20 September,2018

لـبــنان يـسـتـحــق قـضــاء أفـضــل وعــدم الـمسـاءلــة يـؤخــر صـيــرورة الـتـقــدم والـتـحــديث!

SAM_6267عام مضى على الشغور الرئاسي دون أن تلوح في الأفق أي بوادر على قرب إنجاز هذا الاستحقاق الذي تحوّل الى ملف ملحق بالوضع الإقليمي، في وقت تتصاعد الأزمات في المنطقة وترتد سلباً على الوضع الداخلي المثقل بالحلقات الخلافية من التشريع الى التوافق الحكومي حول بنود عديدة وصولاً الى القضاء، خاصة بعد صدور الحكم على الوزير السابق ميشال سماحة، ناهيك عن تداعيات شهادات بعض الشخصيات اللبنانية أمام المحكمة الخاصة بلبنان. فإلى أين تتجه الأمور وما هي الحلول في نظر الحكماء من أهل القانون والسياسة بمفهومها الواسع؟!

<الأفكار> استضافت في مكاتبها نقيب المحامين الأسبق عصام كرم وحاورته في هذا الملف، وهو ذو الباع الطويل في القانون والشأن الوطني والمنفتح على ثقافات العالم والمطلع على ما يُكتب حول الأزمات العالمية.

سألناه بداية:

ــ كيف قرأت الحكم على الوزير السابق ميشال سماحة والضجة التي أثيرت حوله؟

– لست على استعداد للخوض في هذا الملف، لأن رأيي بالقضاء معروف، حيث لا يوجد قضاء، بل قضاة فقط.. وأنا أعتبر ان لبنان يستحق قضاءً أفضل من القضاء الذي يتولى الشأن القضائي، وأعتبر أيضاً أن هناك مسألتين أساسيتين في العالم كله تؤخران صيرورة التقدم والتحديث، وهما: عدم المساءلة أولاً، حيث لا يوجد مَن يُحاسب المخطئ، وطغيان السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية… فـ<شارل ديغول> كان هكذا، وصحيح انه اعتمد الديموقراطية، لكنه أراد من خلالها التحكّم فهو كان ديموقراطياً جمهورياً بثوب ملكي امبراطوري، وكان لا يعتمد القضاء، بل كان يعتمد ما يسمى مصلحة الدولة أو حجة الدولة، رغم انه لا يوجد ما يسمى حجة الدولة، بل هناك القانون فقطـ وإما تكون له سيادة أو لا تكون.. وأنا أقرأ كثيراً، وسبق أن قرأت الكثير من المؤلفات حتى ان البعض يسألني عن سبب ذهابي الى باريس، فأجيب: أذهب الى هناك لأفتش عن الكتاب والثياب وأؤكد ان أحدث كتاب هو كتابي، وأحدث ثياب هي ثيابي، حيث لا أحد يباريني بهما.. فمثلاً صدر كتاب للمفكر الفرنسي <ريجيس دوبريه> وقرأته فوراً، وكذلك يقول المفكر الاميركي <فرانسيس فوكوياما>: إن هناك 193 دولة في الأمم المتحدة، ورغم ذلك فهناك دولة ديموقراطية واحدة بينها هي الدانمارك لأنها الدولة الوحيدة القادرة على أن تحاسِب والقابلة لأن تحاسَب.. وسبق ان جرّبت دولة غربية إنشاء ما يسمى <Ombudsman> وهي كلمة بلجيكية تعني وسيط الجمهورية، وهي الإنسان الذي يمتلك من العلم والخلقية ما يؤهله لأن يكون حكماً عادلاً منصفاً في الخلافات بين الشعب والدولة، وسمي في فرنسا الوسيط، وكذلك في لبنان وهي ترجمة فقيرة لا توفي الكلمة الأصلية حقها.

الوسيط وغياب المحاسبة

ــ بِمَ تترجمها أنت؟

– هي الحكم المتفوق الذي يستطيع ان يقول للدولة انها أخطأت عندما تخطئ، وللشعب انه صاحب حق عندما يكون محقاً، وانه على خطأ عندما يكون مخطئاً.

ــ بالأمس رفعت شركة طيران محلية شكوى ضد الدولة اللبنانية أمام مجلس شورى الدولة وكسبتها وتكلّفت الدولة ملياري دولار، لكن الدولة لم تنفذ. فكيف ذلك؟

– الدولة لا تنفذ عندنا لأن الدولة متعامل غير أمين، فالدولة لا تستطيع أن تكون تاجراً فتدخل البضائع بدون ضرائب وبدون جمارك، وتبيع بالسعر الذي تريده، ولذلك إذا تحولت الى تاجر تقطع رزق التجار. وفي لبنان، تستطيع الدولة عدم تنفيذ قرار شورى الدولة، وبالتالي هي غير مستعدة لأن تحاسب، ولذلك هي دولة غير ديموقراطية لا بل الدولة لدينا غير قادرة على ان تحاسب ولا قابلة لأن تُحاسب.

وتابع يقول:

– ولذلك نستطيع القول انه لا توجد دولة في لبنان، وأستغرب كيف تسير الأمور في لبنان مع عدم وجود دولة، حتى ان البعض يتحدث عن رئاسة الجمهورية، ولكنه يطعن الصيغة والميثاق. وعندما كنت صغيراً يوم ولدت الصيغة والميثاق لم أكن معجباً بهما كثيراً، لكنني وجدت مع الوقت ان الصيغة والميثاق ضروريان للبنان، لأن الأنانية طاغية في لبنان كما هي طاغية في كل دول العالم، وهذا يعني أن أفضل معلم لدينا هو الذي يضع أفضل علامة وأحسن قاضٍ هو الذي يحكم لصالحنا. وهكذا الأمر في كل العالم حيث الأنا تسيطر واللبناني غير قادر على أن يكون غيرياً، وهذه ليست ثقافة وطنية، ولكن نردد أمثالاً مثل: <كل من أخذ أمي صار عمي>، و<الإيد اللي ما فيك تعضها بوسها وادعي عليها بالكسر>، و<الرجال عند غاياتها نسوان>، و<الكذب ملح الرجال>، و<اللي بيعوز الكلب بيقولو صباح الخير يا سيدي>، وأنا  طلبت ألا يسمح لأولادنا بقراءة هذه الأمثال، كما طلبت من الآباء عدم قراءة خطاب فخر الدين المعني الأول أمام السلطان سليم الأول عام 1516 لأنه يشبه الأمثال التي أوردتها. ومن نكد الدنيا  أن تكون الإمارة في جبل لبنان ولدت يوم تولى العثمانيون الحكم في بلادنا…

 

سير المحكمة الدولية

ــ تابعت منذ فترة شهادات لبعض السياسيين أمام المحكمة الدولية. فما الذي لفت نظرك كمحامٍ في كل ما جرى؟

– لفت نظري أن هؤلاء الشهود يتحدثون كل يوم بمنطق الساعة التي يوجدون فيها، والذين تحدثوا من أهل السياسة ولهم كل الاحترام، دون ان أسمح لنفسي بأن أمس احداً منهم، قيل انهم كتبوا بإفاداتهم التاريخ الحديث، وهنا أسأل: <ماذا كان يقول هؤلاء أيام الوجود السوري في لبنان؟!> فهؤلاء كانوا يقولون الكلام الآخر المعاكس، ولذلك أسأل: أي إفادة هي الصحيحة حتى نحاسبهم عليها؟ فما يجري في المحكمة كارثة، ونحن منذ العام 2005 حتى اليوم لا يوجد دليل، بل مجرد كلام ورد في مذكرات الرئيسين <جاك شيراك> و<جورج بوش> حيث عرفت انهما من اخترع المحكمة الدولية. و<شيراك> لم يشارك <بوش> في سياسته تجاه العراق وتعرض للتخوين من الأميركيين، لكن عندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري تقدم <شيراك> من <بوش> وسأله عما إذا كان من حق لبنان أن ينعم بالديموقراطية، فكان جواب <بوش> بالإيجاب، وآنذاك ولدت المحكمة الدولية. وهذا حسب مذكرات الرجلين، بالإضافة الى سبب وجود المحكمة، وهو كما ورد بأنه لكي يستطيعوا أن يتحكموا بمجرى السياسة في تلك المنطقة، ومن أجل ذلك، قرر الرئيسان <شيراك> و<بوش> بعد خلاف حاد بينهما بسبب العراق، إنشاء المحكمة الدولية حتى يتمكنا من رعاية السياسة اللبنانية. فكرمى خياط تحدثت عن المحكمة الدولية، وكذلك ابراهيم الأمين، وهنا أقول انه لا يوجد ما يسمى <تحقير> المحكمة والكلام الذي نشرته قناة <الجديد> وجريدة <الأخبار> لا ينطبق فيه أي شيء على التحقير.. وهنا أسأل: ماذا يعني صديق المحكمة؟! فالمحكمة لا صديق لها. والمحكمة عبارة عن قاضٍ ولا صديق لها ولا عدو، بل يضع القاضي يده على كتابه وعلى ساعده، وإذا وضع يده على مكان آخر لا يستطيع أن يحكم كما يجب ولا يعود قاضياً أصلاً، ويصبح قضية.

تأييد المقاومة

ــ ألا تستفز بكلامك البعض؟

– لا.. أنا مبدئي ولست معنياً بهذا الفريق أو ذاك، فأنا مسيحي ماروني وإذا كنت أؤيد المقاومة فلأنني ضد التوطين، وبالتالي إذا ربحت اسرائيل في لبنان فالأمر لا يناسبني، ولهذا السبب فكل من يقاوم اسرائيل هو حليفي الطبيعي، ولذلك أنا مع المقاومة وأتمنى أن تكسب جبهة الممانعة وأن يسكت الذين من حيث يريدون أو لا يريدون، يخدمون اسرائيل وهم يعرفون ذلك.. فالمطلوب ان نحدد العدو، وهكذا نكون أقوياء وأنا عدوي هو اسرائيل.

ــ و<داعش>؟

– داعش خصوصاً لأنني لا أستطيع أن أؤمن بهذا الفكر مثلما كنت لا أؤمن بالحروب الصليبية، فأنا أعتبر ان هناك طابعاً تجارياً رافق هذه الحروب والقليل جداً من الطابع المسيحي. وأنا أتحدث بموضوعية وأرتكز الى القانون الوضعي، ولا علاقة للعاطفة هنا، بل المهم هو الأمر الوطني الذي يكمن عادة بالعقلانية وليس بالمصلحة..

ــ كماروني، كيف تقرأ مرور عام على الشغور الرئاسي؟

– أشرت سابقاً الى كلام سيدنا البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وكلام سيدنا المطران الياس عودة، وما قاله الاثنان هو دستور الكلام، ولكن هنا أسأل: هل انتخب مجلس النواب مرة في تاريخه رئيساً للجمهورية؟ لا….

 

الرئيس صنع الخارج

ــ سليمان فرنجية؟

– أبداً… سليمان فرنجية لأنه مع خصمه آنذاك الياس سركيس كانا يحلقان عند حلاق واحد، ولذلك ترك الأمر للمنافسة بينهما، وفاز فرنجية بفارق صوت واحد، حتى ان ضباط المكتب الثاني أخبروني كيف جاءت قضية الصوت، وكيف خسروا صوتاً عندما أعطوا أموالاً لفلان كي يدفع لآخر، وكيف وضع القسم الأكبر في جيبه ولم يدفع كل المبلغ، فكان ان خسروا الصوت وجاء سليمان فرنجية، وقس على ذلك… لقد ترأس حبيب السعد أول مجلس نواب عام 1922، وكان خلوقاً وزعيماً في الجبل يحسب حسابه،  وبعده ترأس المجلس نعوم لبكي، وعام 1925 جاء المفوض السامي الثالث العسكري <سراي> بعد <غورو> و<فيغان>، فحل المجلس وانتخب مجلس آخر ترأسه موسى نمور، وهذا المجلس الذي انتخب عام 1925 وكان مؤلفاً من 25 نائباً، هو المجلس الذي وضع الدستور بعدما تألفت اللجنة الاثنا عشرية منه زمن المفوض <هنري دو جوفنيل> عام 1926، ودعيت للاجتماع يوم 18 أيار/ مايو، فلم أستطع تلبية طلب حاكم جبل لبنان <دوكايلا>، فاجتمعت به يوم 19 منه وبقيت حتى ليل 22 وأنجزت الدستور ودعي المجلس للاجتماع في يوم أحد لإقرار الدستور، وأبرق <دو جوفنيل> الى عصبة الأمم وقال إن الفرنسيين أعطوا لبنان دستوراً ضمن ثلاث سنوات، كما حدد صك الانتداب الذي وقع عام 1922. وقد اختار <دو جوفنيل> شارل دباس ليكون رئيساً، فانتخبه مجلس النواب، وبالتالي فمجلس النواب لم ينتخب رئيساً للجمهورية إلا بإرادة خارجية.

ــ ماذا عن الوضع الحالي؟

– عندما يأتي رجل مثل ميشال عون ويقول إنه يريد ان يصبح رئيساً وهو يملك أكبر كتلة نيابية مسيحية، والصوت المسيحي يقول ميشال عون، وقد عمد المسلمون السنّة الى اختيار سعد الحريري، فوافق المسيحيون، واختار المسلمون الشيعة نبيه بري رئيساً للمجلس فوافق المسيحيون، وبالتالي لماذا لا يترك للمسيحيين أن يختاروا رئيساً؟ هنا الخلل، وأنا أرى ان المسيحيين لا يجب أن يكونوا هكذا ولا الشيعة ولا السنّة، ويجب ان يكون الخيار الثاني في رئاسة الحكومة اللبنانية للمجموعة كلها، والخيار لرئاسة المجلس للمجموعة، وكذلك بالنسبة لرئاسة الجمهورية، فرئيس الجمهورية ليس فقط للمسيحيين ونبيه بري ليس للشيعة فقط والحريري أو تمام سلام أو نجيب ميقاتي أو أي اسم آخر ليس للسنّة فقط، بل هؤلاء أكبر من طوائفهم لأنهم يقومون بمهمة وطنية، وإذا لم نكن نريد الوصول الى هذا القدر من الانفتاح، فالسلام على لبنان، علماً ان النواب الذين يعرقلون سيعودون نواباً إذا أجريت الانتخابات، وسيعودون جميعهم لأن المحاسبة غائبة.

وأضاف:

– ولذلك لا توجد مسؤولية. وهنا استطرد لأشرح كلمة <الاستقلال> التي تعني المسؤولية، والمساواة تعني الديموقراطية، والديموقراطية هي المساواة، ولذلك نعود الى كلام <فوكوياما> عندما تحدث عن ديموقراطية الدانمارك فقط، لأنها قادرة على ان تحاسب وقابلة لأن تُحاسب كون الدانمارك تعمل بالمساواة.

ــ وصفت الداء ولكن أين الدواء؟

– بكل بساطة، الحل هو إيمان اللبناني بأنه يستطيع ان يصنع قراره.. فهذه علة العلل منذ زمن بعيد  ولبنان هكذا، ولا تلوم 8 و 14 آذار اليوم، ومن أيام الجنبلاطية واليزبكية ونحن هكذا ومن أيام الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية، نحن هكذا، وعرفنا كيف صنع الاستقلال عام 1943، فلا يجب أن نلوم الآخرين بل نلوم الشعب اللبناني ونطلب منه أن يقول انه مؤمن بقدرته على صنع قراره.

ــ هل يعني ذلك أنك مع مشروع ميشال عون بالاحتكام الى الشعب؟

– لست مع أحد.. ميشال عون قدم مشروعاً، وهذا المشروع لم يطبق. والعودة الى الشعب مع الأسف قد تكون مقبولة من ميشال عون، لكن إذا جاء غداً شخص آخر مثله وطرح مبدأ العودة الى الشعب، هل يقبل ميشال عون؟

ــ يقال إن الكرة في الملعب الماروني، فإذا توحد يحرج الفريق الآخر ويدفعه لقبول خياره. فهل هذا وارد؟

– لا أحد في وارد ان يتوحد مع الآخر.. لا المسيحي ولا الشيعي ولا السنّي.. بالأمس اختلف السنّة حول دار الفتوى زمن المفتي محمد رشيد قباني، وقبل ذلك، كان العداء مستحكماً بين الشيعة أنفسهم، كما كان المسيحيون في حرب إلغاء وصراعات مفتوحة… فالمخرج الوحيد هو نشر ثقافة وطنية حقيقية تقول للشعب اللبناني ان واجبه الايمان بقدرته على صنع قراره وأنه وحده مصدر القرار، وبالتالي يصبح لدينا شعب ودولة ورئيس…