21 November,2018

لـبــنـان أول المـتـحـرريـــن مـن عصـابات ”داعــش“!

 

بقلم وليد عوض

عون-وجوزيف-عون--2

الخطأ والصواب على مائدة واحدة. وما نسبه رئيس تحرير <جون افريك> الكاتب اللامع <فرانسوا سودان> من اتهام للمغرب بأنه مسؤول عن تفجيرات اسبانيا الأخيرة لاسيما تفجيرات برشلونة من خلال غلاف مجلته التي تضمن صور المتهمين المغاربة والوان العلم المغربي الوطني، يدخل في باب الخطأ، خاصة أن المغرب يرفض آفة الارهاب والملك محمد السادس يطرح نفسه كمنقذ لبلاده من الضلال، كما هو عنوان كتاب الإمام أبو حامد الغزالي، وان كانت المؤثرات المتلاحقة تتوالى واحدة تلو الأخرى لتنذر بأنه في الصحراء الغربية، يولد عالم جديد متحرر من كل رواسب العبودية.

ذلك كان حديث الخطأ.

أما حديث الصواب فهو تسجيل لبنان نصراً كبيراً على تنظيم <داعش> الارهابي وطرده من جروده الشرقية ليكون أول بلد عربي يحقق هذا الانجاز، في وقت لا تزال العين الامنية ساهرة على الداخل اللبناني تحسباً لتحريك الخلايا الارهابية النائمة لاسيما في مخيمات لبنان التي تعيش وضعاً شاذاً لاسيما في مخيم عين الحلوة.

المظلوم الحافظ!

 

ولبنان موصول بالقضية الفلسطينية منذ معركة <المالكية> 1948، والتجهيزات العسكرية دوارة منذ ذلك الحين، لا بيان وزاري يحصل على ثقة البرلمان إلا إذا كانت القضية الفلسطينية هي مربط الفرس. ما من حكومة منذ ذلك الزمان مرت على التصويت بالثقة، ومرة واحدة تجاوزت حكومة الدكتور أمين الحافظ هذا الجدار يوم قرر طرح الثقة في حكومته في نيسان(ابريل) من العام 1973 . ويقول أهل البرلمان ان حكومة الحافظ ما كانت لتسقط في مجلس النواب لو ان رجلاً واحداً هو رئيس الوطنيين الأحرار كميل شمعون أعلن انه لن يحضر جلسة الثقة ولن يذهب الى مجلس النواب لأن الحكومة فاقدة لمعناها الديموقراطي. فإن كلمة الرئيس رشيد كرامي، طيب الله ثراه، كانت فاقدة لروح الديموقراطية لأن فريقاً من المسيحيين قرر مقاطعة الجلسة، فكان الاتجاه الى تشكيل حكومة يرئسها الرئيس رشيد الصلح في 31 تشرين الاول( اكتوبر ) من العام 1974، بعد انتظار خمساً وعشرين سنة لهذا اللقب، لكن رياح القضية الفلسطينية عاكست سفن الصلح عندما تعرض المناضل معروف سعد لمحاولة اغتيال في 26 شباط(فبراير) من العام 1975 يوم كان على رأس تظاهرة في صيدا لصيادي الاسماك احتجاجاً على تشريع الدولة لإحتكار شركة <بروتيين> التي كان يملكها الرئيس كميل شمعون على طول الشاطىء اللبناني، وقضى سعد شهيداً بعد ايام في 6 اذار (مارس) لتأتي مجزرة بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان(ابريل) وتفجر الحرب الاهلية، وقد استقال عدد من الوزراء على خلفية الاحداث، الا ان الرئيس الصلح لم يستقل واصرّ على المثول امام المجلس النيابي، وألقى خطاباً إتهم فيه حزب الكتائب بالمسؤولية عن المجزرة، ما دفع نائب الكتائب يومئذ الرئيس امين الجميل للهجوم عليه وهو يغادر القاعة محاولاً إعادته، فأمسك به من طرفي سترته قائلاً: <حرام عليك أن تتهم حزب الكتائب بمهاجمة بوسطة المقاتلين الفلسطينيين المتجهة الى تل الزعتر، لأن الكتائب ليست هي التي ارتكبت المجزرة.

تلك هي المشاهد التي سرت فيها تداعيات الحرب اللبنانية الفلسطينية حتى قبل نشوب حرب السنتين أيام حكومة الرئيس صائب سلام التي تشكلت عام 1972، وهي حكومة المواجهة الأولى مع اسرائيل في عقر دار الشارع اللبناني. يومئذ وفي ليلة ظلماء في 11نيسان (ابريل) من العام 1973 هاجمت فرقة <كوماندوس> من <الموساد> بيوت الزعماء الفلسطينيين الثلاثة محمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر في فردان البيروتية وكانت القيادة لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق <ايهود باراك> الذي كان يتخفى بثياب امرأة. اغتالوا الزعماء الثلاثة، ومضوا في مركب بحري باتجاه تل أبيب ويومئذ بدأت الحرب اللبنانية، ولم يملك الرئيس صائب سلام إلا تقديم استقالته لأن رئيس الجمهوريـــــة سليمـــان فرنجيــــة رفض إقالـــــة قائـــــد الجيش انــــذاك اللواء اسكندر غانم، حتى لا يكون قادة الجيش هم المسؤولون عن الأحداث التي عصفت بالبلاد.

فجر الجرود والانتصار على <داعش>

 

وبالعودة الى الداخل اللبناني فقد تمّ اقفال ملف الارهاب من <داعش> و<النصرة> في الجرود الشرقية بعد ترحيلهم الى الداخل السوري وإن كانت العين على البؤر الارهابية المنتشرة في الداخل والخوف من احتمال تحريك هذه الخلايا النائمة، إضافة الى الوضع الشاذ في مخيم عين الحلوة التي تزامنت الأحداث بين حركة <فتح> وبين الاسلاميين المتشددين فيه مع بدء عملية <فجر الجرود> في جرود رأس بعلبك والفاكهة والقاع في حركة لافتة اعتبرها البعض مقصودة لتخفيف الضغط على الارهابيين في الجرود وتشتيت قوات الجيش اللبناني، لكن الانتصار على الارهاب تحقق في سابقة تاريخية بحيث ان لبنان هو البلد الوحيد الذي حرر أرضه بقواه الذاتية من الارهاب الداعشي والتكفيري وقبل أي دولة عربية اخرى ضربها داء الارهاب السرطاني بعدما سبق أن حرر أرضه الجنوبية دون قيد أو شرط وان كانت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم سامي-الجميل-والطعن--1الشمالي من قرية الغجر لا تزال تحت نير الاحتلال الاسرائيلي.

وقد أعلن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون هذا الانتصار في حضور وزير الدفاع يعقوب الصراف وقائد الجيش العماد جوزف عون، وقال إن لبنان انتصر على الارهاب بطريقة مشرفة، وأهدى النصر الى جميع اللبنانيين، مشدداً على ان الجيش اللبناني هو الوحيد الذي طرد <داعش> من أرضه، فيما ردّ العماد عون على المشككين بنصر الجيش والغمز من قناة ترحيل عناصر <داعش> عبر صفقة وصفتها المعارضة بـ<صفقة العار> بين حزب الله و<داعش> كونها أتت على حساب دم العسكريين المخطوفين كما قال بعض أركانها، فأكد ان عملية <فجر الجرود> حققت هدفيها الأساسيين وهما: طرد <داعش> من الأراضي اللبنانية ومعرفة مصير العسكريين التسعة المخطوفين لدى <داعش> منذ 2 آب (أغسطس) 2014 إبان ما سمي غزوة عرسال، حيث أثبتت فحوص الحمض النووي ان الجثث تعود لهم بالإضافة الى الجندي الشهيد عباس مدلج الذي أعدمته <داعش> منذ العام 2014، لا بل أكد رئيس الحكومة سعد الحريري ومن العاصمة الفرنسية باريس ان حكومته هي التي سمحت بعبور عناصر <داعش> تنفيذاً للاتفاق المعقود بعد التشاور مع الرئيس عون وسط مطالبة بإجراء تحقيقات تشمل فك لغز ما جرى يوم 2 آب (أغسطس) 2014 ومن المسؤول عن مقتل العسكريين وأسر العشرات منهم وعدم قيام الجيش بردة فعل فورية تمنع الارهابيين من نقل الجنود وعناصر قوى الأمن المخطوفين من عرسال الى الجرود وتحريرهم بالقوة.

وإزاء هذه الانتقادات طلب الرئيس عون من السلطات المختصة إجراء التحقيقات الضرورية واللازمة لتحديد المسؤوليات وكشف الغموض والالتباس القائم احتراماً للحقيقة كقيمة انسانية مطلقة واحتراماً لشهادة الشهداء ومعاناة أهاليهم، ما دفع وزير العدل سليم جريصاتي يوم الثلاثاء الماضي للطلب من النائب العام التمييزي سمير حمود إجراء التحقيقات بجرائم قتل العسكريين على ان هذا الاجراء يشمل الجرائم المتنوعة وكل من شارك وتدخل وحرض مدنياً كان أم عسكرياً.

ومع اعلان الانتصار في <فجر الجرود> وطرد <داعش> من الجرود تترقب الدوائر السياسية ان تعمل الحكومة على انجاز استحقاق الانتخابات الفرعية لملء المركز الشاغر في كسروان بانتخاب العماد عون رئيساً وكذلك لملء المركزين الشاغرين في طرابلس بوفاة النائب بدر ونوس واستقالة النائب روبير فاضل، لكن كما يبدو فإن بعض أهل السلطة يغضون الطرف عن إجراء هذه الانتخابات ويماطلون حتى يمر الوقت مخافة أن تفضح هذه الانتخابات الأحجام الحقيقية للقوى السياسية، إلا ان رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل وجه بالأمس سؤالاً للحكومة حول هذا الموضوع وهدّد بتحويله الى استجواب، وهو الذي سبق أن استطاع تأمين تواقيع عشرة نواب للطعن في قانون الضرائب المكمل لقانون سلسلة الرتب والرواتب، واختار لنفسه لباس المعارض البرلماني متحملاً أوزار هذا الاتجاه السياسي.

وختاماً تبقى القضية الفلسطينية هي الميزان الأخير في أداء الحكومة اللبنانية. وللموضوع عقبتان: المخيمات الفلسطينية، ثم ما تبقى من عناصر إرهابية هاربة من قبضة الجيش والعمل على إستئصال آثارها الى غير رجعة.

كان المثل <عسكر على مين> فصار المثل <عسكر لمين؟> وهو الكلام المفيد في إرجاع الأمور الى أصولها، والقضايا الى مراجعها..

وكلنا الآن عسكر لبنان!