7 December,2019

لـبــنـان عـلى أبــواب مـواجهـــة مــع الـمـجـتـمـــع الـدولـــي قد تصـل الى حـد طــرد موظفيــن في مفوضيــة اللاجئيــن!

 

بروكسيل-2نهاية الأسبوع الماضي حملت بوادر مواجهة قد تصبح حتمية بين لبنان والمجتمع الدولي على خلفية البيان المشترك الذي صدر عن رئيسي <مؤتمر بروكسل2> الاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة والذي تضمن مواقف وعبارات حول النازحين السوريين رفضها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ودانها وزير الخارجية جبران باسيل بعبارات قاسية وصلت الى حد التلويح باتخاذ إجراءات بحق المنظمات <التي تصر على اعتماد سياسات ومواقف وبيانات تمس سيادة لبنان وقوانينه وتهدد سلمه الأهلي>. وفيما لم يصدر عن رئيس الحكومة سعد الحريري الذي ترأس وفد لبنان الى <مؤتمر بروكسل2>، أي موقف يجاري مواقف الرئيسين عون وبري والوزير باسيل، اكتفت مصادره بالتمييز بين البيان المشترك الذي صدر عن المشاركين في المؤتمر والذي شارك لبنان في صياغة مضمونه، وبين البيان الرئاسي الذي صدر عن الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة والذي عبّر عن رأي المنظمتين وليس عن رأي المشاركين في المؤتمر ومنهم لبنان.

فهل وصلت العلاقة الى نقطة اللارجوع؟

مصادر مطلعة على موقف الرئيس عون والوزير باسيل تؤكد أنها ليست المرة الأولى التي تصدر فيها عن مراجع دولية مواقف تناقض الموقف اللبناني حيال موضوع النازحين السوريين الذين يطالب لبنان بعودة آمنة لهم الى المناطق السورية التي عاد اليها الأمن والاستقرار، وتلك التي لم تشهد في الأصل قتالاً بين الجيش السوري والتنظيمات الارهابية، واكثر من مرة طالب لبنان تصحيح عبارة <العودة الطوعية> واستبدالها بعبارة <العودة الآمنة>، فيتم الاتفاق على الاستبدال لكن سرعان ما تعود عبارة <الطوعية> الى النص. حتى ان زواراً اوروبيين ودوليين سمعوا مباشرة من رئيس الجمهورية تحفظات كثيرة على طريقة تعاطي المنظمات الدولية مع النازحين السوريين في لبنان لاسيما لجهة <إخافتهم> من العودة الى ديارهم، لكن ردة الفعل كانت دائماً توحي باللامبالاة للموقف اللبناني. ولعلّ <الشعرة التي قصمت ظهر البعير> كانت ردة الفعل التي صدرت عن مفوضية شؤون اللاجئين التي اعترضت على عودة نحو 500 عائلة سورية من منطقة شبعا الجنوبية الى بلدة بيت جن السورية، على رغم ان هذه العودة كانت طوعية من قبل الأهالي العائدين، ودور الدولة اللبنانية عبر الأمن العام اقتصر على تسهيل الترتيبات اللوجستية والقانونية لمغادرة لبنان.

المصادر نفسها تتحدث عن <ممارسات غير طبيعية> لعدد من العاملين في المنظمات الدولية المعنية بشؤون النازحين يتم توثيقها لعرضها على الأمين العام للأمم المتحدة <انطونيو غوتيريس> والممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي <فيديريكا موغيريني> وهي تدل على <ضغوط> يمارسها هؤلاء لمنع النازحين الراغبين في العودة من مغادرة لبنان من خلال <تهديدهم> بوقف المساعدات العينية والمادية التي تقدم لهم، وثمة وقائع سجلتها الأجهزة الأمنية اللبنانية لاسيما الامن العام اللبناني في هذا الاتجاه وحاول لبنان الرسمي تنبيه المسؤولين الدوليين في لبنان اليها من دون نتيجة.

 

عبارات ملتبسة… ومرفوضة لبنانياً!

كل هذه الملاحظات وغيرها كثير، أضيفت الى ما صدر في البيان المشترك بين الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة والذي أورد عبارات لم تعرض على الجانب اللبناني مسبقاً مثل <العودة الطوعية> التي قال البيان ان ظروفها تحددها مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين، وضرورة <إيجاد فرص العمل والاندماج في أسواق العمل لكل من المجتمعات المضيفة واللاجئين>، كما وردت في سياق عرض الواقع داخل سوريا عبارات مثل <الجلاء ذات الطابع المؤقت والطوعي> وغيرها من العبارات التي وصفها الرئيس عون بالملتبسة مطالباً بتوضيحات لها خلال استقباله السفير البريطاني في بيروت <هيوغو شورتر> الذي بادر – وفق معلومات <الأفكار> – الى الاتصال بسفيرة الاتحاد الاوروبي في بيروت <كريستينا لاسن> وممثلة الامين العام للامم المتحدة في العاصمة اللبنانية <برنيل كاردل> مقترحاً إصدار بيان توضيحي رداً على تحفظات الجانب اللبناني. وبالفعل صدر البيان رداً على <اللغط> الحاصل ليؤكد عدم حصول أي تغيير في موقف الاسرة الدولية، وان وجود النازحين السوريين في لبنان هو وجود مؤقت، وان الحلول التي يتم البحث فيها هي للاجئين خارج لبنان، وان المشاركة في سوق العمل تتم حصراً وفقاً لأحكام القانون اللبناني. وأشار البيان الى أن عبارات <إجلاء ذات طابع مؤقت وطوعي> و<حفظ الحق في العودة أو اختيار البقاء وفقاً للقانون الإنساني الدولي> التي رفضها لبنان، تتعلق حصراً بالسوريين المتأثرين بالنزاع داخل سوريا ولا يرتبط ذلك بلبنان ولا بالنازحين فيه.

إلا أن التوضيحات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي لم تزل مخاوف لبنان ولا رفضه لما ورد في البيان المشترك انطلاقاً من الطريقة التي يعترض لبنان عليها في تعامل المنظمات الدولية مع ملف النازحين السوريين، خصوصاً لجهة رفض المطالب اللبنانية بتسهيل عودة الراغبين من النازحين الى سوريا، علماً أن الأمم المتحدة نفسها أجرت احصاء في صفوف النازحين دلّ على وجود 92 بالمئة من السوريين في لبنان يرغبون بالعودة الى بلادهم.

باسيل يلوّح بإجراءات!

aoun-hugo-shorter

وسط هذه المعطيات أتى بيان وزير الخارجية مساء السبت الماضي لينقل المواجهة بين لبنان والأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي الى مكان متقدم اذ وجه باسيل رسالة الى <غوتيريس> و<موغيريني> تحدث فيها عن <عبارات تثير الشك والريبة بنوايا المجتمع الدولي تجاه لبنان ورؤيته لحل أزمة النازحين السوريين فيه>، داعياً المجتمع الدولي الى البحث في عملية عودة هؤلاء النازحين الى بلدهم ومدنهم وقراهم وفق الواقع الميداني في سوريا الذي قال الوزير باسيل انه تغير بشكل ايجابي خلال الاشهر الماضية لاسيما في حلب وحمص ودمشق ومعظم المحافظات التي اصبحت آمنة وتشهد حياة يومية طبيعية، واعتبر الوزير باسيل في رسالته ان عبارات <العودة الطوعية> و<العودة المؤقتة> و<خيار البقاء> و<الإقامة الشرعية> وغيرها، لا يقبلها لبنان لأنها تشجع السوريين على البقاء فيه.

إلا أن إشارة الوزير باسيل الى <اساليب الترهيب والتخويف> التي تعتمدها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، شكّلت تطوراً جديداً في توصيف العلاقة بين لبنان ومنظمات الامم المتحدة، علماً أن وزير الخارجية كشف في رسالته عن أن شروطاً مستحيلة تفرضها المفوضية على الراغبين في اعادة توطينهم في بلدان ثالثة غير لبنان!

وبعد دعوة وزير الخارجية <غوتيريس> و<موغيريني> الى سحب البيان والعمل معاً لإعادة صياغة رؤية مشتركة لحل أزمة النازحين السوريين تؤمن عودتهم الآمنة وتحول دون تقويض لبنان وقيادته نحو المجهول، حذر باسيل من إمكانية اتخاذ إجراءات بحق المنظمات <التي تصر على اعتماد سياسات ومواقف وبيانات تمس بسيادة لبنان وقوانينه وتهدد سلمه الأهلي>.

وفيما لم يكشف باسيل عن طبيعة هذه الإجراءات، فإن مصادر مطلعة قالت لـ<الأفكار> انها إجراءات تتدرج وصولاً الى حد اعتبار موظفين في المفوضية وغيرها من المنظمات غير مرغوب فيهم في لبنان، لاسيما أولئك الذين يقومون بأعمال تخيف النازحين وتحرضهم على البقاء في لبنان، وصولاً الى حد طردهم من الاراضي اللبنانية وسحب بطاقاتهم الديبلوماسية وتعليق حصاناتهم. وكادت هذه الإجراءات أن تبدأ ليل السبت الماضي، إلا أن اتصالات تمت على أكثر من مستوى بهدف معالجة هذه المسألة بتأنٍ ومن دون تسرع، لاسيما وان ردود فعل صدرت عن مسؤولين في الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي تستغرب ردة الفعل اللبنانية التي استمرت على رغم الايضاحات التي صدرت عن سفيرتي الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي في بيروت. وفي هذا السياق قالت مصادر ديبلوماسية أوروبية لـ<الأفكار> إن تلويح الوزير باسيل بـ<اجراءات بحق المنظمات> هو موقف <خطير ولا تفسير منطقياً له، لأنه – أي الوزير باسيل – يعرّض التعاون القائم بين المجتمع الدولي ولبنان للخطر في وقت يحتاج فيه لبنان الى دعم المجتمع الدولي له، وهو ما ظهر في مؤتمري <سيدر> و<روما-2>، وبالتالي فإن أية خطوة لا تتماهى مع الارادة الدولية بدعم لبنان تعرض الشراكة مع المجتمع الدولي لانتكاسات لا تخدم مصلحة لبنان وشعبه وسلامته واستقلاله وسيادته. وأسفت المصادر الديبلوماسية أن تصل الامور الى حد التهديد باتخاذ إجراءات ضد منظمات دولية يسهر العاملون فيها على تقديم العون للدولة اللبنانية ليس في ملف النازحين فحسب بل في كل الملفات الاخرى، لاسيما وان العبارات التي شكا منها وزير الخارجية لا تعني النازحين في لبنان بل السوريين الموجودين في الداخل السوري. وأملت هذه المصادر ألا يكون ما يصدر راهناً من مواقف حول مقاربة المجتمع الدولي لملف النازحين السوريين، يرتبط بشكل أو بآخر بالاستحقاق الانتخابي والحملات السياسية التي تندرج في إطار التنافس على المقاعد الانتخابية في ظل بروز انقسام بين المسؤولين اللبنانيين.

الانقسام اللبناني يسمح بالتجاوزات الدولية!

وتقول مصادر متابعة إن ما أشارت اليه المصادر الديبلوماسية الاوروبية عن وجود <انقسام> في صفوف الموقف اللبناني الرسمي لا يخالف الواقع، إذ انه سبق أن صدرت مواقف متناقضة من المسؤولين اللبنانيين حيال ملف النازحين منذ بداية الازمة السورية حيث تعاقبت ثلاث حكومات لم تستطع التوصل الى موقف موحد نتيجة الانشطارات وتضارب مصالح كل طرف حيال هذا الملف الساخن، وفي تقدير المصادر المتابعة أن دول المجتمع الدولي ما كانت لتصدر مواقف وبيانات تخالف توجهات بعض مَن في الدولة اللبنانية، لولا انها تدرك أن هذا الانقسام العمودي يسهّل على هذه الدول النفاذ لتحقيق ما تريده، علماً أنه لو كان الموقف اللبناني واحداً لما تجرأت الدول على اتخاذ مواقف تعرف أن الدولة اللبنانية منقسمة حيالها. وتتساءل المصادر نفسها: لماذا المجتمع الدولي لا يفرض إرادته على الأردن وتركيا كما يفعل مع لبنان؟ ويقف عند <خاطر> هاتين الدولتين في ما خص مقاربة ملف النازحين فيهما ويتقبّل شروطهما التي تناسب مصالحهما؟ وتجيب المصادر ان المشكلة في لبنان تكمن في أن كل طرف عمل منذ اندلاع الحرب السورية على استثمار ما كان يجري بعيداً عن المصلحة الوطنية، وقد شجعت دول عدة، غربية وعربية، الأطراف اللبنانيين على اتخاذ مواقف متناقضة لاسيما في موضوع عودة النازحين السوريين الى ديارهم، وصولاً الى حد <ابتزاز> اطراف لبنانيين لبعضهم البعض وتوجيه اتهامات وصلت الى حد وصف البعض بـ<العنصرية> و<التمييز> وغيرها من العبارات التي سادت.

في أي حال، بات ملف المواجهة بين لبنان والمجتمع الدولي مفتوحاً وقد أصبح معروفاً كيف بدأت هذه المواجهة لكن ما ليس واضحاً كيف ستنتهي، فهل بمقدور لبنان ان يعزل نفسه عن المجتمــع الـــدولي، أم يمكن الوصـــول الى صيغـــة تجمـــع بين تفهّــــم المجتمع للموقف اللبناني، في مقابـــل <تنسيق> لبنان مع استراتيجية الدول التي التقت في <مؤتمر بروكسل -2>!