9 April,2020

"لغز" اطلاق الفاخوري بين التهديدات و"الواقعية" فهل يعود الصفاء الى العلاقات اللبنانية ــ الأميركية؟

المروحية الأميركية العملاقة التي نقلت الفاخوري من عوكر الى قبرص ومنها الى الولايات المتحدة الأميركية

لن يكون من السهل، في المدى المنظور على الأقل، كشف ملابسات اللغز الذي أحاط بقرار المحكمة العسكرية في بيروت وقف التعقبات عن العميل الاسرائيلي عامر الفاخوري المسؤول السابق عن معتقل الخيام خلال الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، وبالتالي مغادرته الأراضي اللبنانية في طائرة هليكوبتر أميركية غطت في مبنى السفارة الأميركية في عوكر لمدة خمس دقائق أقلعت بعدها بالفاخوري الى قبرص ومنها الى الولايات المتحدة الأميركية. ذلك أن الغموض الذي رافق هذه القضية منذ اعتقال الفاخوري في مطار رفيق الحريري الدولي في 6 أيلول (سبتمبر) الماضي بتهمة التعامل مع اسرائيل، الى حين الافراج عنه وسفره الى الولايات المتحدة الأميركية، لن تجليه الوقائع المعلنة لهذه القضية التي كادت أن تطيح بالعلاقات اللبنانية ــ الأميركية المضطربة أساساً باستثناء الشق المتعلق منها بالعلاقات بين الجيش اللبناني والجيش الأميركي والتي أبقيت بمنأى عن العلاقات السياسية التي تميزت بالتهديدات حيناً وبفرض عقوبات أحياناً على مؤيدين لحزب الله، ناهيك بالعقوبات التي أنزلها الأميركيون بحق مصرفيين لبنانيين، ثم بأفراد لبنانيين اتهمتهم واشنطن بالتعامل مع حزب الله وتسهيل تمويله بعدما صنفت الادارة الأميركية الحزب بأنه حزب ارهابي.

وقائع معلنة!

في الوقائع المعلنة، أن الفاخوري الذي اعتقل لدى وصوله الى مطار رفيق الحريري، أحيل الى القضاء العسكري على رغم انه استفاد من مرور الزمن (عشر سنوات) عن الجرائم التي أتهم بارتكابها في معتقل الخيام والجنوب بحق الأسرى اللبنانيين الذين اعتقلتهم في حينه قوات الاحتلال الاسرائيلي وتعرضوا للتعذيب بإشراف الفاخوري وعدد من معاونيه. وعلى الأثر تحركت الادارة الأميركية للمطالبة بالافراج عن الفاخوري كونه يحمل الجنسية الأميركية الى جانب جنسيته اللبنانية، لكن الدولة اللبنانية لم تتجاوب مع الرغبة الأميركية ومضت السلطات القضائية  في المحكمة العسكرية بالاجراءات القانونية وسط اعتراض أميركي كبير ومتابعة من محامين أميركيين ولبنانيين. أدركت بيروت حجم الضغط الأميركي الذي تنوع شكلاً ومضموناً، فنقل الفاخوري الى المستشفى كونه يعاني من داء السرطان ويستوجب معالجة خاصة، وصار يتنقل مع فريق طبي تحت الحراسة من مستشفى الى آخر. في هذه الأثناء كان عدد من الأسرى الذين كانوا في معتقل الخيام يدلون بإفادات تؤكد على دور الفاخوري في تعذيبهم والاقتصاص منهم ما جعل قاضية التحقيق العسكرية نجاة أبو شقرا تصدر قراراً ظنياً بالفاخوري ردته الى مواد يمكن أن تصل عقوبتها الى الاعدام، من دون أن تتأثر بكون الدعاوى المرفوعة ضده قد سقطت بمرور الزمن العشري، إلا ان هيئة المحكمة العسكرية برئاسة العميد حسين العبد الله أسقطت الدعوى بسبب المرور العشري وأصدرت قراراً بإنهاء التعقبات بحقه واطلاق سبيله ما لم يكن مداناً في جريمة أخرى. وهنا تسارعت الأحداث إذ نقل الفاخوري فور صدور الحكم من المستشفى الذي كان يعالج فيه من داء السرطان،

رئيس المحكمة العسكرية العميد حسين العبد الله المتنحي بعد قرار إخلاء سبيل الفاخوري

الى مقر السفارة الأميركية في عوكر قبل ساعات قليلة من إقدام المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات على تمييز الحكم والمطالبة بإعادة محاكمته أمام محكمة التمييز العسكري. وهنا ثمة من يقول إن قرار التمييز تأخر في الصدور ما سهّل على الفاخوري مغادرة المستشفى الى السفارة الأميركية، في حين يرى آخرون أن المهلة الزمنية بين صدور الحكم وتمييزه “طبيعية” ولا تأخير متعمداً فيها لأن الأمر يحتاج الى اجراءات روتينية لا بد منها. وبعد ساعات قليلة من وجوده في السفارة حطت طائرة هليكوبتر أميركية ونقلته الى قبرص ومنها الى الولايات المتحدة الأميركية، ما يعني أن إعادة محاكمته أمام محكمة التمييز ــ إذا ما تقرر ذلك ــ ستحاكمه غيابياً لعدم وجوده في الأراضي اللبنانية. وقبيل ساعات من وصوله الى واشنطن، كان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” يشكر الحكومة اللبنانية على “تعاونها” لاطلاق سراح الفاخوري الذي اعتبره “ترامب” مواطناً أميركياً “اعتقل في السجون اللبنانية”…

تهديدات وعقوبات!

هذه الوقائع المعلنة، أما خلفها فثمة معطيات كثيرة بدأت بمطالبة الأميركيين باطلاق الفاخوري من خلال رسائل حملها موفدون أميركيون الى السلطات اللبنانية، وصولاً الى تهديدات واضحة بإنزال عقوبات بحق مسؤولين وقضاة وعسكريين لبنانيين “متورطين” في قضية الفاخوري، وصلت الى حد تقديم السيناتورة الأميركية “جين شاهين” قانوناً الى الكونغرس يكرس العقوبات بحق لبنان. ويروي مصدر رسمي لبناني أن الرئيس “ترامب” أوكل الى مستشار الأمن القومي الأميركي “روبرت أوبراين” مهمة متابعة هذا الملف مع اصرار منه على عودة الفاخوري الى الولايات المتحدة الأميركية “مهما كان الثمن”. تحرك “أوبراين” على أكثر من خط، اتصل بكبار المسؤولين اللبنانيين داعياً إياهم الى التدخل لاطلاق الفاخوري بحجة انه مريض ويعاني من السرطان ملوحاً بـ”عقوبات” إذا ما توفي متأثراً بالمرض العضال الذي يعاني منه. وفي كل الاتصالات التي أجراها “أوبراين” كان يردد عبارة لازمت كل اتصالاته: “من مصلحة لبنان الافراج عن الفاخوري، وإلا فإن العلاقات بين البلدين سوف تتأثر سلباً ولن يعود بالامكان “كبح” جماح التحرك الذي تقوده السيناتورة “شاهين” في الكونغرس”. أكثر من ذلك ألمح “أوبراين” الى العلاقة “الجيدة” مع الجيش اللبناني والتي قد تتأثر هي الأخرى إذا لم يستجب للطلب الأميركي. طرح بعض المسؤولين على “أوبراين” احتمال حصول مبادلة بين الفاخوري وسجناء لبنانيين في الولايات المتحدة فلم يوافق على حصول مبادلة لأن القوانين الأميركية لا تسمح بذلك، لكنه ألمح الى امكانية حصول “تعاون” في هذا المجال خصوصاً إذا ما أثبت الجانب اللبناني “حسن نية” بإطلاق الفاخوري…

توالت اللقاءات والاجتماعات وبعضها في واشنطن حيث قال مسؤول أميركي إن “ترامب” “مصر” على عودة الفاخوري الى “بلاده”، ثم في باريس حيث اجتمع أكثر من مسؤول أميركي مع “وسطاء” لبنانيين، ثم في بيروت نفسها، كما حمل مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط السفير “دايفيد هيل” طلباً واضحاً من الرئيس الأميركي كان سبقه إليه السفير “دايفيد ساترفيلد”، ثم السفير “دايفيد شنيكر” وغيرهم. وفي الوقت نفسه لم يقتصر التحرك الأميركي على الشق الديبلوماسي، بل تحركت أجهزة استخبارات أميركية فتحت قنوات اتصال مع شخصيات لبنانية تربطها صلات قوية بحزب الله بعدما بلغ واشنطن ان الحزب يتحفظ على اطلاق الفاخوري، وبالتالي فإن قرار اطلاقه غير ممكن من دون موافقة الحزب… ووصلت الاتصالات الأميركية الى القضاء مع رسائل لم تخل من “التهديد المبطن”. إلا ان المحطة الفاصلة كانت في باريس حيث عقدت اجتماعات ضمن مسؤولين لبنانيين بعضهم كان وزيراً سابقاً، ومسؤولين أميركيين من “أنواع” مختلفة تتراوح بين العسكري والديبلوماسي والسياسي وصلت الى حد “التفاهم” على صيغة قانونية تحول دون استمرار ملاحقة الفاخوري على رغم وجود دعاوى تقدم بها أسرى سابقون لدى قوات الاحتلال. كل تلك الاتصالات استؤنفت بعد تشكيل الحكومة الجديدة وظل الطلب واحداً، سواء من رئيسها حسان دياب أو من وزراء فيها من بينهم وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا، ووزيرة العدل ماري كلود نجم ومجموعة من المستشارين لمراجع عليا، وهو: أطلقوا الفاخوري قبل أن ينظر الكونغرس بمشروع قانون سوف يؤذي العلاقات اللبنانية ــ الأميركية. لا بل أكثر من ذلك فقد تبين ان لائحة عقوبات تضم أسماء 25 شخصية رسمية وقضائية وأمنية لبنانية أعدت في واشنطن لتوضع موضع التنفيذ إذا تعثرت “الاتصالات” القائمة بين بيروت وواشنطن.

مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين.. ولغة التهديد للبنان

القرار الصعب!

وسط هذه الأجواء الضاغطة كانت الرسائل الأميركية تتدرج سلباً مع تهديد ووعيد ما أحدث هلعاً غير مسبوق لدى السلطات اللبنانية على مختلف المستويات وتبلغ أحد المراجع الكبرى ان مصلحة لبنان ستكون على المحك وان أي مواجهة مع واشنطن سيدفع لبنان ثمنها غالياً. ووصل “الهلع” الى صفوف قيادات عسكرية وأمنية وضعت سقفاً للقضية مفاده ان الفاخوري لا يجوز أن يكون سبباً لتردي العلاقات اللبنانية ــ الأميركية خصوصاً في هذا الظرف الذي يشتد فيه الحصار على لبنان مع أزمة اقتصادية خانقة قد يتطلب حلها تعاوناً مع صندوق النقد الدولي (الذي تهيمن عليه واشنطن) والبنك الدولي (الذي يتأثر بالقرار الأميركي). وبعد أخذ ورد اشترك فيه أكثر من طرف، كان القرار بأن النصوص القانونية تفرض قبول الدفوع المقدمة من وكلاء الفاخوري نتيجة مرور أكثر من عشر سنوات على الجرائم التي أتُهم بارتكابها وأحيطت قيادات رسمية وسياسية فاعلة ومؤثرة علماً بأن قرار المحكمة العسكرية يتجه الى قبول الدفوع. وقيل إن الذين نقلوا المعطيات حول ما سيكون عليه قرار المحكمة، لم يلاحظوا “اعتراضاً” شديداً من قبل الجهات المعنية بالملف وتداعياته وإن كان بعض الذين تمت مراجعتهم “نبّه” الى خطورة القرار من دون أي لهجة تصعيدية. كل هذه المؤشرات دفعت برئيس المحكمة والأعضاء الى قبول الدفوعات في وقت كانت فيه السفارة الأميركية قد “حجزت” طائرة طبية كان من المفترض أن تقلع من اليونان الى بيروت لنقل الفاخوري. لكن إصدار قاضي الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر قراراً بمنع سفر الفاخوري بناء على استدعاء مقدم من الأسرى المحررين سهى بشارة وجهاد عواضة وعلي درويش ونبيه عواضة، جعل من غير الممكن خروج الفاخوري من مطار بيروت وهو الذي كان نقل الى السفارة في عوكر فور صدور قرار وقف التعقبات، ما استدعى اللجوء الى طائرة الهليكوبتر الأميركية التي غطت في عوكر ونقلت “المحتجز قسراً” في لبنان الى قبرص ومنها الى أميركا. وقد سهّل ذلك وجود اتفاق سابق بين الدولة اللبنانية والدولة الأميركية بالسماح للمروحيات الأميركية بالهبوط في مبنى السفارة في عوكر لنقل بريد أو شخصيات أميركية تفضل عدم استعمال مطار رفيق الحريري الدولي لأسباب معروفة.

لكن السؤال الأبرز بقي: هل إنتهت قضية الفاخوري بسفره الى واشنطن، أم أن ما حصل فتح الباب أمام ردود فعل سلبية لدى حزب الله وحلفائه حيال الدولة اللبنانية؟ بعض المراقبين يقول إن ملف الفاخوري سوف يطوى خلال الأسابيع القليلة المقبلة من خلال مؤشرات عدة أبرزها أن ردة فعل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على إطلاق الفاخوري وانتقاله الى الولايات المتحدة، كانت ردة فعل “عاقلة” لأنه مع رفضه لما حصل، شكلاً ومضموناً، آثر عدم تصعيد الوضع مقدماً مصلحة البلاد العليا لأنه كان على علم بكل تفاصيل الملف لاسيما “جدية” التهديدات الأميركية وخطورتها على لبنان، وهو كان على علم بأن الادارة الأميركية ستصل “الى الآخر” بتهديداتها ما يعرض لبنان للخطر المباشر الذي يُضاف الى أخطار أزمته الاقتصادية والمالية وحالة الانهيار التي يعيشها. وأثبت السيد نصر الله من خلال ردة فعله “العقلانية” أنه على استعداد لتحمل مواقف القاعدة الشعبية حفاظاً على مصلحة لبنان وعلى الاستقرار فيه ومنعاً لـ”الانتقام” الأميركي منه خصوصاً أن سيناريو هذا الانتقام كان جاهزاً في الكونغرس وغيره من الأماكن حيث اليد الأميركية “طويلة”…

وثمة من يرى أن اطلاق الفاخوري ستقابله الادارة الأميركية بـ”ليونة” تعيد الاستقرار الى العلاقات اللبنانية ــ الأميركية بالتزامن مع زيادة الاهتمام بتقديم مساعدات يحتاجها لبنان، اضافة الى استعمال النفوذ الأميركي على بعض الدول لمد يد العون الى الحكومة اللبنانية بهدف مساعدتها لتجاوز المعاناة الخطيرة التي يمر بها البلد. ويضيف أصحاب هذا الرأي ان الرئيس “ترامب” الذي وعد مسوؤلين لبنانيين بمضاعفة الاهتمام بلبنان إن أطلق الفاخوري، سوف يفي بوعده، وهذا ما أكده نزار زكا اللبناني الأميركي الذي كان محتجزاً في إيران وأطلق سراحه قبل مدة، وكان أحد العاملين على خط “تسوية” قضية الفاخوري.