19 September,2018

لا نأي بالنفس عندما يتعلق الأمر  بالعلاقة مع دول الخليج!

king-abdullah--1

بعيداً عن المصالح السياسية التي تحكم الأطراف المختلفة في لبنان، ومعظمها مبني على اعتبارات طائفية وليست فقط مجرد مصالح، تجدر إعادة توضيح الأولويات الاقتصادية بالنسبة للبلد وأين تقع مصالح لبنان الاقتصادية وكيف نتعاطى مع ذلك سياسياً مع الحفاظ على السيادة والقرار المستقل:

1 – لبنان يصدر إلى دول الخليج ما يقارب مليار دولار سنوياً أي حوالى 30 بالمئة من مجموع الصادرات، منها 700 مليون دولار للسعودية والإمارات وحدها.

2 – هناك أكثر من 400 ألف لبناني يعملون في الخليج، جزء كبير منهم من الشباب الذين غادروا لبنان في العشر سنوات الأخيرة، أي أن مستقبلهم المهني لا يزال في بدايته.

3 – هؤلاء المغتربون يحولون سنوياً الى لبنان حوالى خمسة مليارات دولار أي ما يقارب 66 بالمئة من مجموع التحويلات السنوية إلى البلد وأكثر من 60 بالمئة من هذه التحويلات أي ثلاثة مليارات دولار تصب مباشرة في السوق الاستهلاكية اللبنانية وخاصة في سوقي الغذاء والعقار. يعني ذلك أن أكثر من 7 بالمئة من الناتج المحلي مصدره المباشر هو دول الخليج.

باختصار تكفي هذه الأرقام وحدها ومن دون احتساب الاستثمارات الخليجية المباشرة وغير المباشرة والعائدات السياحية في أيام الاستقرار والهبات والقروض الميسرة لتؤكد أن الاقتصاد اللبناني يتنفس من الرياض وأبو ظبي والدوحة والكويت ومسقط وحتى المنامة. كما أن الاستقرار النقدي الذي ينعم به البلد منذ أكثر من 15 سنة لم يكن ممكناً تحقيقه لولا الدعم الخليجي والتحويلات المالية الشهرية للبنانيي الخليج.

في المقابل كل ما تطلبه دول الخليج من لبنان واللبنانيين هو الاستقرار الداخلي، فالفوضى في لبنان تؤثر على أمنها كما أن تنامي العصبيات المختلفة ينعكس عليها عاجلاً أو آجلاً. كذلك هي معنية جداً بتمدد النفوذ الإيراني في البلد وبتحول هذا الوجود إلى تهديد لمصالحها في المنطقة.

لماذا هذه الخلاصة الاقتصادية المعروفة أساساً؟ هناك عدة أمور تستوجب الواقعية في التعامل مع الخليج في هذه المرحلة:

1 – دول الخليج في صدد شد الحزام جدياً في المرحلة المقبلة. ورغم كل الكلام عن الاحتياطات المالية الضخمة وقدرة دول الخليج على تخطي هبوط أسعار النفط وإكمال المشاريع الكبيرة التي انطلقت، فإن الحكمة المالية التي كسبها الخليجيون على مدى عقود وصل فيها سعر برميل النفط إلى 10 دولارات (1998) ثم تخطى 140 دولار (2008) وعاد اليوم إلى 45 دولار  علمتهم التكيف بسرعة مع نزول عائداتهم السنوية واللجوء إلى التقشف أول ما تدعو الحاجة. وسعر برميل النفط اليوم يلزمهم بذلك خاصة أن مصاريفهم الداخلية تضاعفت خلال العشر سنوات الماضية. وفي ظل عدم تأكد حجم التراجع في وفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة بعد هبوط الاسعار ليس من الممكن الحديث عن عودة قريبة لإرتفاع سعر النفط. كل ذلك يعني أن الأولوية المطلقة هي للداخل الخليجي في أي إنفاق.

2 – الإجراءت الخليجية حول إعادة النظر في الوجود اللبناني في الخليج مستمرة. هي ليست وليدة تصاريح أمين عام حزب الله الأخيرة بخصوص البحرين ولكن هذه التصريحات عجلت فيها. وليس من المطروح حالياً وقفها أو إلغاؤها بل بالعكس ستستمر طالما أن هناك في لبنان أطرافاً تجاهر بموقفها العدائي من دول الخليج. وحســــــــــــــــــــــــــــناً فعل وزراء حزب الله بالفصل بين موقفهم السياسي وموقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف الحكومة ولكن هذا الأمر لن يعيد العقارب إلى الوراء King-Salmanفي مسألة <غربلة> الوجود اللبناني في الخليج.

3 – دول الخليج جادة في مسألة دعم الجيش اللبناني في مواجهة الإرهاب وقد خصصت السعودية عبر مكرمة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز 4 مليار دولار لذلك وهذا دعم قياسي وتاريخي بكل المقاييس. وتتبين اليوم أكثر من أي يوم مضى حاجة لبنان وجيشه لذلك وبعد نظر الملك عبد الله رحمه الله. ولكن غياب الشفافية في صرف هذه الهبات وتخاذل الحكومة في تحضير الموازنة والشلل السياسي العام، كل ذلك لا يشجع دول الخليج الأخرى على توفير دعم مالي مشابه للجيش. الموضوع نفسه ينطبق على النازحين السوريين المحرومين من المساعدات الدولية والعربية الموعودة بسبب سوء الإدارة المالية للحكومة اللبنانية. لذلك فإن الشفافية المالية أصبحت أكثر من ملحة في ظل الغياب المستمر للموازنات.

4 – رغم كل الإيجابية من الوفر في فاتورة المحروقات فإن بقاء سعر النفط تحت الخمسين دولار يمكن أن يشكل ضغطاً كبيراً على ميزان المدفوعات وبالتالي على الاستقرار النقدي بسبب تراجع الواردات المالية من الخليج.

كل ذلك يشير إلى أن على البلد التعامل مع تراجع أسعار النفط سياسياً وليس فقط مالياً.

فحتى ينعم لبنان باستمرار الغطاء المالي الخليجي بمختلف أشكاله يجب التعاطي سياسياً بواقعية كبيرة وحسم في الوقت نفسه. لذلك هناك أمر يجب على الدولة اللبنانية تبنيه جهاراً وهو: في مسألة العلاقة مع الخليج لا مجال للنأي بالنفس.