24 September,2018

لا قـانــون عـفـــو عامــــاً مـــا لـــم يـتـــــم تـحـديـــد مـعـايـيـــــر لا تشمـــل جرائــم الإرهــــاب والاعـتـــداء عـلــى الـجـيـــــش!

 

مؤتمر-الموقوفين-الاسلاميينلم يكد وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق يعلن الأسبوع الماضي خلال مقابلة تلفزيونية أن مسألة إقرار قانون للعفو العام في مجلس النواب تحتاج الى وقت وقد لا تتم قبل الانتخابات النيابية في 6 أيار/ مايو 2018، حتى انهالت ردود الفعل من كل اتجاه، ما دفع الوزير المشنوق الى إطلاق التوضيح تلو الآخر ليشرح حقيقة ما رمى إليه، وهو أن مثل هذه المواضيع  تأخذ وقتاً نظراً لكثرة التجاذبات السياسية وردود الفعل وحجم الطلبات التي ترد من أكثر من جهة، لاسيما وان ولاية مجلس النواب تشارف على الانتهاء ولا فرصة بعد ذلك لمثل هكذا عفو لأنه سوف يستثمر في الحملات الانتخابية للمرشحين كافة، لاسيما أولئك المنضوين في كتل كبيرة!

فإلى أي مدى تصح المعلومات عن إمكانية إقرار مجلس النواب العفو العام المطلوب؟

مصادر متابعة أكدت لـ<الأفكار> أن ارتفاع وتيرة الكلام عن اقتراب موعد إصدار قانون العفو العام، له ما يبرره مع بداية الحملات الانتخابية واقتراب موعد الاستحقاق النيابي في 6 أيار/ مايو المقبل، إضافة الى أن هذه القضية المزمنة تهم آلاف الموقوفين في السجون والمطلوبين الفارين من وجه العدالة، وقد حرّكت <المبالغة> في الحديث عن قرب إقرار قانون العفو ردود فعل مختلفة ومتناقضة في آن، لاسيما لجهة تحديد المستفيدين من هذا العفو وعما إذا كان يشمل جرائم وجنحاً يفترض أنها لا ترقى الى مستوى الجرائم التي تهدد أمن الدولة، وهي تعني عملياً المطلوبين من أبناء البقاع الذين صدرت في حقهم وعلى فترات اكثر من 8 آلاف مذكرة إحضار وخلاصات أحكام، كما تشمل ما يعرف بالموقوفين الاسلاميين الذين مضى على توقيف بعضهم أكثر من سبعة أعوام من دون أن تصدر أحكام في حقهم أو يطلق سراحهم.

 

الموقوفون الاسلاميون والبقاعيون المطلوبون

وتضيف المصادر المتابعة ان الحديث عن قانون العفو الذي بدأ منذ اربع سنوات تقريباً لا يعني بالضرورة أن تمريره سيكون سهلاً، على رغم أن وزير العدل سليم جريصاتي أحد المعنيين الأساسيين بإعداد مشروع قانون العفو إذا صدر عن الحكومة – أو الداعمين له إذا جاء بصيغة اقتراح قانون نيابي، قال لوفد من حزب الله زاره قبل مدة أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لا يمانع إصدار قانون العفو من دون أن يحدد المعايير التي يدعو الرئيس عون الى التقيد بها لجهة نوعية الجرائم التي سوف يشملها القانون إذا وُضع. وعلى رغم أن التركيز في التحضير لمشروع القانون انطلق من رغبة في وضع حد لقضية المطلوبين البقاعيين التي كانت تثار في كل مرة يطرح فيها موضوع الفلتان الأمني في المنطقة، فإن متابعي الملف في حزب الله الذي شكلت قيادته لجنة مهمتها الحصرية معالجة الموضوع، يشيرون الى أن إدخال ملف الموقوفين الاسلاميين غير الملاحقين بجرائم الإرهاب يحتاج الى مشاورات، على رغم ان المسودة التي وضعها الوزير جريصاتي لقانون العفو منذ الشهر الأول لانطلاق مسيرة الحكومة الحالية وأرسلها الى رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي <تتأقلم> مع الاوضاع الراهنة لأنها أخذت في الاعتبار قضية الموقوفين الاسلاميين وكذلك قضية البقاعيين المشمولين بمذكرات الإحضار وخلاصات  الأحكام.

وفي تقدير المصادر المتابعة أن وجود نص أولي لقانون العفو بين أيدي المعنيين ساعد في مطالبة جهات متعددة بإدخال تعديلات، خصوصاً بعد توافر مؤشرات عن <جدية> في التعاطي مع هذا الملف، برزت من خلال إعلان الرئيس نبيه بري أمام وفد بقاعي قبل أيام أن مشروع العفو <سيشهد تحريكاً قريباً على طريق الإقرار والصدور>، إضافة الى الأجواء التي رافقت اللقاء الذي عقده مؤخراً الرئيس الحريري مع عدد من القضاة الذين طلب منهم العمل على إعداد القانون بالصيغة الفضلى التي تلقى تجاوب الجميع. في المقابل، فإن ثمة من يرى أن الامور لم تصل بعد الى خواتيمها بالنسبة الى وصول صيغة مشروع القانون بسلام الى مجلس النواب، وثمة خشية من تحويله الى منصة تبادل مكاسب ما يؤدي في النهاية الى عرقلة إقراره وصدوره، خصوصاً أن ثمة وجهات نظر متضاربة حول ضم جرائم المخدرات الى لائحة الجرائم التي سيشملها العفو، وهو أمر طالب به حزب الله بسبب وجود أعداد من المتهمين أو المحكومين بجرائم مخدرات في عداد المعنيين بالصيغة المقترحة. في وقت لا يبدو وجود إجماع على تضمين نص مشروع القانون ما يستدل منه الى عفو عن جرائم الارهاب بكل اشكاله وصوره، إلا أن وجود قضية الاسلاميين في لوائح المطلوب العفو عنهم، يجعل مقاربة مسألة الإرهاب بحاجة الى تفسير ومتابعة لتحديد ما هي مواصفات الجرائم الارهابية، وبالتالي ما دور الإسلاميين المتهمين أو المحكومين باستهداف الجيش أو بزرع عبوات ناسفة أو غيرها من الحوادث الأمنية التي هددت الاستقرار الامني وكادت أن تحيي الفتن بين اللبنانيين.

وترى المصادر المتابعة لهذا الملف أن دعاة شمول المطاردين من الأجهزة الأمنية خصوصاً في منطقة البقاع، يتوجب عليهم التمييز بين من هو مطارد لاتهامات في جرائم عادية، والمطلوب في جرائم قتل وخطف واعتداء على أمن الدولة، إذ من غير الجائز أن يكون التعاطي واحداً مع هؤلاء المطلوبين تفادياً لأي تفسير خاطئ لأسباب قانون العفو ومن يسعى إليه.

 

اعتراض أهالي الشهداء العسكريين

اهالي-الشهداء-العسكريين

وخلال الايام القليلة الماضية، بدا أن المؤتمر الذي عقده أهالي الموقوفين الاسلاميين والمتهمين بأحداث طرابلس وعبرا وما صدر عنه من مواقف والتهديد بالنزول الى الشارع، حرّك أهالي الشهداء العسكريين من ضباط وجنود قضوا على أيدي عناصر إرهابية، رافضين أن يشملهم العفو <لأن من قتل الجيش قتل الوطن>، ولأن الإعفاءات التي حصلت في الماضي وشملت متهمين بأحداث الضنية في العام 2000 عادوا هم أنفسهم وقاتلوا الجيش في طرابلس وبحنين ومناطق أخرى.

وفي هذا السياق، تبلّغت مراجع رسمية أن شمول العفو <قتلة الجيش> سيؤدي الى تصعيد واسع سوف يشمل كل الأراضي اللبنانية انطلاقاً من وحدة المصير بين أهالي الشهدء العسكريين، لاسيما أولئك الذين قضوا أيضاً في حوادث عرسال وجرودها.

وهكذا، بين مواقف أهالي الموقوفين الإسلاميين وأهالي الشهداء العسكريين، يبدو أن طريق قانون العفو ليست آمنة وسالكة، لاسيما وأن مراجع قريبة من رئاسة الجمهورية تنفي أن يكون الرئيس عون قد أعطى موافقة مسبقة على موضوع العفو، وتقول انه عندما فوتح بالأمر، طلب اعتماد معايير دقيقة في ما خص من سيشملهم القانون المذكور انطلاقاً من أن العفو لا يجوز أن <يحرر> أشخاصاً من السجن والعقوبات و<يظلم> آخرين، وليس المهم اعتماد صيغة 6 و6 مكرر لتمرير القانون، بل المهم، في نظر الرئيس عون، عدم إلحاق الأذى والظلم بآخرين لاسيما أهالي العسكريين الشهداء وغيرهم. وتقول المراجع نفسها انه من الصعب تسويق أي صيغة غير عادلة لاسيما وأن تجربة العفو العام 2005 لم تكن ناجحة ولا هي ساعدت في الحد من الجرائم على أنواعها، ولا هي وفّرت أمناً واستقراراً، بل كانت <مفصلة على القياس>، ولا يجوز بالتالي التذرّع بحجة الاكتظاظ في السجون لإطلاق مجرمين مدانين بالوقائع والأدلة الثبوتية خصوصاً في الاعتداءات الارهابية التي وقعت وحصدت أبرياء وآمنين.

في أي حال، ثمة من يؤكد أن إدخال موضوع العفو في البازار الانتخابي ستكون له مفاعيل سلبية، والضغط على الدولة باللجوء الى الشارع من أي طرف كان ليس الخيار الأسلم لمقاربة موضوع العفو، إضافة الى ما سيتركه هذا الموقف من تداعيات على صعيد سمعة لبنان في الخارج، لاسيما وأن سفراء بعض الدول الكبرى بدأوا تحركاً من أجل معرفة حقيقة من سيشملهم العفو، مع التحفظ سلفاً على أولئك الذين أدينوا أو اتُهموا بارتكاب أعمال ارهابية استهدفت الأمن والاستقرار في البلاد، إذ كيف يمكن أن يطلب لبنان من الدول دعمه ومساعدته (في مؤتمر روما مثلاً) لتعزيز قدرات الجيش والقوى المسلحة، ويصار في الوقت نفسه الى العفو عمّن اعتدوا على هذه القوى وأوقعوا في صفوفها شهداء وجرحى ومعوّقين، إضافة الى ما أحدثوه في البلاد من رعب وخوف وإرباك؟!

في المحصلة، ملف قانون العفو يتجه لأن يكون مادة خلافية جديدة تضاف الى المواد الخلافية الأخرى التي يرزح لبنان تحت عبئها!