21 November,2018

لبنان يواجه تداعيات الخلاف السعودي - القطري بالتمسك بسياسة ”الـنــأي بالنفــس“ وتشجـيــع جهــود المصالحـــة!

2مرة جديدة يواجه لبنان أزمة عربية – عربية باللجوء الى <النأي بالنفس> على أمل أن يُبقي تداعيات هذه الأزمة بعيدة عنه، وإن كانت المؤشرات تدفع الى القلق مما يمكن أن يحدث من تطورات. فالخلاف الذي نشب بين السعودية وقطر ثم اتسع ليشمل معظم دول الخليج – باستثناء الكويت وسلطنة عُمان – ومصر وبعض الدول العربية الأخرى مثل اليمن وليبيا، أحيا مخاوف الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية من أن تكون لنمو هذا الخلاف واتساعه، انعكاسات سلبية على لبنان عموماً، وعلى الواقع الاقتصادي والمالي فيه خصوصاً، ذلك أن وطن الأرز دفع في الماضي ولا يزال يدفع أثمان الخلافات العربية – العربية غالياً. من هنا كانت مواكبة السلطات اللبنانية مكثفة لمسار الخلاف الخليجي – القطري، وإن كان رئيس الحكومة سعد الحريري قد أحيا من جديد شعار <النأي بالنفس> وجاراه في ذلك وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الذي بدا وكأنه يختار كلماته رداً عن سؤال حول موقف لبنان مما يجري بين الدوحة والرياض والعواصم الخليجية الاخرى، وهو – أي باسيل – الذي اشتهر بردوده المباشرة – وأحياناً الملزمة – حيال ما يطرح عليه من مواضيع مأزومة.

وتقول مصادر رسمية لبنانية إن الواقع الذي استجد في الأزمة السعودية – القطرية جعل لبنان في مأزق لا يُحسد عليه، نظراً الى دقة الوضع وحساسيته بفعل العلاقات التي تربطه مع كل من البلدين المتخاصمين اللذين وقفا الى جانبه في الظروف الصعبة التي مرّ بها ووفرا له دعماً مادياً واقتصادياً وسياسياً على مرّ السنوات، إضافة الى وجود جالية لبنانية في كل من السعودية والدوحة، يتمتع أفرادها بمواقع  اقتصادية ومالية وتجارية متقدمة، ناهيك عن واقع التبادل الاقتصادي والتجاري والاستثمارات السعودية والقطرية فيه على حد سواء. صحيح أن لبنان الرسمي – تضيف هذه المصادر – لم يكن طرفاً أو سبباً في ما حصل، وهذا ما جعله يلجأ الى <النأي بالنفس> مما يجري في الخليج، لكن المخاوف كبيرة من أن يتعرض في الآتي من الأيام لضغوطات مباشرة كي يخرج عن موقفه <الحيادي> ويتضامن مع هذه الدولة أو تلك، إلا ان ثمة من يؤكد بأن لا الرياض في وارد الضغط على لبنان ليتضامن معها ضد الدوحة، ولا قطر في بالها دفع لبنان الى مواقف تؤذيه وتلحق ضرراً مباشراً بأبنائه المنتشرين في الدولتين المتخاصمتين، وهو – أي لبنان – يراهن على <تفهم> كل من الرياض والدوحة لوضعه الاستثنائي، فتتجاوز العاصمتان دفع لبنان الى تجرع الكأس المرّ في التزام موقف يخرجه عن السياسة التي طالما انتهجها حيال الخلافات العربية حيث كان يرفع دائماً شعار المصالحة والتضامن مستذكراً مبادئ جامعة الدول العربية وميثاقها!

اتصالات لتشجيع

المصالحة

وفيما أكدت المصادر نفسها ان لبنان باشر اتصالاته بعيداً عن الاضواء لئلا يتأثر سلباً بما يجري بين الرياض والدوحة من مواجهات سياسية وديبلوماسية واقتصادية شاملة، ولتشجيع كل ما يعيد التقارب والمصالحة بين الدولتين الخليجيتين، لفتت الى أن دور الديبلوماسية اللبنانية محدود قياساً الى حجم الخلافات وتداعياتها، لاسيما وأن لبنان يخشى من أن تصاب المفاصل الاقتصادية بأي أذى طالما أن الشق السياسي منها يبقى <ممسوكاً> في ظل التزام <النأي بالنفس>، وهذا من شأنه أن يصيب الجالية اللبنانية في قطر نتيجة الحصار الخليجي والعربي – وإن جزئياً – الذي فرض على الدوحة، ويعرض المصالح المالية والاقتصادية لأفرادها لأضرار فادحة خصوصاً إذا ما استمر الحصار طويلاً وتزايدت وتيرة التدابير التي تُنفذ ضد قطر، إذ يتجاوز عدد أفراد الجالية اللبنانية الـ40 ألف شخص يعملون في معظم القطاعات القطرية لاسيما منها في التجارة وإدارة الأعمال، إضافة الى تجميد الاستثمارات القطرية في لبنان وانتقال المواطنين القطريين الى ربوعه، بعدما شكلت زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لقطر حدثاً إيجابياً 1يمكّن القطريين من المجيء الى لبنان وتمضية فصل الصيف.

وفي هذا السياق، تقول مصادر لبنانية معنية ان لبنان الذي كان يتابع عن كثب تطور الخلاف السعودي – القطري، لم يتوقع أن تتغير العلاقات بين البلدين على النحو الذي حصلت فيه، أي بسرعة قياسية وأن تنضم دول عربية الى القرار السعودي فيتوسع إذذاك <بيكار> المواجهة. لكن مع ذلك، فإن ما صدر عن المسؤولين اللبنانيين في ما خص الأزمة القطرية – السعودية، عكس خصوصية الموقف اللبناني الذي لا يمكنه أن يتدخل لا سلباً ولا إيجاباً حتى لا يصبح <فرق عملة> نتيجة تصارع القوى الكبرى ايضاً على مسرح الدولتين موضع النزاع الذي خرج من إطاره الخليجي المحدود الى رحاب الخلافات مع دول عربية أخرى لها ارتباطات وثيقة بدول كبرى تبدو <مستريحة> في متابعة ما يجري بين الدوحة والرياض من انتكاسات متتالية لأنها بذلك تحاول إيجاد أمر واقع جديد ترسم هي أطره وامتداداته… وحدوده.

وفيما دلت معطيات الأسبوع الماضي ان السعودية والدول الحليفة لها، ماضية في تضييق الخناق الاقتصادي والتجاري والمالي على قطر، بدا لبنان متشبثاً بتكرار سياسة <النأي بالنفس> التي يأمل أن تجنبه السقوط مجدداً في متاهات المنطقة، خصوصاً إذا ما وصلت الازمة المتصاعدة بين البلدين الى طاولة جامعة الدول العربية، وما سيكون عليه الموقف اللبناني إذا ما طرح على جدول الأعمال القرار بطرد قطر من الجامعة أو تجميد عضويتها على الأقل، علماً أن هذين القرارين يتطلبان اجماعاً عربياً لا يبدو متوافراً، أو هو قيد الإعداد.

وتبدي مصادر أمنية مخاوف من أن تؤثر التطورات المتسارعة بين قطر والسعودية، الى توقف الوساطة القطرية مع الجهات التي تحتجز العسكريين اللبنانيين، فتتبدد الآمال اللبنانية بإمكانية الوصول الى خواتيم سعيدة لهذه المأساة الانسانية التي تركت عميق الأثر في الحياة اليومية اللبنانية، إذ لم يعد سراً ان الدوحة قامت بخطوات كبيرة لتأمين الإفراج عن العسكريين المخطوفين وكادت أن تحقق بعض التقدم في معرفة مصيرهم، لكن جرت الرياح القطرية على غير ما تشتهي السفن اللبنانية!