17 November,2018

لبنان بين خطرين: ريح النظام السوري وريح النازحين السوريين!

1 عروبة لبنان التي كرّسها الميثاق الوطني عام 1943، وعززها اتفاق الطائف عام 1989، جعلت قدره جزءاً من قدر المنطقة، وهذا كان عصب التظاهرات التي اشتعلت بالحماسة تأييداً للمجاهدة الجزائرية جميلة بوحيرد عام 1957، وللرئيس جمال عبد الناصر على مدى الستينات، وللقضية الفلسطينية منذ نكبة 1948، وجعلت لبنان رافداً من روافد العمل القومي العربي. وبهذا الثوب لا يزال لبنان يزدهي، ولا يستطيع أن ينفصل عما يجري في المنطقة بدءاً من سوريا والعراق ومصر أم الريادة العربية.

وسياسة النأي بالنفس التي ابتكرها الرئيس نجيب ميقاتي لا تعني انفصال لبنان الروحي عن أحداث المنطقة، بل تعني بقاءه خارج الصراعات والتجاذبات في سوريا والعراق .والفصائل الفلسطينية عادت، بحمد الله، وتوحدت في وفد فلسطيني واحد برئاسة عزام أحمد، يفاوض في القاهرة الحكومة الإسرائيلية بصورة غير مباشرة عبر الوسيط المصري الممثل في رئيس المخابرات المصرية محمد التهامي . وفي الاتحاد قوة، وهذا ما عطّل خطة الآلة الإسرائيلية الحاكمة في تشتيت القيادات الفلسطينية.

لبنان كان وما زال الصيحة العربية، بانتظار أن يشهد الصحوة العربية.  فهل هناك ظروف أسوأ من التي نعيشها وتقتضي الصحوة العربية بلا تأخير؟ فإن خطر <داعش> زاحف الى الحدود العراقية – السورية برغم من القصف الأميركي على القوات <الداعشية>. فبدون نزول قوات أميركية برية الى أرض العراق لن تكسب الولايات المتحدة الجولة ضد <داعش>. وبدون أن يشمل القصف الجو الأميركي قوات <داعش> في سوريا ولا سيما المناطق المجاورة للحدود التركية، فلن يصدق أحداً أن واشنطن تريد الإجهاز على أبي بكر البغدادي وجيشه <الداعشي>، بل كل ما تريده إفهام <داعش> بأن اربيل خط أحمر!

لقد شرب لبنان كأس المرارة من قوات <داعش> في عرسال واستطاع الجيش اللبناني المدعوم سياسياً من كل الشرائح اللبنانية دون تفريق أن يحبط خطة <داعش> هناك ويخرج منها مقاتلي هذا التنظيم، وإن بقيت له أمانة المخطوفين من العسكريين. وإذا كانت عرسال قد سلمت من الغزو <الداعشي> وتلملم الآن جراحها ونكبة الأضرار اللاحقة بالممتلكات والبنى التحتية، وخصص لها الرئيس سعد الحريري مبلغ 15 مليون دولار، فلا يعني أن <داعش> قد ألقت سلاحها. أمس حققت غزوة في عرسال، وغداً من يدري أين يكون الغزو، وهل تكون منطقة عكار هي الهدف؟

لبنان بين خطرين

أسئلة تقتضي التحسب لها في الآتي من الأيام وتوحيد الصفوف بدءاً من الصف الإسلامي. وحسناً فعل مفتي الجمهورية الجديد الشيخ عبد اللطيف دريان حين قام بعد انتخابه بزيارة المفتي السابق الشيخ محمد رشيد قباني في منزله، واصطحابه الى الغداء الذي أقامه الرئيس سعد الحريري في <بيت الوسط>. كما أحسن الرئيس الحريري صنعاً باستقبال المفتي السابق وتخصيصه ببعض عبارات الود.

فزعيم تيار <المستقبل> الذي عاد الى بيروت للملمة صفوف اللبنانيين، أراد أن يطبق الحكمة المأثورة <إبدأ بنفسك ثم بأخيك>، أي أن يبدأ بلم شمل البيت الإسلامي قبل أن يتوجه الى بيت أخيه المسيحي، وإنشاء خط مواجهة واحد مع شركاء الوطن والأمة ضد قلة من المتطرفين والمفسدين في الأرض، كما قال في غداء <بيت الوسط> ظهر الأحد الماضي. وتوجه الى ضيف الغداء المفتي دريان قائلاً: <الآمال معقودة عليكم يا صاحب السماحة في حماية الوحدة الإسلامية والتأكيد على خطاب الاعتدال وفي المحافظة على مكانة دار الفتوى ودورها التاريخي كركن أساسي من أركان الوحدة الوطنية اللبنانية والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين>.

3

والخطر الأول يأتي من سوريا التي أعاد فيها الرئيس بشار الأسد رئيس الحكومة السابق وائل الحلقي رئيساً للوزارة من جديد، خصوصاً بعد تراجع المعارضة المسلحة الممثلة في الائتلاف السوري المعارض، أمام جحافل <داعش> . وما دامت قوات <داعش> تتنفس بأعلى درجات الراحة في سوريا، فإن على لبنان أن يحذر شرّها. لقد خسرت الجولة في عرسال ولكن من يدري أين ستكون الجولات الأخرى.

وعروبة لبنان قضت باستضافة أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، كما قضت من قبل استضافة المخيمات الفلسطينية في بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع. إنها الرسالة التي شاءها القدر للبنان، وبعد تعاون مخيم النازحين السوريين في عرسال مع قوات <داعش>  لا بدّ أن تأخذ السلطات اللبنانية الحيطة والحذر بالنسبة لجموع النازحين السوريين، برغم من فيهم من أبرياء. ومن الحذر والحيطة إيجاد صيغة لمراقبة الحدود مع سوريا، وإذا كان القرار الدولي  رقم1700 قد ضبط الحدود اللبنانية مع العدو الإسرائيلي، فلا بد للقرار 1701 أن يضبط الحدود مع سوريا مع مراعاة الفارق بين سوريا وإسرائيل، لأن سوريا ليست دولة عدوة بل فيها نظام يشكل خطراً على لبنان.

وضبط الحدود مع سوريا يتطلب الاستعانة بقوات <اليونيفيل>، لكن قيادة هذه  القوات أفهمت السلطات اللبنانية أنها ملزمة بالقرار 1700، وهنا يبدأ دورها وينتهي، وليست ملزمة بالتصدي للإرهابيين المتسللين من الحدود السورية – اللبنانية وينبغي مراعاة هذا الأمر، أو استصدار قرار دولي آخر خاص بالحدود اللبنانية – السورية.

لبنان والتهجير المسيحي

وحتى يستطيع لبنان  ان يتصدى لمثل هذه المهمة، فلا بد أن تكون بيئته السياسية والوطنية قوية، فلا يبقى بالشغور الرئاسي جسداً بلا رأس، ولا يظل مجلس النواب عاجزاً عن انتخاب رئيس جديد، ويواجه أمرين أحلاهما مر. فإما أن يصل رئيس مجلس النواب نبيه بري الى فرض انتخابات نيابية جديدة من الآن وحتى أعتاب تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وإما أن ينضم الى فريق المطالبين بالتمديد لولاية مجلس النواب. ولا يهم هنا المدة المقترحة لهذا التمديد، بل المهم هو المبدأ. والحالة الأولى أي إجراء انتخابات نيابية، أمر شبه مستحيل، وكان وزير الداخلية نهاد المشنوق صريحاً وشفافاً ومخلصاً في التعبير عن الحقيقة حين قال بعد لقائه الرئيس نبيه بري إن الظروف الامنية لا تسمح بإجراء هذه الانتخابات.ومن هموم لبنان الآن ملف التهجير المسيحي من العراق. فاليوم العراق، وغداً من يدري إذا كانت سوريا. وفي الحالتين يكون لبنان هو البلد الذي يستوعب هذا التهجير لأنه بلد العيش المشترك بين الأديان، والوجه الحضاري في المنطقة لما يمثله من تنوع وتعددية. كما يتعين على حكومة الرئيس تمام سلام أن تأخذ في الاعتبار خطر تنظيم <داعش> وتعد العدة عسكرياً وسياسياً ودولياً لمواجهته، كذلك يجب أن تحسب حساباً للتهجير المسيحي الآتي من العراق وسوريا، وتجيش ديبلوماسيها من أجل الحصول على دعم المجتمع الدولي وفي مقدمته الفاتيكان، خصوصاً وأن في سدته البابوية الآن زعيماً عالمياً روحياً هو البابا <فرانسيس> الذي نذر نفسه للدفاع عن قضايا الحق والمعذبين في الأرض، وهل هناك معذبون في الأرض الآن أكثر من مسيحيي الموصل الذين سلطت عليهم <داعش> رصاصها وفؤوسها؟!

الكلمة للعماد عون

2

 

وفي هذا الباب يفترض أن تؤدي الانتخابات النيابية إذا حصلت الى استقالة حكومة الرئيس تمام سلام، ومجيء حكومة أخرى. ولكن في غياب رئيس الجمهورية الذي لم يأتِ بعد من ذا الذي يجري الاستشارات النيابية؟

وفي الحالة الثانية، أي تمديد ولاية مجلس النواب، سيطل لبنان على المنطقة والعالم بوجهٍ شاحب وبنية سياسية هزيلة، وتشكيك في نظامه الديموقراطي الذي لا يستطيع انتخاب برلمان.

والرهان الآن منصب على شخصية الرئيس سعد الحريري العائد الى الوطن بعد غيبة زادت عن ثلاث سنوات، والتعاطي المباشر مع الأحداث ليس كالمراسلة، وحضوره السياسي والوطني سيتيح له لمّ شتات المكونات اللبنانية، وانتهاز الفرص المتاحة للوصول الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وعدم البقاء على هذا الخلل الوطني.

وقد أصاب الرئيس الحريري حين قال إنه ما زال على تواصل مع التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون، وإن هذا الحبل لم ينقطع، فلا يمكن إخراج العماد عون من المعادلة الوطنية، وهو رئيس أكبر تكتل برلماني مسيحي.

فهل تنفتح الأبواب أمام مساعي الرئيس الحريري؟ وهل يصل العماد عون لقناعة بأن حظه في الوصول الى القصر الجمهوري معطل الى الآن ولا بد أن يجعل بوصلته السياسية في اتجاه أكثر واقعية، أي أن يقبل بالمرشح التوافقي أو مرشح الاعتدال الذي جاء سعد الحريري يبشر به من السعودية؟

الحريري قال كلمته، وعلى العماد عون أن يلتقيه في منتصف الطريق، وإذ ذاك يكون منقذ وطن لا مرشحاً رئاسياً وكفى.