20 November,2018

لـبـــــنـان أمـــــــام فـرصــــــة جـديـــــــدة  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

هل صحيح أن سماء لبنان ستكون مبلدة بالغيوم السوداء في عز الربيع المقبل؟ وأن فترة السماح المعمول بها منذ الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول/ اكتوبر الفائت شارفت على نهايتها؟

حتى الآن، لا شيء من هذا القبيل ملموساً، فالعهد الجديـــد، ورغــــم كل ما يقــال ضمن الحلقات الضيقة، سيكون له ما يريد وضمن المعقول، طالما الإرادة الدولية ووفق تقاطع مصالح كثيرة تريد له ذلك.

ومن لا يصدق، فليتفضّل ولْيرَ ماذا يجري في سوريا وبين الكبار، ولاسيما بين <دونالد ترامب> الذي يتلهّى بالتواقيع ويدخل في نزاع مع القضاء الأميركي، و<فلاديمير بوتين> الذي يستغنم فرصة تاريخية ويستفيد من الانشغالات الأميركية الداخلية..

وهكذا تمكن لبنان بفضل <قبّة باط> دولية من اقتناص الفرصة والشروع في انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة نالت الثقة بسرعة قياسية.

إلا أن لبنان، المعروف تاريخياً بأنه يفوت الفرص التاريخية، لن يكون في منأى عما يرسم للمنطقة في حال استمر في التكاسل، واللامبالاة، واللهو، والإسراف في الاهتمام بالتفاصيل، والثرثرة، والهدر للزمن، وفي المراهقة السياسية، والإنفاق بغير حساب، لأن هذا كله سينعكس بالتأكيد على مستقبل هذا الوطن، وعلى عزم أبنائه على النهوض وتحقيق الذات…

إن لبنان اليوم، بات مهدداً بخسارة تفوّقه على غير صعيد، أي بفقدان إحساس العرب، خصوصاً الخليجيين، بالحاجة إليه!

فهو لم يعد وحده بلد العلم والمعرفة.

لم يعد مركزاً عالمياً للتجارة والاقتصاد والمال كما كان عليه في النصف الثاني من القرن الماضي.

لم يعد وحده، خضرة الشرق وجماله، فقد بدأت الصحراء نفسها ترتدي ألوان لبنان.

ماذا بقي للبنان يتفرد به ويتفوق؟ هذه <الصيغة الفذة>، صيغة التلاقي والعيش الواحد، والتفاعل، والإثراء المتبادل بين الحضارات والأديان… رحنا نعبث بها عبث الأطفال!

إن حقوق الطوائف يجب أن تصان، ولكن ماذا عن حقوق لبنان؟

نحن نفهم حقوق الطوائف واسطة لتعميق الثقة والتضامن بين العائلات الروحية التي تشكل مجتمعة، هذا الوطن، فهل بهذه الرؤية المستقبلية ستكون نظرتنا الى التشكيلات الإدارية المنتظرة؟ نشكُ أم نتفاءل؟

إن مشكلة لبنان الأولى، بنظر الحكماء هي في حيرته أمام المستقبل، فالكل في ضياع، ولا أحد يعرف من أين تبدأ طريق الخلاص وكيف!

الكل غاضب وناقم، الحاكم والرعية، المسؤول وغير المسؤول، الوزير والنائب والمدير والمواطن العادي، الكبير والصغير، العامل ورب العمل.

هل بقي أحد لا يشكو ويتذمر من الفساد الذي نخر الجميع كباراً وصغاراً؟ يسعون إليه بخجل حيناً وفجور أحياناً أخرى من دون التأكد من بلوغه كما يشتهون! وهل تريدون ثقافة أكثر تدميراً من ثقافة السعي الى الفساد؟ وهل تذكرون متى بدأت وكيف؟

ونسأل: لماذا تغيير الحكومات فيما تبديل أشخاصها لا يغيّر أو يبدل شيئاً في أحوالنا؟

الأسباب كثيرة، لكن السبب الأهم هو أننا، عندما نأتي الى الحكم، نأتي إليه من دون أي استعداد له أو عدة، هكذا بصورة مفاجئة أو مرتجلة!

ولماذا نرتجل الحكم في لبنان على هذه الصورة؟

الأجوية تتعدد… ولو كانت التركيبة السياسية في لبنان هي غير هذه التركيبة لأمكن تجاوز الحالة المتخلفة بقدر كبير، ولبنان من هذا القبيل سلسلة أقليات سياسية لا تنتهي، من الأفراد، والكتل، والأحزاب، تتناقض وتتصارع، ولأن الحكم لا يستقر إلا بإشراك أكبر عدد ممكن من هذه الأقليات، فقد كان التفاؤل دائماً قسرياً أو اضطرارياً أو مفروضاً، وبالصدفة في معظم الأحيان.

فبدلاً من أن تكون قد تشاورت مسبقاً في ما بينها، وتلاقت على حد أدنى من العمل المشترك، نراها تدخل الحكم لاهثة، إثر عملية إقصاء متبادل تنعكس بسلبياتها على مسيرة الحكم وأعماله.

حكوماتنا كلها تقريباً، ومنذ عقود طويلة، كانت بهذه الصيغة المرتجلة، ولا يبدو أن فعل الزمان والتطور قادر وحده على إحداث تغيير مهم على هذا الصعيد.

وهاتان <الإلا والإذا> – قديمتان من عمر لبنان – أقدم القيمون على هذا البلد، على إصلاح سياسي يبدأ بنظام انتخابي حديث ونظام حزبي جديد من شأنهما لملمة الأقليات السياسية وتجميعها وتنظيمها، فيكون للبنان مثلاً أكثرية منظمة تحكم وأقلية منظمة تعارض.

غير أنه يجب أن نبدأ ونعثر في البداية على منطلق ينقذنا من الحلقة المفرغة، والمهم أن يكون هناك بداية، وبادئون.

ربما مع أحفاد أحفادنا!