10 July,2020

لـبــــــنـان يـتـعـــــــــرّى!  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208يرحل الكبار ويأخذون لبنان معهم، تاركين السياسة والفكر للرجال العاديين والناس لقدرهم.

أطلّت الالفية الثالثة وقد استوفت العقود الثلاثة الأخيرة من الالفية الثانية كل شروط الفراغ على مستوى البشرية جمعاء…

في العالم، رحل <شارل ديغول> وقبله <جون كينيدي> و<مارتن لوثر كينغ>، وكرّت السبحة مع غياب الفلاسفة والأدباء وموت الفكر في آبار النفط والغاز ودهاليز التجارة وأسرّة التكنولوجيا.

في لبنان، حياة من دون روح، وشعب يخذل مفكّريه والكبار في ساعة الحقيقة، ويُسقِط فؤاد بطرس في بيروت وغسان تويني في عاليه، قبل أن يدرك أنه أطاح بكبيرين، وأن الديموقراطية لا تحقق سيادة الشعب، وأنه لا يقدر على اختيار من يجب أن يمارس السلطة بحق، ولا يعي قيمة التمثيل ومقاييس المصلحة العليا.

رحل فؤاد بطرس واقعياً في تشاؤمه، حزيناً على بلد ضاع من بين أيدي بنيه وبإرادة بنيه.

كان يروي لي، خارج حلقات تلفزيونية سبع، كان لي حظ محاورته فيها، كيف كانوا يعيّرونه أو يأخذون عليه أنه مفرط بالتشاؤم، وإذا به يكتشف ومعه المعيّرون أنه لم يكن متشائماً بما فيه الكفاية.

كان بين فؤاد بطرس والخارجية اللبنانية ارتباط أورثوذكسي بإرادة مارونيين هما: فؤاد شهاب والياس سركيس. <لست أدّعي أنني كنت أفضل من غيري في هذا الموقع، ولكنني أعتقد أن الرئيس شهاب كان مُحقاً عندما قال لي ذات يوم إن وزارة الخارجية تقتضي، إضافة الى الانفتاح على الخارج وإدراك تعقيداته، فهماً عميقاً للوضع الداخلي، وربما هذا نجحت فيه وأهّلني لرئاسة الديبلوماسية اللبنانية في أكثر ظرف تاريخي دقيق ولسنوات عدة لاحقة>…

فؤاد بطرس كان صخرة عهد الرئيس سركيس. قال له منذ البداية: <يا فؤاد بطرس، أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني عهدي>… ولكن الوزير بطرس أبقى الماء في فيه حتى العام 2009، ونحن نعلم أنه كان يعلم وان ما كل ما يُعلم يُقال.

قال في مذكراته ما يجب أن يُقال وما لم يقله، فإما حرصاً على صورة أشخاص أحبهم الناس أو حرصاً على المصلحة العليا للبلاد.

لم تكن تستهويه طوال حياته لا البطولات الوهمية ولا المجازفات غير المحسوبة ولا الخطابات الشعبوية.

كُثر حاولوا أن يغرفوا مما تركه في الديبلوماسية أو يتركوا بصمات الى جانب بصماته وبصمات شارل مالك وفيليب تقلا، ولكنهم لم ينجحوا.. بكل بساطة لأن المدرسة مختلفة.

كان مثل فؤاد شهاب في خدمة الجمهورية اللبنانية، <ولطالما افتخرتُ بأنني كنت في عداد القلة التي كان لها حظ أن تكون من معاوني رئيس كبير للجمهورية بشهادة خصومه قبل أصدقائه، هو فؤاد شهاب…>.

فؤاد بطرس الأرثوذكسي، كان الأكثر خبرة في الشأن الماروني والاكثر تفعيلاً في نشر أفكار الموارنة.

ترك للديبلوماسية مكاناً كبيراً في زمن المدافع والراجمات، وضوءاً لا ينطفئ في زمن الضحالة السياسية.

فؤاد بطرس المرجع، تبقى مذكراته سنداً للمؤمنين حقاً بلبنان الرسالة، و<بُعبعاً> لعبدة المال وفلاسفة الجهل ورموز الفساد.

فؤاد بطرس قصة لبنان وولادة لبنان، هو مع كبار سبقوه الى دنيا الحق معلم وعتيق وجديد.

يغيب كأنه مسافر، وفي لحظة وداعه  حقيقة يغيب عنها كُثر من أهل السياسة الغائبة عنهم مؤهلات الحكمة والرؤية والأخلاق.

<ولعلّ المأساة التي عانى منها لبنان تشكل درساً للجميع، فيحسنون التمييز بين حسنات الجمود ومساوئه ويحسنون التصرّف في ضوء الواقع متذكرين قول الرئيس <جون كينيدي> بأن عدوّ الحقيقة والواقع هو الأسطورة أكثر مما هو الكذب، فيكفّون عن العيش في عالم الأسطورة مواجهين الواقع والحقيقة بشجاعة ومن دون مواربة، متحصنين بحسن النية، وبالإيمان بأن للقضايا والمصلحة الوطنية الأولوية حيال قضاياهم ومصلحتهم الخاصة>.

الجميع اليوم يقف إجلالاً أمام تانيا ومارا وريما وجورج.

الأولى لأنها قرينة فؤاد بطرس وشريكة حياته، والثلاثة لأنهم أبناؤه.

الجميع اليوم يفتخر بفؤاد بطرس لأنه كان رجل الجمهورية اللبنانية، وغيابه يشكّل فراغاً في الوطن.

فؤاد بطرس كان يعرف حدود الوطن وحدوده.

رحمنا الله وأطال عمرك.