19 April,2019

لبنان بلد اللجوء والنزوح والفرص الضائعة...

 

بقلم خالد عوض

الوضع اللبناني صورة سوريالية مزعجة لشلل وعقم سياسي يقابله عجز شعبي عصي على الفهم. مليارات من الدولارات خسرها البلد خلال أقل من سنة، وشهور من الفراغ الحكومي لم تكفِ لقرع جرس الإنذار وحث المؤتمنين على البلد لكي يقفوا ولو مرة واحدة وقفة صادقة لإنقاذ ما تبقى من مقدرات وطنية. هناك من يعول على حل عبر المتاجرة بالنازحين إما إقتصاديا لتخويف المجتمع الدولي وشحذ المساعدات أو سياسيا للتطبيع مع النظام السوري. الأرقام الصادرة عن منظمات تابعة للأمم المتحدة وترصد نسبة الولادات تشير إلى أن نسبة السوريين والفلسطينيين يمكن أن تتجاوز ٧٠ بالمئة من اللبنانيين قبل ٢٠٣٠ إذا لم تحل مشكلة النزوح واللجوء.

 مسرحية التسول في المؤتمرات لم تعد تنطلي حتى على المانحين بل أصبح يصح إعتبار بعض هؤلاء اليوم جزءا لا يتجزأ من منظومة الفساد اللبنانية، فالكل يعرف أن <القطاع> السياسي اللبناني يتغذى من مصدرين: الصفقات الداخلية والمساعدات الخارجية. ورغم ذلك لا زالت بعض الدول تصدق الكذبة اللبنانية الرسمية وتعد بالقروض والمنح. كل الأرقام الإقتصادية والمالية تشير إلى كارثة لم يعد يمكن تفاديها بل ربما أصبح من الصعب حتى تأجيلها.

 

٦ مليارات دولار طارت من مصرف لبنان!

في حزيران (يونيو) ٢٠١٦ قام البنك المركزي اللبناني وفي خضم الفراغ الرئاسي بهندسة مالية سمحت له برفع موجوداته من العملات الأجنبية من حوالى ٣٤ مليار دولار إلى أكثر من ٤٠ مليار دولار. قضت الهندسة بإستبدال سندات دين بالليرة اللبنانية بأخرى بالدولار الأميركي وبيعها للبنوك اللبنانية مع تسديد فوائدها مقدما لتحفيزها على جذب الرساميل من الخارج. حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة برر الهندسة المالية يومئذٍ بأنها ضرورة وطنية. كان عجز ميزان المدفوعات قد تجاوز المليار وسبعمئة مليون دولار خلال الشهور الأولى من ٢٠١٦ وبدأ الضغط على الليرة يتصاعد في ظل عدم إنتخاب رئيس للجمهورية، كما كانت البنوك اللبنانية متجهة إلى تراجع كبير في ارباحها مما كان سيؤدي إلى رفع الفوائد بشكل كبير ودخول القطاع المصرفي في حلقة مفرغة لا أفق إيجابية لها. يومذاك كانت تحويلات المغتربين اللبنانيين – التي هي في الواقع نفط لبنان الحقيقي – قد بدأت بالتراجع بسبب إنخفاض أسعار البترول وقوة الدولار مقابل معظم العملات الأخرى. قامت الدنيا يومئذٍ على الحاكم ولم تقعد وتبين مع الوقت أنه لولا الهندسة لكان الدولار تجاوز الألفي ليرة لبنانية على الأقل. بعد إنتخاب الرئيس ميشال عون في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٦ تمكن البنك المركزي من رفع موجوداته من العملات الأجنبية إلى ما يناهز ٤٥ مليار دولار. منذ أيام صدرت الميزانية النصف شهرية لمصرف لبنان ووصل مستوى الموجودات من العملات الأجنبية إلى حوالى ٣٨ مليار دولار. طارت ستة مليارات دولار من إحتياطي مصرف لبنان خلال أقل من سنة للحفاظ على إستقرار سعر صرف الليرة. هذا بالإضافة إلى خسائر أخرى بالمليارات تكبدها الإقتصاد اللبناني عام ٢٠١٨ بسبب الفراغ، الحكومي هذه المرة، وبسبب عقم الطقم السياسي اللبناني وكل من إنتخبه مجددا في ايار (مايو) ٢٠١٨.

 

من سنغافورة… مع تحيات الحرب الحقيقية على الفساد!

 

ما يحصل في مسألة الحرب على الفساد في لبنان زوبعة في فنجان. حتى حزب الله الذي عادة ما يكون صادقا في التزاماته، يبدو تائها في حرب يعرف سلفا أنه لو أكمل بها فانها ستطال من هم كانوا بجانبه خلال كل الفترة الماضية. ولكن المشكلة ليست في النوايا بل في المنهجية. لبنان ليس الدنمارك أو السويد في ما يخص الوعي الأهلي والثقافة المدنية. وفي غياب هذه الصفات المجتمعية الأساسية كما هو الحال في معظم الدول العربية وخاصة في لبنان، الحرب على الفساد تبدأ بتشكيل هيئة رقابية مستقلة لضبط الفساد تكون مطلقة الصلاحيات تراقب وتتعاطى مع كل أجهزة الدولة بحزم. والمثال الحي لنجاح محاربة الفساد هو سنغافورة التي انشأت عام ١٩٥٢ هيئة خاصة لمتابعة كل العقود والعمليات الحكومية ومتابعة تعاملات القطاع الخاص مع الدوائر الحكومية. سنغافورة اليوم هي من انجح الدول في العالم في منع الفساد إلى جانب سويسرا والدول الإسكندنافية. أما العنتريات الإعلامية وحتى بعض الخطوات الإصلاحية الأشبه بالفلكلور لزوم حفظ ماء الوجه أمام المجتمع الدولي الذي يتحفز للمساعدة، فهي ليست مستدامة في الحرب الحقيقية على الفساد ولا بد أن تنتهي بتسويات سياسية كما نشهد اليوم.

 

الدرس الجزائري!

فرنسا منهمكة اليوم في مسألة السترات الصفراء وكيفية مواجهة العنف الذي تظهر بابشع مظاهره في باريس يوم السبت الماضي في الأسبوع الثامن العشر لهذا التحرك الشعبي ذي المطالب غير الواضحة. ولكن جوهر الحوارات الفرنسية هذه الأيام هو مشهد التظاهرات السلمية في الجزائر التي استطاعت أن تزيح الرئيس عبد العزيز بو تفليقة عن الحكم من دون أي مشهد عنف. كيف ينجح الجزائريون في ثورة سلمية ويفشل الفرنسيون؟ العبرة من الجزائر هي في القوة الهائلة لما يمكن أن يقوم به الشعب عندما يعرف ماذا يريد. لم يطلب الجزائريون إسقاط النظام ولا سجن بو تفليقة أو أي أحد من الطقم السياسي الذي يحكم البلاد على طريقة حركة <الربيع العربي>… كل ما أرادوه كان إنتخابات ديمقراطية لإختيار رئيس جديد غير بو تفليقة أو أخيه سعيد من دون أية مماطلة. هذا ما أراد الشعب وهذا ما حصل. لا يمكن إسقاط النظام الطائفي اللبناني في الشارع ولا يمكن سجن الزعماء. ربما يمكن إسقاط الحكومة والمجيء بحكومة تكنوقراط غير سياسية وبوزراء غير متزلمين. تكبير حجر المطالبات يعني منع التغيير.

في بلد فيه مليونا نازح ولاجئ، وتجاوز الدين العام فيه مرة ونصف المرة كل ناتجه المحلي السنوي، وترزح موازنته تحت عجز يناهز ١١ بالمئة من هذا الناتج وهذا رقم كارثي بكل المقاييس المالية الدولية… في بلد يشهد نسبا متطايرة للبطالة والهجرة، ويتصدر تلوث الجو ومستوى الفساد فيه اللوائح العالمية… من غير المفهوم أن تكون الإرادة الشعبية في هذا المستوى من التخدير الطائفي.