19 September,2018

لا ظــــل لـــــرئـيـس جـمـهـوريـــــة جـديـــد وجـبـــران بــاسـيـل مـوصـــوف بـصــــاحـب الـحــــزام الـسـيـــاسي.. الـنـــاسـف!

 

بقلم وليد عوض

باسيل-----3

ليس في الأفق اللبناني حتى الآن ظل لرئيس جمهورية جديد، ولكن من المؤكد ان لبنان سيكون له رئيس عند الاحتفال بالعيد المئوي لإعلان دولة لبنان الكبير يوم أول أيلول (سبتمبر) من عام 2020. وسيكون لهذا الرئيس طنة ورنة بالنظر لأهمية هذه المناسبة التاريخية، وهو مولد لبنان الكبير على الخريطة، جامعاً بين الجبل والساحل والأقضية الأربعة: معلقة زحلة وبعلبك وراشيا وحاصبيا.

وظل انسلاخ هذه الأقضية الأربعة عن الدولة السورية عام 1920 غصة جغرافية في حنجرة العديد من المسؤولين الذين تعاقبوا على الحكم في سوريا، وبينهم نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام الذي صرّح من مطار بيروت زمان الثمانينات بأن سوريا لن يهنأ لها عيش إلا إذا استرجعت الأقضية الأربعة. لكن عبد الحليم خدام أصبح وراء الشمس، منفياً في باريس، وظلت دولة لبنان الكبير متربعة على الخريطة بأقضيتها الأربعة.

وهذا التغيير في الخرائط ليس جديداً، إذ بدأ المقص الجغرافي يتحرك مع اتفاقية <سايكس بيكو> التي أنتجت دولة شرقي الأردن وعلى رأسها الملك عبد الله بن الحسين شريف مكة. كما قامت فرنسا عام 1936 باقتطاع لواء الاسكندرون من الجغرافيا السورية لتلحقه بالخارطة التركية، ويصبح اسمه <هاتاي>. ولم تنفع الاحتجاجات العربية على هذا المقص يومئذ، لأن كلمة المستعمر الفرنسي كانت هي العليا.

وكان المقص الجغرافي هذه المرة وتحديداً عام 1919 بيد كل من رئيس الوزراء الفرنسي <جورج كليمنصو> والبطريرك الياس الحويك الذي زعمت الروايات بأنه نكع كوع <كليمنصو> وهو يحرك القلم على الخريطة، فدخلت الأقضية الأربعة في الكيان الجديد. وفي أيلول (سبتمبر) من عام 1920 كان الاحتفال بولادة دولة لبنان الكبير في قصر الصنوبر وكان العراب الجنرال <غورو> المفوض السامي في لبنان بعد الحرب العالمية الأولى، ومعه البطريرك الحويك ومفتي لبنان الشيخ مصطفى نجا، والسياسي اميل اده، والسياسي الآخر حبيب باشا السعد.

ويومئذ امتنع زعيم طرابلس الشيخ عبد الحميد كرامي عن حضور ذلك الاحتفال لأنه لم يكن مع هذه الولادة الجغرافية القيصرية، ويصر على أن طرابلس جزء من سوريا ولذلك سميت <طرابلس الشام>، وظلت الرسائل البريدية بعد نشوء دولة لبنان الكبير تأتي الى طرابلس باسم <طرابلس الشام>.

ولكن أصدقاء عبد الحميد كرامي من الزعماء السوريين، مثل سعد الله الجابري، ولطفي الحفار، وشكري القوتلي، ظلوا يلحون عليه للالتحاق بالدولة الجديدة التي لم يكن منها مهرب، واستجاب عبد الحميد بعد طول تفكير، وانضم الى دستور 1926 الذي أسسه المفوض السامي الكونت <هنري دو جوفينيل> زوج الأديبة الفرنسية <كوليت>.

 

لعبة المقص الجغرافي

فرنجية---2

فهل الأحداث الدموية المستعرة في سوريا ستفتح الباب لمقص جغرافي جديد بمباركة روسية أميركية ــ تركية ــ إيرانية ــ خليجية، كحل وحيد لوقف نزف الدماء في الأرض السورية ولاسيما في محافظة حلب؟ وهل لاح شبح المقص الجغرافي في محادثات وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> ووزير الخارجية الأميركية <جون كيري> وهما يجتمعان في جنيف، المقر الثاني لهيئة الأمم في الشهر الماضي، ثم في الصين مؤخراً؟ وها هو الرئيس أمين الجميّل بعد لقائه الرئيس بري يحذر من لعبة تغيير الخرائط. بل هل هو المقص الجغرافي وراء مشروع <الترويكا> الجديدة روسيا وتركيا والرئيس السوري بشار الأسد؟ وهل ستتحول العداوة الشرسة بين الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> وبشار الأسد الى مشروع تفاهم حتى لا نقول شهر عسل، أم ان مشروع هذه المصالحة أضغاث أحلام، وحبر على ورق؟!

هنا يقتضي السؤال: أين واشنطن من كل ما يجري في سوريا، وما يكتنف لبنان من آفاق مسدودة في الشغور الرئاسي؟

الجواب كان يجب أخذه من <توماس شانون> وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية. وأول من كان يتعين عليه معرفة هدف <شانون> من زيارته للبنان هو وزير الخارجية جبران باسيل الذي اجتمع به مطولاً، وكذلك شادي كرم مستشار رئيس الحكومة تمام سلام الذي كان في إجازة عائلية خارج لبنان.وشادي كرم يشبه <الجوكر> في لعبة الورق، أي ينفع لكل الحالات. فقد كان مستشاراً في القصر الجمهوري للرئيس ميشال سليمان، وكان من قبل مستشاراً مصرفياً، ومع ذلك فلم يأخذ من المستر <شانون> لا حقاً ولا باطلاً. ومثله الوزير جبران باسيل الذي اشتهر بسبر أغوار ضيوفه الأجانب.

لقد قالها <شانون> بصراحة: <جئت أستمع إليكم، ولم أتِ لتقديم اقتراحات، أو للبحث في أسماء لمعركة الرئاسة. فكل هذا شأن لبناني بحت، وعلى أهل المؤسسات أن يحزموا أمرهم في هذا الموضوع ولا يتكلون على الغير>. وما انفرجت عنه شفتا المستر <شانون> هو ان لبنان ما يزال تحت مظلة دولية تدعم استقراره، وتحمي اقتصاده من أي زلة، ولكنه لم يكتم رأيه بأن الشغور الرئاسي، إذا استمر، سوف تكون عاقبته وخيمة.

 

أزمة قائد الجيش

 

تشخيص أميركي جديد للحالة اللبنانية تجاهل ما يهدد به التيار الوطني الحر بالنزول الى الشارع، إذا أصر مجلس الوزراء على تجديد ولاية قائد الجيش العماد جان قهوجي لمدة سنة، وان الحل الذي يرضي التيار هو تعيين قائد جديد للجيش. ولكن هذا التعيين يبقى افتئاتاً على صلاحيات رئيس الجمهورية المقبل، لأن الرئيس هو الذي يختار قائد الجيش. فالرئيس كميل شمعون اختار لقيادة الجيش اللواء فؤاد شهاب، والرئيس فؤاد شهاب اختار لقيادة الجيش اللواء عادل شهاب، والرئيس شارل حلو اختار اللواء ابراهيم طنوس والرئيس سليمان فرنجية اختار اللواء اسكندر غانم، إلا ان الرئيس صائب سلام طلب إقالة العماد اسكندر غانم بعد فضيحة اقتحام <الكومندوس> الاسرائيلي بقيادة <ايهود باراك> لشارع فردان واغتيال الزعماء الفلسطينيين الثلاثة محمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر. فيما رفض الرئيس فرنجية هذه الإقالة حتى لا تكون سابقة، فقدم الرئيس سلام استقالته ليخلفه الرئيس أمين الحافظ، ثم استقال الرئيس الحافظ تحت ضغط الشارع الاسلامي ليخلفه الرئيس تقي الدين الصلح.

الشاهد من ذلك كله ان قائد الجيش موصول برئيس الجمهورية، تماماً كما كان العماد اميل لحود موصولاً بالرئيس الياس الهراوي، والعماد ميشال سليمان موصولاً بالرئيس اميل لحود. والرئيسان نبيه بري وتمام سلام لا يملكان دستورياً حق اختيار قائد الجيش.

ولعلنا نسينا في هذا السياق دور قائد الجيش ميشال عون مع الرئيس أمين الجميّل عام 1988، بعد تعيينه رئيساً للحكومة العسكرية التي استقال منها المسلمون وبقيت حكومة مسيحية، ولجوءه الى المنفى الباريسي في منطقة <هوت ميزون> عام 1990، بعد إغارة الطائرات السورية على قصر بعبدا، زمان آخر عهد الرئيس الياس الهراوي. ومن تلك المشاهد عجم ميشال عون عوده السياسي، واجتاح المناطق المسيحية في الانتخابات النيابية الأخيرة، وفرض نفسه كرقم سياسي كبير عندما ترشح للرئاسة عام 2015، واستطاع أن يكسب الى جانبه حليفاً مهماً هو الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، وأصبحت سيطرته على الشارع المسيحي أكثر اشراقاً، وهو لذلك يعتبر نفسه جزءاً مهماً من مستقبل البلاد، والمرشح الأكثر طلباً عند الشارع المسيحي، وبهذا الاعتبار، وعلى افتراض أنه أصبح رئيساً للجمهورية، لا يجوز أن يأتي الى قصر بعبدا وهناك قائد للجيش مفروض عليه فرضاً، ولا يملك إلا إقالته وتعيين قائد جديد.

عون وروكز

وزير-خارجية-جبران-باسيل-(1)-----1 

والعماد عون يرفض أي اتهام بأنه يتصرف عائلياً في موضوع قائد الجيش. فقد كان متهماً بتحضير صهره العميد شامل روكز ليكون قائداً للجيش، وبهذا التحضير كان يعارض التمديد للعماد جان قهوجي، ولكن مدة الخدمة العسكرية للعميد شامل روكز انتهت، وظل العماد عون على موقفه بعدم تجديد ولاية قائد الجيش العماد قهوجي، أي ان تهمة الدوافع العائلية سقطت في بحر كسروان، حيث المسرح الانتخابي للعميد روكز.

والتيار الوطني الحر، تيار ميشال عون، يشكك في ميثاقية الحكومة، بمعنى انها لا تقيم اعتباراً للمكون المسيحي الرئيسي في البلاد، مع ان مصلحة البلاد تقتضي مثل هذا الاعتبار. وقد أعلن وزير التيار جبران باسيل انسحابه من الحكومة احتجاجاً على ما سماه اخلالاً بالميثاقية، وهدد باللجوء الى الشارع انتصاراً للميثاقية. ولم يحدد باسيل موعداً للنزول الى الشارع، بل ظل يمارس وظيفته كوزير خارجية، دون أن يؤثر انسحابه من الحكومة على هذه الوظيفة، وإن كان 13 تشرين الأول (أكتوبر) هو الموعد المحدد لفرض كلمة الشارع، وبهذا الدور استقبل المبعوث الأميركي <شانون> وتبادل معه الرأي في أحوال لبنان والشرق الأوسط، قبل أن يعمد الى تفجير طاولة الحوار بعد المشادة بينه وبين سليمان فرنجية وأطلقوا عليه لقب: صاحب الحزام السياسي.. الناسف!

وكان الاجتماع الموعود يوم الاثنين الماضي للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> والرئيس الأميركي <باراك أوباما> في كواليس قمة العشرين، آخر فرصة للرئيس الأميركي حتى يقرر ماذا يريد من معركة حلب، وهل يرى في التقسيم الجغرافي لصالح حلفائه الأكراد مدخلاً الى حل المشكلة؟

إننا الآن في ساعة <التيار الوطني الحر>.

وضغط التيار الوطني الحر على الحكومة يقابله ضغط دفاعي عنها من جانب تيار <المستقبل> أكبر قوة نيابية اسلامية ليبرالية في مجلس النواب. والرد المطلوب أن يأتي من حكومة الرئيس تمام سلام هو تصفية القدر الممكن من المشاكل الحياتية، وأولها النفايات التي تهدد صحة الناس، وتشوّه وجه لبنان الحضاري و.. السياحي!

ويبدو ان هناك بداية لمعالجة كارثة النفايات، وإن كان الأمر يحتاج الى وقت!

وتبقى كارثة تعطيل المؤسسات.. وتلك هي المصيبة الكبرى!