14 November,2018

لبنان يستشعر مجدداً خطر توطين الفلسطينيين ويدعو الى تمويل بديل تحسباً للأسوأ!

في الوقت الذي يواجه لبنان معضلة النازحين السوريين ويجهد في العمل على إعادة الراغبين منهم الى المناطق السورية الآمنة، وفيما تلقى المبادرة الروسية لتنظيم عودة اللاجئين تأييداً لبنانياً متفاوتاً، برزت في الأفق ملامح أزمة جديدة تتعلق باللاجئين الفلسطينيين بعد القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> بوقف مساهمة بلاده في موازنة منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين <الأونروا> ما يعني عملياً وقوع هذه المنظمة في أزمة مالية حادة قد تضطرها الى تقليص الخدمات التي تقدمها للفلسطينيين في أماكن لجوئهم ولاسيما في لبنان حيث ما يزال نحو 400 ألف فلسطيني موزعين على مخيمات ومجمعات سكنية، علماً أن ثمة من يتحدث عن تراجع عدد هؤلاء الفلسطينيين، وثمة من يقول بتزايدهم.

وإذا كانت الدولة اللبنانية لا تملك إحصاءً دقيقاً بأعداد اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها، فإن منظمة <الأونروا> تتعامل مع المسجلين لديها، فيما المعلومات المتوافرة لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية تتحدث عن وجود أعداد غير مسجلين لديها، وأن ثمة عائلات تزايد عدد أفرادها نتيجة الولادات، وما يزيد من قلق المسؤولين اللبنانيين هو ان تراجع خدمات <الأونروا> كان بدأ قبل القرار الأميركي بفعل عوامل عدة منها نقص الدعم المالي، وقد تجلى ذلك في القطاع التعليمي الذي كان يغطي نحو ألف طالب، فتراجع العدد تدريجاً، وتم دمج مدارس عدة بمدرسة واحدة وألغيت مدارس أخرى و<حُشر> الطلاب ضمن مدرسة واحدة في الشمال، ناهيك عن تراجع الخدمات الطبية والصحية على نحو لافت، خصوصاً أن 95 بالمئة من اللاجئين ليس لديهم تأمين صحي ويعتمدون اعتماداً كلياً على خدمات الوكالة الدولية. والوضع على الصعيد الإغاثي ليس أفضل حالاً بعدما أوقفت <الأونروا> تطوير برامج الإغاثة ولم تعد توسعها على رغم أن هذه الخدمات لا تغطي سوى 15 بالمئة من حاجات اللاجئين. ولعل ما يزيد الأمور تعقيداً أن 99 بالمئة من الفلسطينيين في لبنان يعتمدون على تقديمات <الأونروا> وخدماتها، ما يعني ازدياد العبء على الدولة اللبنانية التي تعاني ايضاً من تداعيات النزوح السوري.

 

هاجس التوطين… حقيقة؟

إلا أن الوجه الآخر للقلق اللبناني يعود الى البعد السياسي الذي يحمله القرار الأميركي، لاسيما في ما خص مخاطر توطين الفلسطينيين التي بدأت تكبر بعد قرار الرئيس <ترامب> ما جعل الكلام عن <التوطين> الذي كان في السابق <فزاعة> يلجأ إليها السياسيون لأغراض مختلفة، يصبح أكثر جدية وليس مجرد وجهة نظر يمكن أن تحمل تأويلات. وفي تقدير مراجع رسمية لبنانية أن القرار الأميركي ترك لدى القيادات اللبنانية شعوراً مفاده أن إمكان توطين هؤلاء الفلسطينيين يقترب من الحقيقة والجدية أكثر من أي وقت مضى، ما يفرض التعامل معه على أسس جديدة، بدأت طلائعها من خلال القيام بحملة سياسية – ديبلوماسية جدية لمواجهة ما يمكن أن يترتب عن تقليص موارد <الأونروا> من تداعيات على الساحة اللبنانية، ولرفع الصوت اللبناني عالياً في المحافل الشقيقة والصديقة، لاسيما وأن لبنان لم يعد قادراً على تحمل المزيد، إضافة الى أن وجود <الأونروا> شكّل في معظم الأحيان <عامل اطمئنان> نسبياً للدول المضيفة للفلسطينيين ومنها لبنان، على أساس أن وجود <الأونروا> ضمانة للحيلولة دون توطينهم عنوة وضمانة لإعادتهم يوماً الى أرضهم واستعادتهم حقوقهم وفق تسوية منتظرة منذ 70 عاماً.

ويرى رسميون لبنانيون أن وضع لبنان أمام خطر استحقاق التوطين لا ينطلق من عدم، وكان أكثر من مسؤول حذر في السابق من مغبة وقوعه، لكن المزايدات السياسية كانت تطوي هذا الملف أو تجمد البحث فيه على الأقل. غير أن القرار الأميركي رفع منسوب الخطر لاسيما وأن ثمة من يعتقد بأن هذا القرار لم يأتِ من فراغ ولا نتيجة قرار اعتباطي، بل يشكّل فعلاً جزءاً لا يتجزأ من خطة الرئيس الأميركي لإقرار ما بات يُعرف بـ<صفقة القرن> التي تؤدي في جوهرها الى تصفية فعلية للقضية الفلسطينية، لاسيما بعد المعلومات التي كشفتها احدى الصحف الاميركية عن أن الموقف الفعلي لإدارة الرئيس <ترامب> هو ضرورة العمل والتحضير لـ<إنهاء تدريجي> لدور منظمة <الأونروا> كمعبر إلزامي لشطب <حق العودة للاجئين>!

 

أين حق العودة؟

 

وما يزيد مخاوف المسؤولين اللبنانيين حيال الخطوة الأميركية، المعلومات التي تسرّبت أميركياً عن <تقصير> في عمل <الأونروا> وعن <خلل> في أدائها، علماً أن الوكالة الدولية حققت الكثير من النجاحات في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، وهي تعتبر – بشهادة القيمين في نيويورك – من أهم المؤسسات الأممية في مجال الدعم والإغاثة والتشغيل. ولم تكتفِ إدارة <ترامب> بقرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقلها السفارة الأميركية اليها، بل سعت الى شطب <حق العودة> للفلسطينيين ما يلقي الضوء على البُعد الحقيقي لوقف المساهمة المالية الأميركية في موازنة <الأونروا>. ويرى مسؤولون لبنانيون أن عليهم ليس فقط التحذير من انعكاس القرار الأميركي على لبنان وتظهير مخاطر التوطين فحسب، بل يقتضي التحرك بإيجاد بدائل تمويل لـ<الأونروا> كي تستمر في تقديماتها بحيث لا يغرق لبنان في مزيد من الخسائر والعجز تضاف الى ما تكبده حتى نهاية العام 2017 لرعاية النازحين السوريين وقد فاق العشرة مليارات دولار أميركي، إضافة الى الخسائر غير المباشرة التي مني بها في قطاعات مختلفة. ولعل ما يجعل الحراك اللبناني لتأمين موارد بديلة لـ<الاونروا> حاجة ضرورية وملحة، كون لبنان لا يعطي الفلسطينيين حق العمل والاستفادة من تقديمات الدولة خوفاً من هاجس التوطين، فتتكفل <الأونروا> بتقديم كل أشكال الدعم والغوث ولا تتحمّل الدولة إلا أعباء محدودة نظراً لوضع لبنان، وعليه فإن ثمة مشكلة أعباء ستقع على لبنان إذا ما أُلغيت <الاونروا> أو اضطرت الى تقليص خدماتها.

وقد علمت <الأفكار> أن المسؤولين اللبنانيين تلقوا معلومات مفادها أن إدارة الرئيس <ترامب> تعمل على إحالة دور <الاونروا> ومهماتها الى وكالة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية التي تختلف مهامها عن مهام <الاونروا> في مسألة أساسية أن <الأونروا> مكلفة بقرارات دولية بدعم اللاجئين الفلسطينيين حتى عودتهم، في حين أن الوكالة الثانية غير مكلفة بذلك بل تتولى عادة معالجة الظروف الإنسانية لأشخاص في أماكن وجودهم لاسيما لجهة تحسين ظروف عيشهم وتوفير العمل لهم، ما يعني عملياً بقاء هؤلاء الأشخاص حيث هم أو تسهيل انتقالهم الى دول أخرى غير دولهم الأصلية. وفي المعلومات أيضاً أن لبنان بدأ يتحرك لمواجهة هذا الواقع وستكون لطروحات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الأمم المتحدة في 26 أيلول/ سبتمبر الجاري، مقاربة دقيقة للوضع المستجد بالنسبة الى اللاجئين الفلسطينيين عموماً، وفي لبنان خصوصاً. إلا أن ثمة من يرى أن ردود الفعل العربية على القرار الأميركي لم تكن على مستوى ما يأمله لبنان وقد برز ذلك جلياً من خلال المناقشات التي دارت بين وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الذي دعا السفراء المعنيين بتمويل <الاونروا> الى إدراك خطورة القرار الاميركي والعمل على تسهيل البدائل التمويلية لـ<الاونروا> في حال أصرّ الرئيس <ترامب> على موقفه، لاسيما وأن باسيل حذر من أن إسقاط حق العودة سيرفع من نسبة الهجرة، ما سيترك ارتدادات سلبية على أزمة اللجوء الى أوروبا. وفيما لاحظ المشاركون في اجتماع وزير الخارجية اهتماماً اوروبياً بما ألمح إليه الوزير باسيل، لم تكن ردود الفعل متوازية لدى سفراء عدد من الدول العربية، لاسيما دول الخليج العربي، ما يعني أن امام الديبلوماسية اللبنانية الكثير من العمل لوضع اقتراحها بالتمويل البديل موضع التنفيذ في أقصى سرعة ممكنة تحسباً لأي تطورات دراماتيكية يكون فيها لبنان هو الخاسر الأكبر، إضافة طبعاً الى خسارة الفلسطينيين الكثير من حقوقهم ولاسيما حق العودة!