26 September,2018

لبــنان سحــب ترشيــح ابراهيــم لسفــارة الفـاتيـكـــان وعـــون يـخـتـــار سفـيــــراً مـارونـيــــاً محـتـرمــــاً وقـــادراً!

 

aaaفي الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة سعد الحريري يزور الفاتيكان ويلتقي البابا <فرنسيس> وأمين سر الدولة البابوية الكاردينال <بيترو بارولين> ووزير خارجيته المونسنيور <بول كالاغار> وينقل عنهم اهتمام الكرسي الرسولي بلبنان وبدوره المميز في محيطه والعالم وبأهمية الاستقرار فيه، كان السفير البابوي في بيروت المونسنيور <غابريال كاتشا> يجمع أغراضه استعداداً للسفر الى الفيليبين لتسلّم السفارة البابوية في العاصمة مانيلا بعدما أمضى في لبنان ثماني سنوات قاصداً رسولياً وعميداً للسلك الديبلوماسي فيه. إلا أن الأهم والأبرز الذي شغل باله وتفكيره كان مَن سيخلفه في لبنان لإكمال المهمة التي نذر نفسه من أجلها وهي إبقاء العلاقات اللبنانية – الفاتيكانية ممتازة وطبيعية بعد الخلل الذي أصابها نتيجة عدم وجود سفير للبنان في الكرسي الرسولي الذي لم يجب على طلب وزارة الخارجية اللبنانية بقبول تعيين السفير جوني ابراهيم سفيراً للبنان في الفاتيكان بسبب انتمائه الى محفل ماسوني في الولايات المتحدة الاميركية، لاسيما وأن الفاتيكان يعتبر الماسونية حركة تستهدف الكنيسة عموماً والكنيسة الكاثوليكية خصوصاً.

وخلال الاستقبال الذي أقامه السفير الاسباني في بيروت لمناسبة العيد الوطني الاسباني، تحلق عدد غير قليل من المدعوين حول السفير <كاتشا> لوداعه وسؤاله عن خلفيته في السفارة البابوية في حريصا، لكنهم وجدوا صعوبة في الحصول على جواب واضح، خصوصاً بعدما أبدى السفير <كاتشا> خشية من أن يتريث الكرسي الرسولي في تعيين سفير جديد له في بيروت والاكتفاء بتمثيل على مستوى القائم بالأعمال الذي سيحل مكانه ابتداء من نهاية هذا الأسبوع، وذلك عملاً بقاعدة التماثل في التمثيل الديبلوماسي بين الدول. واسرّ السفير <كاتشا> أمام محدثيه بأنه إذا استمر التمثيل الديبلوماسي اللبناني لدى الكرسي الرسولي على مستوى قائم بالأعمال، فإن التمثيل الديبلوماسي البابوي في لبنان سيكون على المستوى نفسه مع ما يعني ذلك من تراجع في العلاقات بين لبنان والفاتيكان يحصل للمرة الأولى في تاريخ العلاقات الثنائية.

 

عون حسم الموقف… سحب ترشيح ابراهيم

 

ويبدو أن مخاوف السفير البابوي المنتهية مهمته في لبنان وصلت الى مسامع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي كان يتابع هذا الملف بهدوء وتأنٍ لإدراكه دقة هذه المسألة وحراجتها، وهو الذي كان قد أكد للأب الأقدس عندما التقاه في شهر آذار/ مارس الماضي ان اللبنانيين ينتظرونه كي يحل ضيفاً عزيزاً عليهم ويبارك وطنهم كما فعل أسلافه البابا <بولس السادس> الذي حط في مطار بيروت لوقت قصير وهو في طريقه الى الأراضي المقدسة في أوائل الستينات، والبابا <يوحنا بولس الثاني> الذي أمضى في الربوع اللبنانية ثلاثة أيام بضيافة الرئيس الراحل الياس الهراوي، والبابا <بنديكتوس السادس عشر> الذي استضافه الرئيس السابق ميشال سليمان لمدة يومين. وبعدما عرض الرئيس عون المسألة من كل جوانبها اتخذ قراره حاسماً المسألة، وكان الغاء ترشيح السفير ابراهيم للسفارة اللبنانية في الفاتيكان والطلب الى وزير الخارجية جبران باسيل اقتراح اسم مرشح آخر تمهيداً لموافقة مجلس الوزراء على تعيينه بعد <ضمان> موافقة الكرسي الرسولي على السفير الجديد الذي يُفترض أن تتوافر فيه المعايير والمواصفات التي يعتمدها الفاتيكان في قبول السفراء لديه.

وخلال اللقاء الوداعي الذي جمع السفير <كاتشا> بالوزير باسيل عشية مغادرة الأول بيروت نهائياً، تبلّغ السفير البابوي القرار اللبناني، فانفرجت أساريره وقال لمن حوله: <الآن أغادر بيروت مرتاح البال لأن الغيوم التي أطاحت بالعلاقات اللبنانية – الفاتيكانية تبدّدت وستعود المياه الى مجاريها في القريب العاجل>!

وما لم يقله السفير <كاتشا> في العلن، قاله أمام حزمة ضيقة من معاونيه قبل سفره بأن الإشكال الذي نتج عن قرار ترشيح السفير جوني ابراهيم في الفاتيكان قد انتهى، وعلى الحكومة اللبنانية أن تختار شخصية تعي أهمية العلاقات بين لبنان والكرسي الرسولي، وضرورة عدم تكرار ما حصل والذي دلّ على <سوء تقدير> لمواقف الدوائر الفاتيكانية، أو على الأقل عن <خطأ ديبلوماسي> كان يمكن عدم الوقوع فيه لو أنصت المعنيون الى الملاحظات التي صدرت عن السفير البابوي في بيروت بُعيد نشر وسائل الاعلام قرار الحكومة اللبنانية بترشيح السفير ابراهيم حتى قبل أن يقر مجلس الوزراء التشكيلات الديبلوماسية، والتي حذر فيها من مغبة ترشيح ديبلوماسي ينتمي الى محفل ماسوني، لاسيما وان هذه الملاحظات وصلت الى المراجع اللبنانية المعنية مراراً، وتبلّغها الوزير باسيل شخصياً من السفير البابوي.

وتبدي مصادر متابعة استغرابها لـ<المماطلة> التي واكبت معالجة الخلل الذي وقع، وكأن ثمة من راهن على تغيير في الموقف الفاتيكاني في وقت لم يظهر أي دليل من روما بهذا التوجه، بل بالعكس فإن كل الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي وصلت الى مسامع المسؤولين كانت <تنصح> بمعالجة هذه <السقطة> الديبلوماسية بسرعة وقبل فوات الأوان. وتساءلت المصادر نفسها من يتحمّل مسؤولية <التوتر> الذي ساد العلاقة بين بيروت والفاتيكان خلال الأشهر الماضية؟ وهل من يحاسب فعلاً على مثل هذه المواقف <الارتجالية> والتي تحمل في طياتها الكثير من عدم الاحتراف والإلمام بالقواعد الديبلوماسية المتعارف عليها بين الدول؟

 

من هو السفير الجديد؟

 

ويبقى السؤال: من سيخلف السفير ابراهيم في الفاتيكان؟ المراجع الرسمية لم تحسم خيارها بعد، والقرار الأخير يعود لرئيس الجمهورية الذي يدرس احتمالات عدة، منها ترشيح سفير ماروني من السفراء الموارنة الموجودين حالياً في الخدمة الديبلوماسية، أو انتظار تقاعد سفير ماروني لاختيار مرشح من خارج الملاك، إلا ان هذا الاحتمال يبدو بعيداً، إذ ان أول سفير ماروني في الخدمة الفعلية وهو السفير انطونيو عنداري الموجود في الارجنتين سوف يتقاعد بعد حوالى سنة، ومن غير الجائز استمرار السفارة اللبنانية في الكرسي الرسولي في عهدة قائم بالأعمال نظراً لخصوصية العلاقات اللبنانية – الفاتيكانية، ما يرجح الخيار الأول غير ان <الطامحين> للحلول في الفاتيكان لا يملكون الخبرة الديبلوماسية اللازمة ولا الخلفية الضرورية لإقامة علاقات مع الدوائر الفاتيكانية المعروفة بجديتها وأهميتها في آن، وذلك لاتساع علاقاتها في العالم فضلاً عن التأثير المعنوي الكبير للكرسي الرسولي على دول القرار. وتوقعت مصادر متابعة أن يقع خيار الرئيس عون على سفير ماروني له حضوره في الأوساط الديبلوماسية إضافة الى تميزه بخلفية ثقافية وعلمية وإنسانية تساعد على دعم التوجه الذي يقوده الرئيس عون حيال الاهتمام بمسيحيي المشرق من جهة، وحيال المبادرة التي أطلقها بجعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الحضارات والأديان والاعراق من جهة ثانية، ومثل هذه المواصفات لا تنطبق إلا على سفراء محترفين وذوي خبرة، وليس على <هواة> ومقتنصي فرص.

ويلتقي الوزير باسيل مع رئيس الجمهورية على ضرورة الارتقاء بالعلاقات اللبنانية – البابوية الى المستوى الذي تستحقه، ومسؤولية السفير العتيد أساسية في هذا المجال.