11 August,2020

لبنان لن يسلم كارلوس غصن الى اليابان ويمكن محاكمته وفق القوانين اللبنانية بعد تسلم الملف!

 

لن يكون من السهل، في الوقت الحاضر على الأقل، كشف لغز فرار رجل الأعمال اللبناني كارلوس غصن من اليابان وانتقاله الى تركيا ثم مطار رفيق الحريري الدولي ومنه الى منزل أهل زوجته في الأشرفية، هرباً من <جور القضاء الياباني وقساوته>، إلا ان الأكيد بأن هذا الحدث الذي انتهت سنة 2019 به، سيجعل من سنة 2020، مليئة بالأحداث المرتبطة به سواء على الصعيد القضائي أم على الصعيد الديبلوماسي، ذلك ان هروب عملاق عالم السيارات ومحقق معجزة نهوض شركات <نيسان> و<رينو> و<ميتسوبيشي> بعد انتكاسة أصابتهما، لن يكون حدثاً عابراً بل سيبقى حاضراً الى أن تنجلي كل الحقائق المتعلقة به.

وإذا كان تعدد الروايات حول هروب غصن من منزله في اليابان الى بيروت جعل ملابسات الحادث مثل أفلام <جيمس بوند> والمخرج <ألفرد هيتشكوك>، فإن الأكيد ان عملية الهروب لها ما يبررها في نظر غصن الذي عانى خلال سجنه في اليابان 130 يوماً قبل أن يخرج بموجب اخلاء سبيل مشروط بمنعه من استخدام الانترنت أو الاتصال بزوجته وابنه. ويبدو ان غصن استشعر بطئاً في محاكمته التي ستستمر سنوات، فقرر الهرب ونجح في الوصول الى لبنان على متن طائرة خاصة ليستقر في منزل لم يخرج منه لأنه حوصر هذه المرة برجال الإعلام الذين أتوا من مختلف دول العالم ولاسيما من اليابان الدولة المعنية مباشرة.

وإذا كانت اليابان واجهت هروب غصن بـ<صدمة> لاسيما في الشق الأمني الذي انكشف عجزه عن منع غصن من السفر، فإن تركيا المحطة الأولى لرجل الأعمال منذ خروجه من مطار <أوساكا> في اليابان، فتحت تحقيقاً لكشف المتورطين في حادثة تهريب غصن وأوقفت سبعة مشتبه بهم بينهم ثلاثة طيارين استخدموا مطار <أتاتورك> المخصص للرحلات الخاصة لتأمين وصول غصن الى تركيا ومغادرتها بطائرة ثانية خاصة الى بيروت. أما في لبنان فيفترض أن تتحرك النيابة العامة التمييزية للتحقيق مع غصن بعدما وصلتها من الانتربول الدولي النشرة الحمراء الى قوى الأمن الداخلي فيما المسار الاداري يحتم مرسالة طوكيو لمكتب الانتربول الدولي الذي يفترض أن يبلغ لبنان لتسليم غصن، علماً ان لبنان لن يسلمه لا الى الانتربول ولا الى طوكيو لأن غصن مواطن لبناني يحمل الجنسية اللبنانية ويمكن للقضاء اللبناني التحقيق معه لتبين حقيقة تورطه في الاتهامات التي سيقت ضده.

وفيما لم تتوافر رواية دقيقة حول طريقة هرب غصن من اليابان نتيجة الكتمان من جهة، وجمع معلومات ناقصة من جهة أخرى، الثابت الوحيد هو ان دخول غصن الى لبنان تم عبر مطار رفيق الحريري الدولي وبواسطة جواز سفر فرنسي وتذكرة هوية لبنانية، علماً ان الجواز الفرنسي بقي معه في حين صادرت السلطات اليابانية منذ توقيف غصن، جوازات السفر اللبنانية والبرازيلية والفرنسية التي يحملها، إلا ان غصن كان يحتفظ بنسخة ثانية من جواز سفره الفرنسي..

 

معاناته مع القضاء الياباني!

ويقول متابعون لقضية غصن، انه تحمل الكثير من القضاء الياباني الذي أوقفه 4 مرات، كانت الأولى في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، حيث مكث 130 يوماً في سجن افرادي ولم يكن يزوره سوى السفراء ووكيله الياباني، ثم أعيد توقيفه احترازياً 10 أيام كانت تمدد في كل مرة وتضاف إليها ثلاثة أيام أخرى، وتكرر ذلك 4 مرات. أما التهم الموجهة لغصن فهي الامتناع عن التصريح عن تعويضات نهاية الخدمة بين عامي 2011 و2015 في الادعاء الأولى، وبين 2016 و2018 في الادعاء الثاني. ويضيف المقربون ان السلطات القضائية اليابانية لجأت الى مسار طويل وتباطؤ في الاجراءات القانونية ما دفع بغصن الى اتخاذ قراره بالهرب، علماً ان وكلاءه لم يحصلوا على ملف الاتهام كاملاً على رغم تحديد مواعيد جلسات المحاكمات في أيار (مايو) 2020 في الاتهامين الأولين، لكن الجلسة الثانية للاتهامات الأخرى والتي كان يفترض أن تكون في أيلول (سبتمبر) المقبل، فقد حددت في العام 2021، وهذا الأمر كان الدافع الأساسي للهرب لأن غصن شعر ان السلطات القضائية اليابانية تتعمد ابقاءه تحت المراقبة ومنعه من السفر وحتى لقاء أفراد أسرته ومنهم زوجته التي لم يسمح له برؤيتها إلا في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ثم سُمح له بمحادثتها مجدداً عبر <الفيديو كول> لمدة نصف ساعة قبل يوم واحد من عيد الميلاد وفي حضور محام.

وإذا كان الشق القضائي من ملف هروب غصن واضح المسار وفق الأصول والقوانين، فإن الشق الديبلوماسي غير واضح حتى الآن، علماً ان السفير الياباني في بيروت <تاكيشي أوكوبو> كثف لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين مستوضحاً ظروف هرب غصن من اليابان وسط حديث عن <تسهيلات> قدمت لرجل الأعمال ليعود الى وطنه الأم من دون أي مضايقات إذ يكفيه ما عانى منها خلال وجوده في اليابان. وقد اتضح للسفير الياباني ان لا علاقة للبنان بمسألة خروج غصن من اليابان، إضافة الى عدم وجود اتفاقات تعاون قضائي أو استرداد بين لبنان واليابان علماً بأن البلدين وقعا اتفاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الذي يلتزم لبنان مضمونه على ما أبدى في مراسلاته كافة الى اليابان بهذا الخصوص من دون أن يتلقى أي جواب ولا تزال طوكيو تدرس في ضوء ما تبلغه السفير في لبنان، الخطوة التالية وما يمكن أن تطلبه من لبنان سواء لجهة تسليمها غصن ــ وهذا أمر لن يحصل ــ أو لجهة طلب محاكمته في بيروت ما يستوجب ارسال الملف الكامل للتهم الموجهة إليه. واستبعدت مصادر مطلعة ان تلجأ اليابان الى قطع علاقاتها الديبلوماسية مع لبنان إلا إذا وصلت الأمور الى طريق مسدود.

إلا ان السؤال الذي بقي من دون جواب، لماذا اختار كارلوس غصن الانتقال الى لبنان بدلاً من فرنسا وهو الذي يحمل الجنسية الفرنسية؟!