16 November,2018

لبــنان لن يُقحــم نفســه فـي ”محــاور متحركـــة“ وعــون أكد ان سياستــه الخارجيـــة ستبــقى مستقلــة

  

aoun-hariri-1----a
لا يختلف اثنان على ان لبنان وُضع تحت المجهر من جديد في المحافل الاقليمية والدولية التي تفتش عن المكان الذي سيختاره العهد الرئاسي الجديد كي يتموضع فيه، في ظل التجاذبات الدولية الحادة بين محورين، يوصف الأول بـ<محور الممانعة>، وتطلق على الثاني صفة <المواجهة> مع هذا المحور. ولعل ما يزيد من السعي لمعرفة في أي محور سيكون لبنان، هو التطورات العسكرية التي تسارعت في الأسبوعين الماضيين في سوريا والتي حقق فيها الجيش السوري الموالي للنظام نتائج بدّلت من الواقع الميداني على نحو جذري خصوصاً في مدينة حلب وتفرعاتها والتي تشهد يومياً تبدلات ميدانية تؤشر الى واقع عسكري جديد ستكون له تداعياته السياسية داخل سوريا وفي الجوار.

ويتوقف المراقبون عند <ظاهرة> تدفق مسؤولين عرباً وأجانب الى لبنان بعيد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، بعضهم جاء في مهمة <استطلاعية>، والبعض الآخر أتى ليعرف من خلال أسئلة دقيقة طُرحت على المسؤولين وفي مقدمهم الرئيس عون، الى أين يتجه لبنان في ظل قيادته الرئاسية الجديدة؟ وقد دفعت كثرة تساؤلات هؤلاء الموفدين الى حد الحديث عن محاولات لـ<اجتذاب> الرئيس عون نحو محاور معينة لم تكن يوماً على علاقة ود معه. ويلاحظ المراقبون ان المشهد اختلف بعد الانتخابات الرئاسية وباتت أسئلة الموفدين تتمحور حول مواقف رئيس الجمهورية وخيارته. وفي اعتقاد المراقبين الديبلوماسيين ان مجيء الموفدين يتجاوز مسألة الاهتمام <التقليدي> بلبنان الى ما هو أبعد وأدق، لاسيما وان الواقع العربي بات مفروزاً بين مؤيد للسياسات المناهضة لـ<محور الممانعة> الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية وعـــــدد مـــن دول الخليـــــج، وبـــين محور يضم دولاً تريد أن تستمر علاقتها طبيعية مع إيران لاعتبارات مختلفة.

 

فرادة لبنان

 

وفي هذا السياق، يقول ديبلوماسيون ان فرادة الوضع اللبناني تجعل من المسؤولين فيه، ولاسيما رئيسه، قادراً أن يجمع في قصره وفي يوم واحد وزيراً سورياً موفداً من قبل الرئيس بشار الأسد ووزيــــــراً إيرانيــــــاً يـــــأتي محمـــلاً بالآمال والوعود، وكذلك مراجع ديبلوماسية أخرى مثل سفيرة الولايات المتحدة الأميركية <اليزابت ريتشارد>، أو وفوداً عربية مثل الوفد الملكي السعودي، ثم وزير الخارجية القطري وصولاً الى الموفدين الدوليين مثل وزير الخارجية الألماني <فرانك فالتر شتانماير> ونظيره الكندي <ستياف ديون>، وأخيراً وليس آخراً، نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط. هذا المزيج من الحضور العربي والاقليمي والدولي، هو الذي حرّك أكثر من فريق في محاولة لاستمالة العهد الجديد ووضع لبنان مجدداً عند تجربة قاسية لا يريد أن يخوض غمارها خصوصاً في هذه الفترة الحساسة التي تتغير فيها أنظمة ويتبدل قادة ويغيب آخرون!

من الثابت حتى الآن، وفقاً لمراجع متابعة، ان لبنان لا يزال عند خياراته وان كل اهتمام عربي أو اقليمي أو دولي سيلقى الصدى الايجابي لدى المسؤولين كافة ولاسيما منهم رئيس الجمهورية، وهو ما سينعكس أيضاً من خلال مداولات الحكومة الجديدة عندما تتشكل والتي ستبقى في الكثير من سياساتها الاقليمية وفق التوجه الذي كان سائداً خلال الأعوام الماضية، وان كان البعض يتحدث عن ضرورة إزالة كل العوائق التي برزت في السابق والتطلع الى الآتي من الأيام بتفاؤل وثقة.

وإذا كان موضوع سلاح حزب الله سيشكل مادة لتعطيل تشكيل الحكومة العتيدة، فإن هذا الملف ــ كما تقول مصادر متابعة ــ خرج من دائرة القرار اللبناني وباتت له الأبعاد الاقليمية التي تجعل القرار فيه غير مقتصر على إرادة اللبنانيين فحسب، بل يتعداها الى <إرادات> أخرى قد تكون أفعل وأضمن في سياق الممارسة اليومية الراهنة. ومن شأن ابعاد <كأس> سلاح حزب الله عن نطاق البحث يصبح من الممكن القول بأن كمية كبيرة من الألغام قد تم تعطيلها، وبالتالي فإن الدخول في محور من هنا أو محور من هناك، عملية غير مضمونة النتائج، علماً انه لا يمكن الاعتداد بدعوة تصل من هذه الدولة أو تلك، لأن في بعض ما يرد من دعوات للقيام بزيارات رسمية يمكن ادراجه في خانة الدعوات التقليدية والمجاملة ولا تحمل بالتالي أي أبعاد سياسية أخرى. غير ان ذلك لا يلغي وجود دعوات تحمل في طياتها رغبات في التعرف شخصياً على رئيس الجمهورية، وصولاً الى التطرق في الحديث عن توجهاته في المرحلة المقبلة. وقد تسنى للذين اطلعوا على مواقف الرئيس عون، التأكيد بأن لبنان لن يذهب بسهولة الى خيارات لا يجمع عليها اللبنانيون لأن المرحلة الراهنة تفرض تصليب الوحدة الداخلية لمواجهة ما يجري من متغيرات يكثر الحديث عن امكانية حصولها في عدد من دول المنطقة المجاورة للبنان ما يفرض على اللبنانيين الوقوف صفاً واحداً لئلا تفرض عليهم ما حسن-نصراللهليس في مقدورهم القبول به.

 

العلاقة مع المقاومة

في هذا السياق أدرجت مراجع متابعة الحملات المبرمجة التي حاولت الايحاء بوجود خلافات بين الرئيس عون وقيادة المقاومة على ما سُمي <خيارات الرئيس المتحركة> لاسيما بعد الدعوات التي تلقاها لزيارة السعودية وقطر والتي وضعها البعض في إطار دفع رئيس الجمهورية الى الابتعاد تدريجياً عن خيارات المقاومة لاسيما منها الخيارات الخارجية و<الانفتاح> أكثر على الدول التي تناهض إيران وحزب الله على حد سواء. إلا ان المواقف التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اطلالته التلفزيونية يوم الجمعة الماضي، وضعت حداً للتأويلات عن خلافات مزعومة لاسيما حين كرر السيد نصر الله الثقة بالرئيس عون وبمواقفه وخياراته، مع التسليم بحقه في أن تكون له اتصالاته وزياراته ولقاءاته لأن لا خوف في أن تتغير سياسته وخياراته لأن الثقة به كبيرة. من هنا فإن الحديث عن امكانية جذب لبنان من مكان الى آخر لا يحظى بدعم أو اهتمام لاعتبارات عدة عبّر عنها الرئيس عون بلغة واحدة مع المسؤولين العرب والأجانب الذين زاروه لاسيما قوله بوضوح انه يسعى الى أن تكون علاقات لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة علاقات متينة لأن في ذلك مصلحة للبنانيين ولأبناء الدول المعنية، وان الزمن الذي كان فيه لبنان مع دولة ضد أخرى، أو مع حلف ضد آخر، لم يعد قائماً مع الرئيس عون الذي ذهب الى أبعد من التأكيد على ثوابت لبنان حين أبدى أمام زواره رغبة صادقة في أن يعود لبنان ليلعب دوراً ايجابياً مع كل الدول لتحقيق التقارب في ما بينها، خصوصاً الدول العربية، لأن لبنان الذي تضرر من غياب التضامن العربي والتقاتل بين الأخوة، حريص على أن يساهم، وهو البلد الصغير الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، في إزالة أسباب الخلاف والتباعد بين الدول العربية، وهو ما سيؤكد عليه الرئيس عون خلال زياراته المرتقبة الى عدد من الدول العربية ودول الخليج على الخصوص.

في أي حال، فإن مراجع رسمية لبنانية تعتبر ان امكانية <اجتذاب> رئيس الجمهورية الى هذا المحور أو ذاك تبقى مجرد تحليلات واجتهادات من سياسيين حيناً ومن اعلاميين أحياناً، أما الواقع فتختصره ردة فعل دائماً لدى رئيس الجمهورية خلاصتها ان محور السياسة الخارجية في عهده ستكون مصلحة لبنان واستقلالية قراره وحياد خياراته عن سياسات المحاور لأن التاريخ القريب والبعيد أنتج ضرراً كبيراً على لبنان عندما كان ينحاز لمصلحة محور على حساب آخر.

باختصار لن يدخل لبنان في عهد الرئيس عون في <دهاليز> المحاور التي يعرف أين تودي به وباللبنانيين، مقيمين ومنتشرين، خصوصاً إذا ما استمرت المواجهات الدولية على الساحة العربية مستعرة كما هي حالها الآن.