26 September,2018

لـبــــــنـان مـهــــــدد بـدفــــــع ثـمــــــن الـتـوطـيـــــــن تـحــــت سـقــــــف الأمــــــم الـمـتـحــــــدة!  

بقلم وليد عوض

بوتين-و-اردوغان-----2

زمان أجدادنا من حكام العهد العثماني، أو الاحتلال العثماني، كما هو التعبير الأدق، كان المرجع في كل الأمور هو العاصمة اسطنبول أو الآستانة، وكان لنا في طاقم حكومة السلطان عبد الحميد الثاني وزير للتربية لبناني هو سليمان البستاني، وإليه يعود الفضل في توعية سلطان ذلك الزمان من المؤامرة الجغرافية التي يدبرها الداعية الصهيوني <تيودور هرتزل>، وهي بيع الأملاك العثمانية في فلسطين لمن يحب أن يشتريها من اليهود، لأن في مؤامرة بيع هذه الأراضي مقدمة لإنشاء وطن قومي صهيوني، قبل عشرة أعوام من وعد وزير الخارجية البريطاني <آرثر جيمس بلفور> الذي كان وثيقة لإنشاء دولة إسرائيل.

والزمان يعيد نفسه كما يقول أبو العلاء المعري: <ألا إنما الأيام أبناء واحد/ وهذي الليالي كلها أخواتِ/ فلا تطلبن من عند يوم وليلة خلاف/ الذي مرت به السنوات>.

كانت اسطنبول هي المرجع الأول والأخير، وحتى الخديوي اسماعيل الذي أخذ من العثمانيين صك الدولة المصرية ولقب <الخديوي> الذي هو أقل من رتبة السلطان وأعلى من رتبة الملك، كان لا يستطيع أن يقطع شعرة إلا بعدما يأتيه الضوء الأخضر من اسطنبول.

وهكذا نحن اليوم مع عودة اسطنبول الى واجهة الأحداث، بعدما فرضها الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> على العالم كمرجع أول وأخير في الوجهة التي تأخذها مجريات منطقة الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة بشخص نائب رئيسها <جوزف بايدن> تطلب ود اسطنبول. وروسيا، بشخص <فلاديمير بوتين> يقول لـ<رجب طيب أردوغان> <حط كفك>، وهو ينظر في الخريطة الى حلب، والمعارك الدائرة حولها. والمرشد الأعلى لإيران السيد <علي خامنئي> يرسل وزير خارجيته <محمد جواد ظريف> الى اسطنبول للقاء <أردوغان> ورئيس الوزراء <بن علي يالدريم> ووزير الخارجية <مولود جاويش أوغلو>، والتحضير لمرحلة جديدة من التعاون الإيراني ــ التركي، استكمالاً للحملة الجوية التي نفذتها الطائرات الروسية البعيدة المدى من طراز <توبوليف 22 أم 3> من مطار <همذان> الإيراني فوق الأراضي السورية.

من أجل المظاهر، والتنصل من هذا الحلف الروسي ــ الإيراني، لم تكن الولايات المتحدة راضية عن الحملة الجوية الروسية فوق الأراضي السورية، واعتبرتها مخالفة لقرارات مجلس الأمن، تماماً كمن يغطي الأفق بستارة، ولكن واشنطن في العمق لم تكن غاضبة على التواطؤ الروسي ــ الإيراني، بل أرادت توظيفه في أمرين: دعم واشنطن لتركيا في حربها ضد <داعش> مع استثناء المناطق الكردية في سوريا، وحصر المواجهة مع مقاتلي الحزب الكردستاني التركي، والأمر الثاني خطب ود إيران بالنسبة للشركات الأميركية التي ترشح نفسها للاستثمار في إيران، وفتح الأسواق الإيرانية بعد طول اغلاق أمام البضائع الأميركية، والتفاهم مع الولايات المتحدة على أنها من أركان المحور الحاكم الآن في أحداث سوريا من داريا الى حلب ومنبج.

أنقرة أم الصبي!

وكل ما فعلته واشنطن على هذا المحور انها طلبت من روسيا إحاطتها سلفاً بأي عمل عسكري تنوي القيام به فوق الأراضي السورية لضمان عدم الاعتداء على أكراد سوريا حلفاء الولايات المتحدة، وأكثر من ذلك لا شيء.

وكل وسائل الإعلام العالمية تمارس الآن التصويب على أنقرة كأم الصبي في أحداث سوريا، و<المايسترو> الذي يقود أوركسترا الشرق الأوسط في هذه المرحلة. وممنوع العزف السياسي والعسكري إلا بالنوتة التركية. وقد انشغلت وسائل الإعلام بقرارات اسطنبول عن أي حدث آخر في العالم، وكأن اسطنبول هي مطبخ الأسرار، ومنبت المفاجآت.

وقد تركز اهتمام الإعلام العالمي في الأسبوع الماضي على احتفال <أردوغان> في حضور عالمي بتدشين جسر السلطان <ياووز سليم> (أي السلطان سليم الأول) الذي يربط شطري مدينة اسطنبول الآسيوي والأوروبي، ويعتبر الجسر الثالث الذي يمر من فوق مضيق <البوسفور>، وكان بين الضيوف ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ورئيس وزراء لبنان الأسبق سعد الدين الحريري، وللحضور الخليجي اعتباره ووزنه في هذا المقام، لأن ملك البحرين هو الحليف الأول للمملكة العربية السعودية.

والتوغل البري ــ التركي بشعار <درع الفرات> في البلدات السورية الحدودية مع تركيا مثل جرابلس والعمارنة وقرى في ريف الرقة الغربي، وريف الحسكة، لم يلق الاعتراض من قادة العالم، مع أنه يشبه دخول الجيش العراقي الى أراضي الكويت عام 1990، والحجة في التغاضي عن التوغل التركي في البر السوري أن قوات <داعش> مدعومة بالقوات الكردية ارتكبت العدد الوافر من المذابح في المدن التركية، وما أحداث <أنقرة> و<غازي عينتاب> إلا عينة من هذا الإرهاب. ولأن الهجوم في المفهوم العسكري هو أفضل وسائل الدفاع، لم يكن أمام الآلة العسكرية التركية إلا التحرك داخل الأراضي السورية.

ويعتمد <السلطان> <رجب طيب أردوغان> على فشل القوى العظمى في كسر شوكة <داعش> ليقول <أنا لها>. فالإدارة الأميركية على مدى السنين حاولت أن تنهي أبو بكر البغدادي مؤسس <داعش>، أي دولة الخلافة في العراق والشام، كما أنهت زعيم <القاعدة> أسامة بن لادن في عملية عسكرية فدائية قرب باكستان، واعتبرها الرئيس <باراك أوباما> من انجازاته التاريخية رداً على عملية نيويورك الارهابية في 9 أيلول (سبتمبر) 2001، وحاول بعد ذلك أن يكون الظفر بعنق أبو بكر البغدادي هو انجازه التاريخي الثاني فلم يستطع الى ذلك سبيلا، وعز عليه حتى الآن، كما في العراق، كذلك في سوريا أن يتصيد زعيم <داعش>، ولا يتمكن من وقف عملياته الانتحارية وسياراته المفخخة التي تزهق أرواح العشرات في الأسبوع الواحد.

 

محاولات <بوتين>

 

والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> يدرك أن ثوار القوقاز موصولون بحبل السرة الداعشي، وانه بذهابه الى سوريا جواً وبراً، سيسمح له بأن يمسك بعنق أبو بكر البغدادي، ولكن ذلك لا يزال أضغاث أحلام، وكل اتصالاته مع قادة المنطقة تنطلق من قراره بالقضاء على الارهاب سواء في سوريا أم في العراق أم في اليمن.

أي ان أكبر قوتين عظميين عاجزتان حتى الآن عن دق رقبة أبو بكر البغدادي، فلم يكن أمامهما سوى الرهان على الحليف التركي <رجب طيب أردوغان> الذي أثبت بإحباط المحاولة الانقلابية التي تعرض لها في الشهر الماضي انه يملك زمام السلطة في بلاده عسكرياً وشعبياً، ويستطيع أن يجند الشعب التركي في أية تظاهرة ضد الطغمة العسكرية المتهمة بقلب نظامه.

وها هو <السلطان> الجديد في تركيا يجرد حملة تاريخية على معاقل الارهاب في سوريا، بدءاً من أعدائه المقاتلين الأكراد وتنظيم <داعش> و<جبهة النصرة> اللذين سيقت إليه في يوم من الأيام رعايتهما، ومدهما بالمال والسلاح، فإذا السحر ينقلب على الساحر، وتأتي تفجيرات <أنقرة> و<غازي عينتاب> لتفهمه بأن الذين دللهم بالأمس انقلبوا عليه، ويريدون رأسه، فما استطاع إلا أن يقول: <أنا لهم>. وما توغله في سوريا براً إلا ليقول للأميركان والروس: <دعوني أتولى ما فشلتم فيه>.

بوتين-و-بان-كي-مون-1-----1إنه الآن سلطان زمانه، ويجعل من <الفيتو> الروسي أو <الفيتو> الأميركي سلاحاً غير ذي مفعول حيال اختراقه للحدود المرسومة من خلال توغله العسكري داخل سوريا.

الأميركان والروس يريدون من <أردوغان> أن يقضي على <داعش>، ولكن الرئيس التركي وهو يطارد <داعش> يريد أن يسلخ جلد الأكراد فيمنعهم من مجرد التفكير ببناء الدولة الكردية، لأن ذلك معناه قضم جزء جنوبي من الخريطة الجغرافية التركية، ولن يسمح بذلك ما دام على قيد الحياة.

ذلك ما يجري من حولنا ويعطي <أردوغان> قصب السباق في ما فشل فيه <أوباما> و<بوتين> و<فرانسوا هولاند> الذي ذاق الأمرين من تفجيرات <داعش> في مدينة <نيس> ومدن فرنسية أخرى. وبصورة هذه الملامح تنعقد دورة الأمم المتحدة، كما هي العادة، في النصف الثاني من أيلول (سبتمبر) الجاري، وهي آخر دورة يتولى فيها <بان كي مون> الأمانة العامة بعد انتهاء ولايته، وقد ينهي دوره في هيئة الأمم باجراءات تعاكس المشتهى في دول الشرق الأوسط.

والقضية هنا هي قضية اللاجئين السوريين في كل من لبنان والأردن وتركيا.وتحالف <أردوغان> مع الأميركان والروس يجعله يتحكم في إنشاء المنطقة العازلة التي ينادي بها على الحدود التركية ــ السورية، ولكنه يكون قد حل مشكلة الجغرافيا الخاصة به، ولم يحل مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان والأردن. وأية قرارات سلبية من دورة الأمم المتحدة حيال لبنان لجهة استيعاب ما تيسر من اللاجئين السوريين ستزيد من النقمة على السياسة الأميركية، لأنها ستزيد أيضاً من الفقر المتفشي في لبنان بعدما أفادت احصائيات الأمم المتحدة ان 38 بالمئة من سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر، وتفاقم انسداد الأفق الرئاسي، فلا رئيس في قصر بعبدا، ولا من يحكمون.

وقد أفادت <سوزان رايس> مستشارة الأمن القومي الأميركي يوم الاثنين الماضي بأن الرئيس الأميركي <باراك أوباما> سيعقد خلال انعقاد الجمعية العامة لهيئة الأمم مع آخر أيلول (سبتمبر) الجاري قمة مع قادة الدول لتسليط الضوء على مشكلة اللاجئين السوريين الذين وصل عددهم في الولايات المتحدة بحلول 29 آب (أغسطس) الماضي الى عشرة آلاف لاجئ سوري، بعد اعلان الرئيس <أوباما> قبولهم في الأراضي الأميركية. وهذا التصرف من قبل <أوباما> جوبه برفض في أوساط الحزب الجمهوري المعارض.

وملامح الموقف الأميركي من ملف اللاجئين السوريين، إضافة الى مشروع <الرجوع الطوعي> للاجئ السوري في لبنان من جديد الى بلاده أو الى خارج لبنان، ستنبه الرئيس تمام سلام الذي سيتوجه يوم الخامس عشر من أيلول (سبتمبر) الى نيويورك لرئاسة وفد لبنان في دورة الأمم المتحدة، الى أن طبخة سياسية حول اللاجئين السوريين أخذت مداها في هيئة الأمم بانتظار أن تصل الى منتهاها، وأن مؤامرة تحاك لتوطين اللاجئين السوريين، تماماً كما جرى توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1954 بغطاء من الرئيس كميل شمعون، والأنكليز أسياد الجغرافيا في ذلك الزمان.

ولا شيء سيفسد هذه الطبخة مثل تكاتف اللبنانيين ضد توطين النازحين السوريين، ومثل صرخة الرئيس تمام سلام من منبر الأمم المتحدة ضد الإعداد لهذا التوطين.

والباقي متروك لساعة… الغضب ولتحذير الرئيس نبيه بري من هدم.. الهيكل!