلة، وعقود خيارية لكن أيضاً سيكون من المُمكن أخذ وضعيات قصيرة (Short Selling)، وهو ما يُعتبر أساسياً في تطور الأسواق المالية؟

عجاقة وتداخل الاقتصاد بالسياسة

تساؤلات عديدة للإجابة عنها التقت <الأفكار> الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة الذي أشار الى كون الخلافات في شأن قانون الإنتخاب تلقي بظلالها حكما على الاقتصاد اللبناني حيث أن التأخر في إقرار قانون إنتخابي مع بدء إستنفاد المُهل الدستورية يزرع الشك في نفوس المُستثمرين وبالتالي لن يعمدوا إلى الاستثمار، ويظهر مشروع خصخصة بورصة بيروت وخلق المنصة الالكترونية كحلّ يسمح للاقتصاد بجذب الاستثمارات.

وتابع عجاقة:

– يُظهر تاريخ السياسة الداخلية اللبنانية، أن السياسيين بحكم إمتلاكهم للقرار الاقتصادي يربطون هذ الأخير بالمناخ السياسي القائم، وقد شهدنا في العقود الأخيرة إجراءات تعطيلية لقرارات اقتصادية لأسباب سياسية بحتة، وبما أن لبنان يعيش منذ إستقلاله في أربعينات القرن الماضي حالة من عدم الثبات السياسي، نرى أن الاقتصاد اللبناني يُعاني من لجم هائل لنموه يُصنّف في علم الاقتصاد بخسائر كانت لتسمح للبنان بناتج محلّي إجمالي ثلاثة أضعاف ناتجه المحلّي الحالي، وهذا القول ليس بجديد ويُمكن إثباته من خلال رؤية البيانات التاريخية للاستثمارات (الأكثر تأثراً بالمناخ السياسي) والنمو الاقتصادي، فالعلاقة بين الاستثمارات والنمو الاقتصادي تظهر جلياً في ثلاث مراحل أساسية في تاريخ لبنان: ستينيات القرن الماضي، مرحلة ما بعد الحرب الأهلية وفترة 2007 إلى 2010.

واستطرد عجاقة قائلا:

– تؤكد النظرية الاقتصادية على هذا الأمر من خلال المقولة الشهيرة أن «لا نمو من دون استثمارات> حيث أن البحث في البيانات التاريخية للعديد من الدول المُتطوّرة وفي طور النمو يثبت أنه في كل مرة شهد الاقتصاد نمواً، كان هناك استثمارات تسبق مرحلة النمو، ولكن المُشكلة التي يواجهها لبنان هي في عدم قدرة القطاع العام على القيام باستثمارات نظراً للعجز المُزمن في ماليته العامّة والفساد والهدر المُتعلقين في إدارة هذه المالية، ومن هذا المُنطلق، نرى أن القطاع الخاص هو الوحيد القادر على القيام بهذه الاستثمارات وعلى وضع الاقتصاد اللبناني على سكة النمو.

ــ ما المقصود بوضع الاقتصاد على سكة النمو؟

– وضع الاقتصاد اللبناني على سكّة النمو يعني أن الاقتصاد سيخلق ثروات ستُستثمر في الاقتصاد اللبناني وتمتصّ الدين العام المُتزايد عاماً بعد عام، وهذا ما تؤكده النظرية الاقتصادية إذ أن النمو الاقتصادي هو الوحيد القادر على امتصاص الدين العام.

القطاع الخاص والثقة بالاقتصاد

– كيف يُمكن للقطاع الخاص الاستثمار في ظل مناخ سياسي مُتخبطّ؟

– الجواب البديهي هو أن القطاع الخاص لن يقوم بهذه الخطوة إلا إذا كان هناك ثقة بالاقتصاد، وفي ظل الأنظمة الديموقراطية، وهذه الأخيرة تتعلّق بستّة عناصر هي: الثبات السياسي، الثبات الأمني، تداول السلطات، الخطط والإصلاحات الاقتصادية، محاربة الفساد، وقوانين عصرية تواكب التطوّر الحالي.

Walid-Raphaël-Chaiman-General-Manager-during-his-opening-statemen---1tوأضاف:

– من هذا المُنطلق، يتوجّب على السلطة السياسية أن تعمل على النقاط الثلاث الأخيرة لأنها أكثر قابلية للتطبيق مع التخبّط السياسي القائم، وعلى رأس هذه النقاط القوانين العصرية والإصلاحات الاقتصادية.

– وماذا عن التمويل؟ وهل تلعب البورصة دوراً في ذلك؟ وما هي مؤهلات بورصة بيروت؟

– في الاقتصادات المُتطوّرة، تعتمد هذه الاقتصادات على الأسواق المالية لتمويلها وجذب الاستثمارات، أمّا في الاقتصادات الأقلّ تطوّراً، فالاعتماد الأساسي يبقى على القطاع المصرفي بالدرجة الأولى وعلى بعض المبادرات الفردية. من هذا المُنطلق آن الأوان للبنان لأن ينتقل من مرحلة التمويل من المصارف إلى مرحلة التمويل من الأسواق. وعليه، يتوجّب على لبنان أن يمتلك بورصة قادرة على اجتذاب الاستثمارات وهو الذي يمتلك الخبرة والمؤهلات.

وتابع عجاقة يقول:

– نصّ قانون إنشاء هيئة الأسواق المالية على خصخصة بورصة بيروت – ثاني أقدم بورصة في الشرق الأوسط، وهذا الأمر أتى كنتيجة لضعف البورصة (إدارة عامّة) في جذب القطاع الخاص على الرغم من انشائها منذ العام 1920 حيث نرى أن عدد الأسهم التي يُتداول فيها لا يتجاوز الـ 12 سهماً. أضف إلى ذلك أن هذه البورصة لا تحتوي على مقومات البورصات الحديثة والتي تتلخّص في ثلاثة عناصر:

– أولاً: كفاءة الأسواق (Market efficiency) والتي تُترجم بإنعكاس المعلومات العامة المتوافرة حول الأسعار.

– ثانياً: القدرة على خلق أدوات مالية إصطناعية (Replication) من قبل المُستثمرين، وذلك بهدف التحوّط المالي وخلق فرص الربح للمُستثمر.

– ثالثاً: غياب فرص الترجيح (Absence of Arbitrage Opportunities) والتي تجعل الربح من غير مخاطر غير مُمكن، وهنا تكمن بالتحديد أفضلية التمويل من الأسواق على التمويل من المصارف، إذ أن الأخيرة ترفض أخذ المخاطر لتحقيق أرباح وتُفضّل الاستثمار في سندات الخزينة مع فوائد عالية (7 بالمئة) مقارنة بالفوائد في الدول الأخرى.

ــ ما الفائدة اقتصادياً في حال توافرت هذه العناصر؟

– هذه العناصر إذا ما توافرت، تسمح للاقتصاد اللبناني بجذب المُستثمرين خصوصاً أن هذا الاقتصاد يتمتّع بعائدات على الاستثمارات لا يوجد مثيل لها في الوقت الحالي في الدول المُتطوّرة، فمثـــــلاً يشهــــد القطــــــــاع التكنولوجــــــي نمــــواً بنسبــــــة 20 إلى 26  بالمئة سنوياً وذلك منذ عدّة أعوام كان ليتمّ تعظيمهــــا لو كان هناك استثمارات مؤاتية.

المنصة الالكترونية والاقتصاد اللبناني

ــ تكلمت عن خصخصة البورصة، فكيف يتم ذلك؟

– تمر خصخصة البورصة إلزامياً بإنشاء منصّة الكترونية (ETP – Electronic Trading Platform) والتي هي عبارة عن منصّة الكترونية يتمّ إدراج أدوات مالية عليها من عملات، معادن، أسهم، عقود آجلة وعقود خيارية بعكس بورصة بيروت الحالية التي تقتصر على بعض الأسهم والعملات، لكن الأهم أن هذه المنصّة ستسمح بخلق وضعيات قصيرة (Short Selling) وهو ما يُعتبر أساسياً في جذب الاستثمارات.

واستطرد قائلاً:

– لكن الهدف الأسمى في خلق هذه المنصّة يبقى تمويل الشركات الناشئة والتي ستتمكّن من إدراج أسهمها على المنصة (الأمر غير المُمكن حالياً في بورصة بيروت)، وهذه الشركات التي يعتبرها <البنك الدولي> الأداة الأولى في محاربة الفقر، ويعتبرها <صندوق النقد الدولي> الأداة الأولى لنقل التكنولوجيا إلى الاقتصادات غير المُتطورة، ستسمح بنهضة نوعية للاقتصاد اللبناني، وبالتالي سيتمّ سدّ النقص في تمويل الاقتصاد اللبناني الذي ونظراً للمخاطر المحفوفة به، ترفض المصارف اللبنانية إقراضه بشروط مقبولة من قبل المُستثمر.

وأضاف عجاقة:

– فهذه الشركات التي تُعرف بالـ(Startup) (وهي تملك قدرة نمو عالية) لا تملك حالياً قدرة على الاستثمار، بحكم أن المصارف تطلب من هذه الشركات ضمانات لإقراضها الأموال، وبالتالي فإن المنصة الالكترونية ستسمح للشركات التي تستوفي شروطاً معينة تضمن حقوق المُستثمرين، من الحصول على تمويل كاف لها، وهذا ما تُطالب به الهيئات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) التي تعتبر أن الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم هي الأداة الأساسية لمحاربة الفقر ونقل التكنولوجيا إلى الاقتصاد اللبناني.

واستطرد عجاقة قائلاً:

– أيضاً من فوائد المنصة الالكترونية أنها ستجذب في المدى القصير كمّا هائلاً من الأموال التي يستثمرها اللبنانيون في الخارج على منصات الـ(Over The Counter) أو ما يُعرف بالـ(OTC)، فالعديدون من اللبنانيين يمتلكون حسابات في مصارف وشركات لبنانية ويتمّ استثمارها في الخارج دون أية إفادة للاقتصاد اللبناني. وأيضاً، يُمكن القول أن خلق المنصّة الالكترونية سيجعل من المُمكن خلق عقود على النفط والغاز اللبنانيين حيث سيُصبح لبنان قادراً على بيع غازه ونفطه (بحسب شروط التلزيم!) بأسعار أعلى مع زيادة السيولة على الغاز والنفط (Liquid Instrument). فعند إستخراج النفط والغاز سيتمكّن لبنان (إذا ما سمحت شروط التلزيم) بإدراج عقود على النفط والغاز اللبنانيين مما يزيد من سيولتهما (instrument liquidity) وبالتالي الطلب عليهما.

ــ لماذا لم تتم الخصخصة بعد؟

– إن قرار خصخصة بورصة بيروت وخلق المنصّة الالكترونيـــــة بحاجــــــة إلى جلســـــة مــــن مجلس الوزراء الـــــذي يقبـــــع المشــــــروع في أدراجـــــه، ولا يمكــــن القــــــــول إلا أن هــــــذا الأمــــــر لا علاقــــــــة له بالطوائف ولا بحقوقها بل له علاقة بالاقتصاد، لذا رأفة بالعباد حرّروا المنصة الالكترونية. ومما تقدّم، نرى أن على الحكومة اللبنانية الإسراع ببتّ مشروع خصخصة بورصة بيروت لكي يتمّ إنشاء المنصة الالكترونية، وهذا الأمر لا يُكلّف الحكومة اللبنانية أي مصاريف لا بل على العكس ستزيد مداخيل الدولة اللبنانية من الضرائب بحكم أن إرتفاع الاستثمارات يرفع حتماً هذه المداخيل. وبالطبع يُمكن القول أن فتح هذه المنصّة على الأسواق العالمية عبر تبادل المعلومات عن الأسعار والقدرة على الاستثمار من خارج لبنان من خلال المؤسســــــات المالية سيزيد حكماً من حجم المنصّة وسيُعطيها دفعـــــاً علّهـــــــا تستعيــــــد الدور الذي خسرته لصالح بورصة دبي.