19 December,2018

لـبـــنـان عـلـــى حـافـــة الانـهـيــــار الـمـالـــــي والاقـتـصــــادي!

 

بقلم طوني بشارة

 

يتســــاءل الجميــــع مــــــن دون استثنـــــاء عـــــن الوضـــــــع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان الذي يعيش في ظلّ أزمة مالية واقتصادية قد تتحوّل إلى أزمة مستفحلة، وتبدو ملامح العاصفة التي تقترب بسرعة وتهدّد بانهيار مالي واقتصادي، بحسب ما كشفته وكالة <بلومبرغ> الأميركيّة منذ ثلاثة اشهر عن قول صندوق النقد الدولي إنّ الاقتصاد اللبناني يتجه في مسار لا يُمكن تحمّله، مما يتطلّب تحركاً طارئاً لاستعادة ثقة المستثمرين، كما يجب التشدّد في المالية العامّة، وأشار الصندوق إلى حجم القرارات المكلفة سياسياً، التي يجب على لبنان اتخاذها من أجل إنعاش الاقتصاد.

والمتتبع للامور الاقتصادية يلاحظ ان الفصل الأول كما الفصل الثاني من هذه السنة قد سجلا استمراراً لنسب النمو المتدنية في القطاع الحقيقي للاقتصاد المحلي، علما إن التحدي الاقتصادي الأبرز في يومنا هذا يكمن في الحدّ من حلقة النمو البطيء، لاسيما في أعقاب نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمتوسط قدره 1.8 بالمئة خلال السنوات السبع الأخيرة، ويستدل من التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات المالية الدولية وفي مقدّمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الاقتصاد اللبناني سيبقى يعاني خلال هذا العام من تداعيات التوترات الجيوسياسية التي لا تزال تشكل عبئاً على النشاط الاقتصادي.

كما وتظهر الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي ارتفاعاً في مؤشر تضخم الاسعار بنسبة 5.19 بالمئة الى 104.14 في شباط 2018 مقابل نتيجة 99.00 في الشهر نفسه من 2017 في ظل الزيادة بأسعار جميع مقومات المؤشر، ومع تزايد التضخم، ازدادت الضغوط نتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية العالمية وانخفاض قيمة الدولار مقابل الأورو، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الواردات.

 

لبنان والعجز التجاري!

 واللافت في السياق ذاته ان الزيادة في الأجور العامة ساهمت ايضا في ارتفاع الأسعار، وذلك عقب ازدياد ملحوظ في العجز التجاري خلال السنوات السبع الماضية، ناهيك عن العجوزات المتتالية في ميزان المدفوعات بمقدار 9.6 مليارات دولار خلال السنوات الست الماضية، وقد بلغ العجز التجاري اليوم نسبة تناهز 31 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

أيضا وبحسب احصاءات وزارة الصناعة اللبنانية، تراجعت الصادرات بنسبة 2.11 بالمئة على صعيد سنوي، أما بالنسبة للقطاع العقاري فإنه إلى تراجع بلغ نحو 20 بالمئة مما أدّى إلى اتجاه بعض المطورين العقاريين إلى دول أخرى كقبرص التي تجد إقبالاً لبنانياً على الشراء، بينما يشير مؤشر مديري المشتريات إلى استمرار تأثّر ثقة القطاع الخاص بعدم اليقين السياسي، وارتفعت البطالة حيث تعدت نسبتها نحو 36 بالمئة من القوى العاملة في حين أنها تبلغ 42 بالمئة للفئة العمرية التي تراوح بين 18 و24 عاماً، وأظهرت المؤشرات الصناعية إقفال نحو 388 مؤسّسة بين عامي 2012 و2015 من أصل 2365 مؤسسة كانت توظف نحو 78 ألف عامل.

 مما يعني ووفقا للارقام ان لبنان يرزح تحت كاهل أزمة اقتصادية تعد الأسوأ منذ عقود، سواء من ناحية ضآلة توافر فرص العمل أو لناحية توقف العمل بقروض الإسكان، أو من ناحية غلاء الأسعار سواء المتعلقة بالمواد الاستهلاكية أو الصناعية والتجارية، وكل هذا يضاف إلى العديد من الأزمات المتراكمة التي فشلت الحكومات المتعاقبة منذ تسعينات القرن الماضي في حلها، كأزمة الكهرباء والمياه والنفايات والتلوث البيئي وغيرها.

وهنا يكمن السؤال حول ما إذا كان لغياب الحكومة اليوم تأثير في الوضع الاقتصادي أم أن المشكلة هي أبعد من ذلك وتتعلق بسياسة لبنان الاقتصادية بشكل عام؟

 

لبنان و<دولة المماليك>!

 

رئيس <الاتحاد اللبناني للنقابات السياحية> ورئيس <نقابة أصحاب المؤسسات السياحية في بيروت> امين خياط أفادنا اننا وفي بداية حديثنا نبدأ بالسياحة وننتهي برجال السياسة، لأن كل شيء اصبح مترابطا بين قمة الاعمال السياسية الى قمة أنواع الزبالة في الشوارع، وتابع خياط قائلا:

– لقد عشنا في أحلام ووعود أطلقت من أفواه المسؤولين وخاصة المسؤولين عن القطاع السياحي بأننا على أبواب صيف واعد من خلال حضور السياح وقمنا بالتحضيرات التي كلفتنا مصاريف إضافية ولكن ماذا كانت النتيجة؟

وتابع خياط:

– للأسف بادرت بلدان الخليج العربي بتوزيع نصائح وتوجيهات بعدم المجيء الى لبنان قابلها اطلاق تحذيرات من الولايات المتحدة الأميركية بدعوة مواطنيها الى عدم المجيء الى لبنان، وهنا حصل توازن بين الشرق والغرب في محاصرة لبنان سياحيا بالإضافة الى محاربته اقتصاديا ومعنويا وصناعيا وزراعيا ناهيك عن عجز الدولة عن تأليف حكومة تدير شؤون البلاد والعباد فأصبحنا سياحاً في <سابع سما>.

واستطرد خياط قائلا:

– إن اكبر كارثة تحل في هذا البلد هي ضرب القطاع السياحي برمته الذي هو صاحب الدخل القومي للدولة حيث ان هذا القطاع لا يستمر ولا يزدهر على تشغيل بعض المطاعم التي روادها من اللبنانيين المقيمين حيث تستقبلهم بالكبة النية والتبولة، لذا يفترض الآن وفورا قبل الانهيار الكامل من خـــــلال توقف العمل في بعض الفنادق واقفال بعض المطاعم وصرف عـــــدد لا بأس به من موظفي هذا القطاع، ان تبادر الدولة من خـــــلال البنك المركزي على تعـــــويم هــــذا القطــــــاع بالحــــــد الأدنى وتقديم تسهيلات مصرفيــــة بفوائــــد مدعومــــة كي يستطيع هذا القطاع معاودة ضخ الحيـــاة في شرايينه، ولا ننسى بأن هذا القطاع هو المدخل الرئيسي الى كافة قطاعات الإنتاج في لبنان.

 

خياط وعدم التوافق بين السياسيين!

ــ اشرت في بداية حديثك انك ستتطرق الى الواقع السياسي كما الى الواقع السياحي، فماذا عن الشق السياسي في لبنان واثره على السياحة؟

– قبل الدخول بأي مداخلة او نقاش، فإن الطريق بحاجة الزاميا في حال كان الحديث متعلقا بالامن او الإدارة او السياسة او السياحة او الزراعة او الصناعة وحتى النفايات والكهرباء، الى توافق، وهذا التوافق غير موجود وحتى بين اثنين من رجال السياسة.

وتابع خياط قائلا:

– عن أي لبنان نريد ان نتكلم حيث اصبح باستطاعتنا اطلاق عليه تسمية <دولة المماليك>، وكل مملكة يحكمها زعيم وليس رئيساً، فالرئيس يكون لفترة زمنية تنتهي بوقت محدد اما الزعيم فيرث الزعامة عن والده ولاحقا يورثها لولده وأعضاء عائلته بحيث يصبحون امراء ومشايخ وبكوات، وكل زعيم مسؤول عن قطيعه ورعيته ومشاعاته.

ــ اين اصبح لبنان (البلد الذي عايشته سابقا) حسب رأيك حاليا؟

– للأسف اصبح موجودا بين هؤلاء العمالقة المتجذرين بأرضه وجذوره، لقد اصبحنا في بلد زعامات يديرون مزارع، وقسم كبير منهم اصبح من رجال المافيات والفساد، والسياحة لا يمكنها ان تستمر في ظل هذا الكيان فهي حاليا اسم رنان واشبه بالمرأة الجميلة التي تتمايل وعلى ثغرها بسمات، ووجهها تعلوه نظرات غنج ودلال بغية جذب السائح وتقديم الخدمات مع حسن الاستقبال.

ــ ولكن هل ان حالة كهذه كفيلة بانعاش القطاع السياحي؟

– إضافة الى هذا الواقع نحن نمر بحالة عداوة وجفاء مع العديد من بلدان منطقتنا، حالة عداوة رافقها قطع للعلاقات ناهيك عن قطع للطرق التي أدت بدورها الى هروب لا بل عزوف السائحين عن القدوم، وبالتالي أدى ذلك الى توقف كامل لاقتصادنا من ناحية الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمارات، فأبناء الخليج العربي لم يقصدوا لبنان بسبب الكلام الفارغ الذي صدر عن البعض قبل انطلاق الموسم السياحي، وبقيت قصورهم وفللهم ومنازلهم في الجبل فارغة، وترافق ذلك مع بيان السفارة الأميركية الذي حذر الرعايا بعدم المجيء الى لبنان.

وتابع خياط:

– الوحيدون الذين ينعمون بالسياحة في بلدنا هم أكثرية اهل السياسة الذين يقضون اوقاتهم مع عائلاتهم في رحلات الى الخارج للتعويض عن السياحة داخل بلدنا، ولقد سمعت مباشرة سؤالاً من احد الصحافيين موجها الى احد كبار السياسة يطلب منه توجيه رسائل استفسار الى أصحاب النعمة الذين يعملون لديهم عن مصدر ثرواتهم المشبوهة والتي لامست ملايين الدولارات، ولكن بقي سؤاله من دون جواب.

وختم خياط حديثه قائلا:

– لقد بتنا ملزمين التحدث عن سياحة الشعب اللبناني ببلد من دون كهرباء ومياه، ببلد شوارعه مليئة بزهور الزبالة ونصائح وارشادات رجال السياسة التي يطالبوننا من خلالها بضرورة التأقلم مع هذه السياحة.

وأضاف:

– للأسف هذا هو لبنان الذي خلقه الله <قطعة من السما>، وبالمقابل خلق شعبا لا يعرف لا معنى العطاء ولا معنى الجمال، هو شعب قضى عمره يغني ويردد في البراري والوديان الاغنية المشهورة: <راجع راجع يتعمر راجع لبنان>، والنتيجة التي نراها اليوم هي ذهاب للبنان بلا عودة، فكل عام وكل موسم وانتم بخير في ظل زيادة بتناسل زعماء هذا البلد.

 

يشوعي وعدم افتقاد الحكومة!

وللاطلاع على الأوضاع الاقتصادية والمالية قابلت <الأفكار> الخبير الاقتصادي البروفيسور إيلي يشوعي، الذي افادنا إنه <لو كانت الحكومات السابقة فاعلة لكنا افتقدنا اليوم غياب الحكومة، لكن أين نحن من الخدمات الأساسية ومقومات الحياة والتهرب الضريبي والوضع الاستثماري المتراجع وحتى شبكة الطرق؟، فالأمر إذاً  سيّان ما بين وجود حكومة أو عدم وجودها>.

ويؤكد يشوعي أنه بالنتيجة رأينا الحكومات التي تعاقبت على لبنان وكيف أنها عجزت على سبيل المثال عن حل أزمة الكهرباء الممتدة منذ عقود، وعجزت عن حل مشكلة مياه الشفة ومشكلة النفايات والنقل المشترك ومحاربة التلوث ومنع الكسارات وتشويه الطبيعة في لبنان، فما جدوى وجود حكومة لم تعالج أي مشكلة من كل هذه المشاكل؟!

وحول الأسباب الحقيقية وراء تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان لاسيما خلال المرحلة الحالية، يجيب البروفيسور يشوعي إن الوضع الاقتصادي هو تراكمي وليس وليد ساعته، الأخطاء بدأت منذ العام 1993 عندما بدأت أزمة السيولة في القطاع العام والتي ظهرت من خلال الحجوزات المالية السنوية في الموازنات العامة، والسبب الرئيسي لذلك هي الفوائد، الفوائد على الاقتراض والتي وضعها البنك المركزي في لبنان، هذه الأمور أدت الى أن يشكو القطاع العام من أزمة سيولة قاسية جدا، وهذه الأزمة في السيولة جعلت الدولة تنافس القطاع الخاص على المورد المالي في البلد.

وأضاف يشوعي:

– وبدأت الدولة بواسطة البنك المركزي بإغراء أصحاب المصارف أن يضعوا فوائد مرتفعة مقابل إعطاء المصرف المركزي ودائع الناس، والمصارف قبضت الفوائد بواسطة الضرائب التي يدفعها المواطن، فيما ودائع الناس اليوم هي بمهب الريح وموجودة فقط على القلم والورقة.

ولفت يشوعي بأنه إذا كانت 80 مليار دولار هي دين على الدولة بين القطاع الخاص والمصرف المركزي، وإذا كان الاحتياط الإلزامي الذي كان يستخدمه البنك المركزي لإعطاء قروض الإسكان تم تجميده، فهذا يعني أنه توجد علامات استفهام على الاحتياط الإلزامي الذي يلامس 30 مليار دولار.

وأكد يشوعي بأن أزمة السيولة بدأت في القطاع العام وانتقلت إلى القطاع الخاص والآن انتقلت إلى القطاع المصرفي، فالعنوان الاقتصادي العريض لهذا البلد اليوم هو <أزمة سيولة مستشرية> داخل كل القطاعات الاقتصادية والرسمية.

وعن تأثير أزمة السيولة على وضع الليرة، قال يشوعي:

– إن الليرة بالنتيجة مرتبطة بالوضع الاقتصادي، فالاقتصاد عندما يكون متراجعا وحصة الفرد بالدخل الوطني عندما تصغر، فإن النقد لا يكون بوضع جيد، والعلاقة ما بين النقد والاقتصاد المتين هي علاقة ثقة، الثقة بمستقبل اقتصادي جيد وتوفير فرص عمل وإحداث نمو متواصل وتنفيذ مشاريع مفيدة للقطاع الخاص وكل هذه العناوين تقوي الثقة، وهذه الثقة تدفع المتعامل بأن يطلب الليرة اللبنانية وحينئذٍ ستستقر الليرة، ولكن اللبنانيين منذ عام 1993 إلى اليوم يخافون من العملة المحلية ويدركون أن السياسة الاقتصادية في البلد ليست ناجحة، وأكبر دليل على ذلك نسبة <الدولرة> من الدولار الأميركي التي لم تنزل عن 60 بالمئة منذ عام 1993 إلى اليوم، فلو كانت لدى المواطن ثقة بالليرة لكانت لديه ودائع بالليرة بنسبة 80 بالمئة وودائع بغير الليرة بنسبة 20 بالمئة وليس العكس.