11 December,2017

لبنان ينأى بنفسه عن ”دربكة“ الداخل وتبعية الخارج والحريري عاد عن استقالته وقرر الالتزام بسياسة النأي بالنفس!

 

بقلم علي الحسيني

الرئيس-الحريري-يتلي-البيان-الوزاري

من الواضح أن الوضع اللبناني دخل في أزمة جدية منذ اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته والمرحلة التي تلت هذا الاعلان مع تصاعد المواقف السياسية بين الغرب ومعه جزء كبير من الدول العربية، وبين محور <الممانعة> بقيادة ايران، وعند هذه الأزمة المستجدة، انقسمت الأحزاب اللبنانية المتحكمة بالقرار السياسي في البلد، بين مؤيد لهذا المحور وبين مناصر لذاك ما عدا بعض القيادات التي أصرت على أن يكون لبنان هو الرابح الأكبر والخروج به من شرنقة الحصار السياسي وإبعاده عن النيران المشتعلة في المنطقة.

انقسام لبناني صريح

 

من ينظر إلى التركيبة السياسية القائمة في لبنان اليوم، سوف يظهر له مدى الإعجاز في بقاء البلد بمنأى عن الصراعات التي تدور حوله لاسيما الوضع الصعب في سوريا إذ لا يوجد طرف سياسي لبناني لا يتبع لأجندة خارجية تُحتم عليه اتخاذ مواقف قد لا تتوافق مع الوضع في الداخل في معظم الأحيان، ومن هنا تبدو الانقسامات الحاصلة في الفترة الحالية، وكأنها تتحضر في مكان ما، لاشعال حدة التوتر السياسي خصوصاً وأننا على أبواب معارك انتخابية من شأنها أن تُحدد أحجام التمثيل وهي التي الوزير-غطاس-خوريتمهد الطريق للإمساك بمفاصل البلد وتحديد سياسته الداخلية والخارجية.

المحور اللبناني المؤيد لمعظم الدول العربية، يعتبر أن ايران هي أساس البلاء ليس في لبنان فحسب إنما في كل المنطقة، وهو يرى أيضاً أن كف يد ايران عن الملف اللبناني، من شأنه ان يُحدث حالة من التوازن بين جميع الأفرقاء وأن يُعيد البلد إلى موقعه الطبيعي، أي بلد عربي الإنتماء والهوية بعيداً عن الصراعات التي تدخلها ايران في سبيل تحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة. أما من وجهة نظر الفريق الآخر، فبرأيه أن المرحلة التي يمر بها لبنان هي صعبة وخطيرة للغاية نتيجة المؤامرة التي تستهدف هذا الوطن في محاولة لتفتيته وزرع الخلاف والشقاق والتباعد بين ابنائه لضرب المقاومة وجمهورها، وتعميم الفوضى والاقتتال الداخلي وذلك خدمة لاسرائيل التي تتربص شراً بهذا الوطن، وتتحين الفرص للانقضاض على الانجازات التي حققتها المقاومة بعد انتصارها على العدو الاسرائيلي في تموز من العام 2006 وانتصارها على المد التكفيري في سوريا.

في كل الأحوال ومهما تبدلت المعطيات أو المواقف السياسية المُحتدمة، لا يبدو لبنان بعيداً عن الضغوط الدولية والاقليمية والمُراد في جزء كبير منها، تسليم حزب الله سلاحه إلى الدولة اللبنانية، وهذا مطلب سعودي بالدرجة الأولى. أما على المستوى الدولي، ثمة حالة تشبه كثيراً حالة ما قبل العام 2003، أي اجتياح العراق، فقد بدأت بعض مراكز القوى في واشنطن تطلب من الأجهزة الاستخباراتية إعداد ملفات حول إيران، شبيهة بالملفات التي سبقت اجتياح العراق. ومن الواضح أن الأمور تسير باتجاه تصعيد الضغط على لبنان وربما مطلوب من اللاعبين اللبنانيين اليوم، تحديد المواقف في ما بينهم قبل خروجها إلى العلن والبناء على ما تقتضيه حاجة البلد الداخلية لا حاجة الدول الخارجية.

عضو-المكتب-السياسي-في-تيار-المستقبل-راشد-فايدصراع الحلفاء في العلن والخفاء

في ظل التناقضات الواضحة بين مختلف الأحزاب والتيارات اللبنانية، طفت الخلافات السياسية بين جميع المكونات في الفترة الاخيرة وخرجت بشكل واضح إلى العلن. ومن أكثر الأحزاب التي اعترت العلاقة بينهم تشوهات سياسية هما تيار <المستقبل> وحزب <القوات اللبنانية> اللذان دخلا في معمعة التهجمات ووصلت بهما إلى حد توجيه اتهامات مباشرة على شاشات التلفزة وفي وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة، وقد وصفت العلاقة بين الحليفين بأنها تمر بأسوأ ايامها وذلك على خلفية المواقف التي اتخذت عقب اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من المملكة العربية السعودية. وهما اليوم يعيشان شبه قطيعة، بانتظار حصول اللقاء المرتقب بين الرئيس الحريري والدكتور سمير جعجع الذي من شأنه أن يُزيل ضبابية المشهد القائمة.

وزير الثقافة غطاس خوري وهو المقرب إلى حد كبير من الرئيس الحريري، يرى أن من يقف وراء محاولة الانقلاب على الرئيس سعد الحريري هم اشخاص قالوا انهم مع هذا الاتجاه اكان في البلد او خارج البلد، ونحن اليوم على عتبة مرحلة جديدة في لبنان تتطلب ان تعود الحكومة وترمم وتعمل حتى موعد الانتخابات النيابية لاستحالة حصول تغيير جذري قبل الانتخابات النيابية. وأكد أن الفضل في افشال المخطط الانقلابي يعود بالدرجة الاولى الى الشعب اللبناني والى فخامة الرئيس ميشال عون الذي وقف موقفاً حازماً في هذا الموضوع، كما يعود الى المجتمع الدولي الذي وقف مع لبنان.

ولاحظ ان حملة تخويف كبيرة جداً كانت في البلد ويراد من ورائها تغيير الاوضاع، وايضاً هناك مؤسسات في البلد وحقيقة الأمر اننا كل ما مررنا بأزمة ما يظهر هذا البلد ليس عليه فقط مظلة دولية بل هناك توافق داخلي يمنع الذهاب الى مغامرات، معتبراً أن المخطط الانقلابي كان يهدف الى دعوة اللبنانيين الى حصار بعضهم البعض والى خلق فتنة داخل البلد، لكن لم يكن هناك من تجاوب شعبي مع هذا المخطط والسبب انه لا احد في البلد يريد ان تحصل فتنة بين بعضنا البعض. وعن السبب في اطلاق لقب كتبة <التقارير> على بعض الناس والهدف من وراء هذا الأمر قال: <لست انا من الاشخاص الذين اطلقوا هذا اللقب او استعمله ويمكن هناك بعض الاشخاص يعرفون ان هناك تقارير تكتب عن فريق في تيار <المستقبل> وكانت تتعمد الاذى للرئيس الحريري وهذا موجود في كل الانظمة وهو موجود منذ ايام الشعبة الثانية وليس بالامر الجديد.

وفي السياق عينه، يُشير الكاتب والمحلل السياسي وسيم بزي، الى أن الوساطة الأولى التي جرت لتأمين اللقاء بين جعجع والحريري كانت بين وزير الاعلام ملحم الرياشي ووزير الداخلية نهاد المشنوق وكان جواب الحريري جازماً، لكنه بعث هل-يمحو-اللقاء-بينهما-الازمة؟برسالة الى جعجع ذكره فيها بمن أخرجه في العام 2005 من السجن والتعبير نفسه استعمله نادر الحريري في رده على طلب القوات في اتصال أجراه النائب جورج عدوان.

ويلفت الى أن القوات طلبت من <المستقبل> المشاركة في المهرجان الذي نظم لعودة رئيس الحكومة فكان جواب بيت الوسط رافضاً لأي مشاركة قواتية وكل ذلك لأن <المستقبل> يدرك جيداً حجم الدور الذي أداه جعجع في مسألة احتجاز الحريري.

أما الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين فيعتبر أن <العلاقة بين الطرفين تراجعت منذ تشكيل الحكومة، فجعجع ظن أن علاقته بعون ستقوي وضعه داخل مجلس الوزراء، إلا أن التطور الذي حصل في العلاقة بين رئيس الجمهوريّة ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري كان على حساب القوات، مشدداً على أن هناك مجموعة ملفات أساسية منها النفط والكهرباء والمرافق التي لها علاقة بالغاز والقوات خارجها.

 

التعويل على جلسة حكومية

في ظل الوضع المتأزم، يبقى التعويل على انعقاد جلسة وزارية تُزيل هواجس الأطراف كافة وتُطرح خلالها كل المعوقات أو الإشكاليات التي تحول دون توافق الجميع. وبالفعل فقد أكد الرئيس الحريري في مداخلته خلال جلسة مجلس الوزراء ظهر الثلاثاء الماضي <ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية، مع الإلتزام باحترام ميثاق الجامعة العربية واعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظاً على الوطن ساحة سلام وتلاقي، معلناً التزام الحكومة اللبنانية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب وعن الشؤون الداخلية للدول العربية حفاظاً على علاقات لبنان السياسية مع أشقائها العرب. وأكد الالتزام باتفاق الطائف ولبنان عربي الهوى والانتماء وهو عضو مؤسس في الجامعة العربية وفي منظمة الامم المتحدة وملتزم بميثاقه>، مشيراً إلى أن الحكومة تشكر رئيسها على عودته عن الاستقالة>.

وقال: أنا رئيس مجلس وزراء لبنان واليوم هناك حكم إعدام بحقي في سوريا، وحزب الله مصنف إرهابياً في دول الخليج. كل ما أقوله هو أن نجنب البلد الدخول في صراعات المنطقة ونحافــــظ على استقرارنــــا. لكن هذا لا يعفينا مـــن أن نــــرى المشكلة القائمــــة وملاحظــــات عــــدد من الـــدول الشقيقــــة، خصوصــــاً دول الخليج، التي وجهت لنا رسائل واضحة حول التدخل بشؤونها الداخلية، متمنياً من كل الاشقاء العرب أن يتفهموا اوضاع لبنان. الاشقاء العرب لم يتركونا في أصعب خطان-لا-يلتقيان الأيام … وتاريخ الدعم الخليجي للبنان يشهد عليه كل اللبنانيين.

وعلى خط ملاقاة الحريري، أشار وزير الشباب والرياضة محمد فنيش الى أن البيان الوزاري يعبر عن موقف الحكومة ككل ونحن موافقون على كامل بنوده، لافتاً الى أنه لا يشكل بياناً جديداً بل موقف سياسي من مجلس الوزراء نتج عن إعلان الاستقالة وتأكيداً على البيان الوزاري الحالي، الذي يشكل خطاب القسم جزءاً منه.

 

بــين كــــلام الحريري وضمانات

حـــــزب الله

بعد إعلان الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصر الله عن استعداده لتقديم تنازلات وضمانات للحريري وذلك بحسب التسريبات الاعلامية الأخيرة التي سبقت عقد جلسة مجلس الوزراء، تتعلق بالانسحاب من العراق، والابتعاد عن أزمة اليمن، تريث الحريري في تقديم استقالته، ودخل لبنان ضمن محاور التشاور الدولية. ووسط هذه المشاورات، تفيد مصادر بأن الملف السوري الذي سلك طريق الحلّ وفق ما أكد الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، سيشهد تطورات لافتة في الأشهر المقبلة. وقد تبدأ بتقديم حزب الله تنازلات جديدة تخص السلسلة الشرقية، مثل انسحاب الحزب من بلدة الطفيل وتسليمها للجيش اللبناني وأيضاً من كافة الجرود وهو كان انسحب فعلاً من جرود عرسال.

وعلى الجانب نفسه، فإن الحزب يعكف اليوم على دراسة كل الخيارات التي ستفرضها الوقائع السياسية، التي تبدأ من استعداده لتسهيل مهمة رئيسي الحكومة والجمهورية في ترتيب الوضع مع دول الخليج والمجتمع الدولي، وذلك لتعزيز مفهوم النأي بالنفس. فيما هناك من يأمل من الحزب أكثر من ذلك، مثل أن يلجأ إلى البدء بسحب قواته من كل الجغرافية السورية، وتجميعها ضمن عملية إعادة تموضع في مدينة القصير في ريف حمص. وهي أول المدن التي سيطر عليها الحزب، وأقام فيها صماما-أمان-الوحدة-والاستقرارقواعد عسكرية وتدريبية. لكن هذا الأمر مستبعد كلياً أقله في الفترة الحالية.

أما في ما خص المقابلة التي أجراها الرئيس الحريري لصحيفة <باري ماتش> الفرنسية والتي قال فيها <أن حزب الله لا يستعمل سلاحه في الداخل، فقد أوضح عضو المكتب السياسي في تيار <المستقبل> راشد فايد ان حزب الله لا يستخدم سلاحه في الداخل اللبناني، والمشكلة أنه يستخدمه في الدول العربية والخليجية حصراً. ولفت إلى أن أحد الشروط الثلاثة، التي وضعها الرئيس الحريري حينما أعلن تريثه في الاستقالة نصت على عدم استخدام سلاح حزب الله في المنطقة العربية، وبالتالي الجواب يبنى على المساعي الفرنسية – المصرية – الروسية،

ورأى أنه يجب التذكير بأن السفير الروسي في لبنان <الكسندر زاسبكين> قال في تصريح صحفي منذ أيام: إنه على حزب الله وإيران التخفيف من وجودهما في سوريا، إذاً هناك أمر ما يرتب في إطار هذا التحرك الفرنسي – المصري – الروسي. وأشار إلى أن تصريحات الأطراف السياسية والتحرك الشعبي، الذي واكب عودة الحريري إلى بيروت، يؤكدان انه موضع ثقة، والمؤشر إلى ذلك كما هي العادة دائماً هو وضع سندات (الأوروبوند)، والأسهم في البورصة اللبنانية، وهذه المؤشرات الإيجابية تضاف إلى مؤشر الشارع، أي وقوف الناس مع الرئيس الحريري بالإضافة الى المؤشرات الدولية، التي تراهن على وجوده على رأس الحكومة لضمان استمرار الاستقرار في لبنان.

وختم فايد حديثه قائلاً: لا شك أن انسحاب حزب الله من اليمن نقطة أساسية عالجها رئيس الجمهورية ميشال عون مع القوى السياسية، التي استقبلها في بعبدا قبل سفره إلى روما، وننتظر النتائج الملموسة لهذا التحرك، فالمرحلة المقبلة في لبنان هي مرحلة استقرار أكثر جدية من المرحلة السابقة، وإلا فيما يكون اتفاق الأطراف جميعاً على تسهيل مهمة الرئيس الحريري.

صحيح أن صورة المرحلة لا تزال ضبابيّة، في ضوء التباين في وجهات النظر، بين من يقول إن الأزمة الحكومية أوشكت على الانتهاء، ومن لا يزال مصراً على أنها بدأت للتو، وأن كل ما حصل لا يعدو كونه تأجيلاً لانفجارها لبضعة أيام لا أكثر ولا أقل، إلا أن الصحيح أيضاً أن هناك شبه اتفاق بين جميع الفرقاء على أن الانتخابات النيابية يجب أن تحصل في مواعيدها، إن لم يكن قبل ذلك، استناداً إلى أن العـــودة إلى الشعب لطالما كانت المخرج على مر التاريخ لأكثر الأزمات السياسية خطورة في مختلف دول العالم.