8 December,2019

لبنان يغرق في مُحيط من الأزمات.. والتوطين يدق الأبواب!

بقلم علي الحسيني

 

أصبح الوضع الحالي في لبنان لا يسر عدواً ولا حبيباً، فكثرة الانزلاقات قد تخطت الخيال وسط ضياع شبه تام للمسؤولين الذين لم يتمكنوا حتى اليوم من إيجاد <الترياق> الشافي لكل هذه الأزمات التي تمر فيها البلاد منذ عشرات السنين، وذلك على الرغم من الوعود التي يُدفقونها على المواطن مع كل استحقاق يتهدد مواقعهم ومصالحهم. ولعل أزمة الدولار الاخيرة وما نتج عنها من أزمات ومشاكل تخطت المسموح والمعقول، ما هي سوى مؤشر واضح لضياع بات يُهدد مصير كل القطاعات بما فيها القطاع المصرفي والذي تحول في الفترة الاخيرة إلى مكسر عصا، جراء العقوبات التي تطاله من الخارج. ووسط هذا الضجيج الذي وصفه المسؤولون اللبنانيون بأنه مُفتعل، ثمة من يرى أن الوضع برمته في لبنان، أصبح آيلاً للسقوط ما لم يتنبه المسؤولون إلى ما يُحاك ضد بلدهم، سراً وعلانية.

 

لبنان بلد متعدد الأزمات!

من الأزمات الناجمة عن روائح النفايات الكريهة وقلة المياه وغياب الكهرباء مروراً بأزمات السير وزحمة الطرقات اليومية خصوصاً مع بداية فتح المدارس أبوابها، وصولاً إلى أزمة البطالة التي تضرب لبنان من أقصاه إلى أقصاه في ظل هجرة غير مسبوقة لجيل الشباب، هزت الأزمة المالية الناجمة عن ارتفاع سعر صرف الدولار محلياً، كل الكيان اللبناني وكادت أن تقضي على ما تبقى منه من مصداقية مصرفية أمام بعض دول الخارج والتي ترافقت أيضاً مع أزمة بنزين أعادت لبنان واللبنانيين بالذاكرة إلى زمن الحرب، يوم كان المواطن اللبناني يقف في الطوابير لكي يملأ <غالون> أو قنية متوسطة الحجم، علها تُسعفه عند الشدائد. وعلى الرغم من أن لبنان سبق أن مر بأزمات مالية صعبة وعديدة لعل أبرزها أزمة انهيار سعر الصرف في ثمانينات القرن الماضي وامتدادها حتى مطلع التسعينات، الا أنه تمكن من تجاوزها بفعل السياسة الناجحة والحكيمة التي ينتهجها مصرف لبنان والتي يبدو أنها جنبت البلاد اليوم، كارثة وسط عجز السياسيين عن إيجاد حل للمعضلة التي أوقعوا فيها البلد بفعل النهج السياسي الخاطئ الذي يتبعونه.

لعل الابرز في ما يحصل اليوم بالنسبة إلى الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان، هو انه لا يزال هناك إمكانيات للخروج منها وهي مُتاحة بشكل كبير شرط عدم إضاعة الفرصة أو الفرص كما سبق وحصل في العديد من المحطات المُشابهة، ذلك على الرغم من غياب المؤشر الاساسي للانهيار أي تدهور سعر صرف الدولار. لكن في مُجمل الاحوال، فإن مصرفيين كباراً كانوا أكدوا أن حتى اليوم لم يسجل أي خروج كبير ولافت للرساميل، ولا تزال الدولة تسدد ديونها، و85% من هذا الدين تحمله أطراف محلية. لكن في مُطلق الاحوال، فإن هذا الامر لا يُفسر على أن الأزمة ليست خطيرة، بل هي كذلك، خصوصاً أن العجز المسجل هو الاكبر على الاطلاق، وقد نتج من تراكمات لأكثر من ربع قرن.

وضع لبنان يُشبه الادمان على الكحول!

عضو كتلة <اللقاء الديمقراطي> النائب فيصل الصايغ كشف أن احد المسؤولين الدوليين وجه منذ فترة إهانة الى لجنة <سيدر> اللبنانية بقوله: <الوضع اللبناني أشبه بمرضٍ سرطاني سببه تقصير الحكومة، ما أدى إلى فساد غير مقرون ولا مسبوق، معتبراً ان الاصلاح في مجالات الكهرباء، البيئة، المرافئ، التهرب الضريبي والجمركي وغيرها، يمكن أن يرفد الاقتصاد اللبناني بنحو ٦-٨ مليارات دولار سنوياً دون الحاجة لأن تتوسلوا المجتمع الدولي لمساعدتكم.. فالفساد هو المشكلة الرئيسية التي تتغاضون عنها. أضاف: إن لبنان بات كمدمن على الكحول، يعد بالاقلاع عنها كل يوم، ولكن بلا جدوى، ولا يلوح أي مؤشر في المدى القريب إلى إمكانية حدوث أي تغيير أو إصلاح.

وينقل الصايغ عن المسؤول قوله: <عملتُ في عشرات الدول، ولم أرَ مثيلاً لما يجري في لبنان من فساد، وبالتالي من الصعب أن نمنحكم ثقةً عمياء، كما فعلنا في باريس 1 و2 و3>. وعلق الصايغ على هذا الكلام قائلاً: <للاسف انه وصف صحيح للواقع اللبناني، فيا عيب الشوم علينا.. ويا ضيعان الكفاءات اللبنانية التي نجحت ولمعت وساهمت في نهضة الكثير من دول العالم>.

 

الجسر: الحريري يتحمل مسؤولياته والحراك على خط الأزمات!

على الخط الداخلي الساخن والذي يبدو أنه سيغلي بتحركات إحتجاجية، فقد تجمع صباح الاحد الماضي حشد من المواطنين في ساحة الشهداء، تزامناً مع الدعوات التي أطلقها ناشطون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي رفضاً للأزمات الاقتصادية التي يعيشها المواطن خصوصاً بعد أزمة الدولار، ورفع المتظاهرون الشعارات وصدحت الاغاني الوطنية والحماسية في ساحة الشهداء. وبالتوازي انتشر المئات من العناصر الامنية عند مداخل مجلس النواب والقصر الحكومي، ومبنى جريدة <النهار>. وكانت الدعوات للتظاهرات بدأت تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في الايام الفائتة. ومن الجهات الداعية: <حزب سبعة> وناشطون ومجموعات مما اصطلح على تسميته بـ<الحراك الشعبي> كـحلو عنا وغيرها.

ومن الشعارات التي رفعها المحتجون <تسقط الحكومة، يسقط العهد>. وحاولوا الوصول الى المجلس النيابي لكنهم اصطدموا بالحاجز الامني. والى بيروت، تحرك عشرات المواطنين على الطريق الدولية رياق ــ حمص عند مفترق بلدتي الحمودية وبريتال تحت عنوان <كفى اذلالاً للمواطن> وسط انتشار كثيف للأجهزة الامنية من قوى أمن داخلي وجيش.

أما عن الدور الذي تتحمله الحكومة وتحديداً الرئيس سعد الحريري، يؤكد عضو كتلة <المستقبل> النائب سمير الجسر على حسابه أن الحريري يتحمل المسؤولية في ظرف من أصعب الظروف التي مر بها البلد. فالوضع الاقليمي المتأزم، بين الحروب الاهلية والصراعات الاقليمية والتدخلات الدولية، يلقي بظلاله على البلاد تاركاً تداعياته على لبنان بكل الابعاد السياسية والاقتصادية والمالية والامنية إضافة الى انقسامات سياسية، في الداخل، حادة ودقيقة وحساسة لا توفر البلد في أمنه وإقتصاده. ويقول: أوضاع صعبة عرفنا أشباهها من قبل واستطعنا بالتفاهم في ما بيننا وبتقديم المصلحة الوطنية على كل ما عداها وبإرادة الرجال المخلصين أن نخرج منها الى وضع مزدهر.

 

الدولار إلى سوريا تحت جنح الظلام!

من البديهي القول أو حتى الاعتقاد أن الاقتصاد في لبنان هو اقتصاد سياسي، له ارتباطات وثيقة بتحولات وتطورات دولية لها انعكاسات كبيرة على وضعه الداخلي المفتوح أصلاً على كافة الاحتمالات. ومن نافل القول إن ارتفاع سعر الدولار في لبنان وفقدانه من الاسواق، تزامن مع انهيار كبير لليرة السورية أمام الدولار وعلى نحو خطير ومُخيف. وتزامناً عمل البعض في لبنان على بيع محروقات من السوق اللبناني في السوق السوري. وهذا أيضاً يرتبط باستفحال الحديث محلياً وخارجياً حول المعابر غير الشرعية، أو حتى التهريب على المعابر الشرعية. كل ذلك جاء وسط تحذيرات دولية كثيرة وأميركية خصوصاً كان تلقاها لبنان في الفترة الاخيرة، للامتناع عن بيع المحروقات إلى سوريا، والا فإن الشركات التي تبيع المحروقات

إلى سوريا ستكون عرضة لعقوبات.

وبما أن الملفين اللبناني والسوري يرتبطان ببعضهما البعض، وفي ظل العقوبات القاسية التي تفرض على حزب الله أو بيئته، فهي بالتأكيد تؤثر على كل اللبنانيين، وعلى الوضع المالي والاقتصادي اللبناني. وكما كانت هناك محاولات لمراكمة الارباح من قبل جماعات متعددة بواسطة بيع المحروقات إلى سوريا، هناك من يعمل على بيع الدولار من السوق اللبناني إلى السوق السوري. إذ يكمن الربح الوفير في الفارق بسعر الدولار بين لبنان وسوريا. وقد تسربت كميات ضخمة من عملة الدولار بهذه الطريقة من لبنان إلى سوريا. ولذا لجأ مصرف لبنان إلى وقف السحوبات المالية بالدولار، بعد تحذيرات خارجية، وخوفاً من فقدان المزيد من الدولار من السوق.

في السياسة الاقتصادية.. تصويب سوري على ميقاتي!

 

المؤكد أن لبنان المنقسم على نفسه متضارب الرؤى بشأن إعادة تفعيل التواصل الرسمي مع سوريا، ففي حين يؤيد قسم كبير من اللبنانيين والقوى السياسية هذه العلاقات ويعتبرونها ضرورة وحاجة لبنانية ملحة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً أيضاً، يجهد فريق آخر في رفض هذه العلاقات وإعادة تفعيلها ويجعلون منها عقدة. والرئيس نجيب ميقاتي الذي يُعتبر حليفاً شخصياً لسوريا ولعائلة الاسد تحديداً، واجه خلال الايام الماضية حملة قضائية سورية تمثلت بملاحقته مع شقيقه طه، قضائياً من أجل استرجاع أموال في سوريا، نتيجة اعترافات رجل الاعمال السوري رامي مخلوف، في إطار التحقيقات التي يجريها رئيس النظام السوري بشار الاسد. هذه المعلومات كانت نشرتها صحيفة لبنانية منذ فترة وجيزة، لكن أوساط مقربة من ميقاتي وصفتها بـ<الخرافة> التي لا أساس لها من الصحة وبالتالي هي تسريبة المراد منها ابتزاز ميقاتي سياسياً.

لا توجد لمقياتي ارتباطات عضوية ومصيرية مع أي من الاطراف لا الدولية ولا الداخلية، فهو كما يُطلق عليه البعض <صديق الكل> لكن تحت سقوف مُعينة يضعها هو بحسب قناعاته وحسب ما تُمليه عليه مصالحه الوطنية والسياسية. وفي الآونة الأخيرة بدت مواقف ميقاتي السياسية ظاهرة للعيان وهي ربما أزعجت الى حد بعيد العهد وأيضاً حلفاء سوريا في لبنان خصوصاً لجهة مواقفه المُكررة والداعمة والمؤيدة لموقع رئاسة الحكومة. هذا ما تؤكده أوساط مقربة من الرئيس ميقاتي، لكن في المقابل ثمة رأي مخالف يرى أن الرجل معروف عنه قربه من عائلة الاسد ومعروف عنه أيضاً شراكته لعدد من رجال الاعمال السوريين في قطاعات عدة، لاسيما قطاع الاتصالات. وهذا الأمر ربما وضعه في دائرة الاشتباه بالنسبة إلى القضاء السوري الذي يُحقق اليوم بمجموعة أمور مع شخصيات تُعتبر شريكة لميقاتي، قد يكون قريب الرئيس السوري رامي مخلوف واحداً منهم.

أوساط ميقاتي ترد بأنه فيما يخص إحدى الشركات الخليوية السورية التي كان ذُكر اسمها، فإن الاخبار حولها مغلوطة وعارية من الصحة، وأن ميقاتي لا علاقة له بها، وإنما كان على علاقة بشركة <فرانس تيليكوم>، التي تحولت بعد ذلك لشركة تمتلك في كل العالم شبكات خليوي، لميقاتي فيها نسبة أقل من 15 بالمئة، ولها إدارتها وشركتها المستقلة التي دخل فيها كمساهم. وكل ما ذُكر هو خيالي. إذ لا وجود لدعاوى ولا لقضاء ولا لاسترداد مال، فيما الامر أصبح قائماً على تشويه صورة ميقاتي وضربه في السياسة منهجياً.

في تفعيل التجارة مع سوريا.. أين البديل؟

بعد انتهاء الحرب السورية وفتح معبر <نصيب>، إرتفعت الكلفة على الصادرات اللبنانية، وهو الموضوع الاساسي الذي كان لا بد من مناقشته بين لبنان وسوريا من أجل الوصول إلى آلية جديدة من التعاطي بما يتعلق في إعادة برمجة التصدير والاستيراد من سوريا وإليها عبر المعابر الشرعية، وإيجاد توازن معين بين البلدين تجنباً لأعمال التهريب. في هذا السياق تؤكد مصادر قوى <8 أذار> أن لا مصلحة لهذه الحكومة ولا لغيرها في مقاطعة سوريا، خصوصاً أن علاقات دبلوماسية قائمة بين البلدين، ويجب إبعاد مصلحة التجار والعلاقات الانسانية عن الخلافات السياسية، لأن لا طائفة محددة للقمة عيش المواطنين الذين يجب أن تكون مصلحتهم أولوية في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة.

في السياق، بدت نبرة رئيس الجمهورية ميشال عون في الامم المتحدة عالية وغير مسبوقة خلال تركيزه على التكلفة الاقتصادية والمالية والامنية للنزوح السوري. واللافت هو ما ألمح اليه عون بالتفاوض المباشر مع النظام في سوريا من أجل حل جميع المعضلات القائمة خصوصاً في الشق المتعلق بأزمة النازحين وضرورة عودتهم إلى بلادهم. من هنا يُشير عضو المكتب السياسي لتيار <المستقبل> النائب السابق مصطفى علوش الى انه غير موافق على كل ما قاله الرئيس ميشال عون في الامم المتحدة لاسيما في الملف السوري، ومبدئياً الاستقرار في سوريا هو اساس بالنسبة الى لبنان بغض النظر عن الموقف من النظام السوري، ولو كان هذا النظام يستطيع تأمين الاستقرار لما كانت قد حصلت الحرب.

وأوضح علوش ان العلاقات بين الاردن وسوريا شبه طبيعية، ولماذا لم يعد اللاجئون من الاردن الى سوريا؟ ما يعني ان الشعب السوري هرب من النظام السوري، لانه عندما يهرب الشخص من شيء يهرب من الاسوأ. واكد انه يرفض الحوار مع الرئيس السوري بشار الاسد، وبالنهاية سعد الحريري هو رئيس الحكومة، وبنظام الطائف رئيس الحكومة ليس الحاكم بأمره وهناك توازنات في الحكومة، واذا إراد الجزء المغرم بالاسد وبالعلاقة مع سوريا التصويت لأي إجراء ما بالعلاقة مع سوريا يستطيع ذلك. لكن المؤكد ان مصلحة البلد ليست في الحوار مع هذا النظام.

في المقابل ثمة وجهة نظر أخرى مؤيدة لأي حوار مع النظام السوري من شأنه أن يحل أزمة النزوح في لبنان. ويرى أصحاب هذا الرأي بأن خصوم الاسد في لبنان لا يربطون عودة النازحين بالتفاهم على الحل السياسي في سوريا، وبالتالي إذا نجح عون في إقناع نظيره السوري بضرورة عودتهم، فإن جميع المكونات السياسية ستؤدي له التحية وتدين له بهذا الانجاز. وترى هذه الفئة أنه لا مبرر للدخول منذ الآن في سجال مع رئيس الجمهورية، على خلفية تلويحه بالتفاوض، في ضوء إخفاق المجتمع الدولي من وجهة نظره في إعادتهم. وترى أنه مجرد الانجرار إلى فتح سجال حول مبدأ التفاوض سيُظهر المعارضة أمام الرأي العام اللبناني بأنها ليست راغبة في عودتهم، وبالتالي ستعطي خصومها ورقة سياسية تستخدمها ضدها، وتقحمها في لعبة المزايدات الشعبوية.

 

لبنان محور في مُحيط أزمات!

في المُحصلة، لا يُمكن الفصل بأي حال من الاحوال، بين الأزمات التي تعصف بلبنان، وبين ما يحصل في سوريا وبين العقوبات التي تُفرض على إيران، فلبنان بلد مُحاط بمجموعة دول لها تأثير واضح وفاعل على حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الامنية، فإذا كانت مُشكلة المخيمات وما ينتج عنها بين الحين والآخر بالاضافة إلى ملف النزوح الذي يُشكل العبء الاكبر أمام تحرر البلد اجتماعياً وإقتصادياً، ما زالت عاصية عن الحل في ظل صراع المواقف السياسية، فكيف يُمكن لهذا البلد أن يخرج من أزمات أكبر تنتظره في المستقبل، لاسيما منها ملف التوطين السوري الذي بدأ التلويح به منذ فترة؟ من هنا ثمة رأي يميل الى الصواب يعتبر أن ما يمر به البلد اليوم هو مُفتعل، وقد يكون الحل بالرضوخ الى القرارات الدولية وتحديداً المتعلقة بتوطين النازحين السوريين. ولو على دفعات متبادلة، يتم تحديد عددها وقيمتها بين لبنان وبين المُجتمع الدولي الذي تقوده أميركا.