13 November,2018

لا حكومــــة جديـــدة قبـــل حــل عقــدة تمثيــل ”المـــــردة“ وإلاّ ولادة قيصريــــة غيـــر مضمونـــــة النتائـــــج!  

Samir_Geagea----3
أما وقد انتهت الاحتفالات بعيد الاستقلال والتي كانت بمنزلة <فسحة> راحة للمعنيين بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن ما رافقها من خلوات في قصر بعبدا بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء تمام سلام والرئيس المكلف سعد الحريري، وما تلاها من <دردشات> وتبادل ابتسامات وأحياناً ضحكات بين الرؤساء الأربعة، لم يحقق أي تقدم على صعيد فك أسر الحكومة العتيدة التي بقي البحث في تشكيلها دوراناً في الحلقة المفرغة إياها، وإن كان حجم التعقيدات قد تقلص نسبياً، لكنه ظل عائقاً دون الوصول الى اتفاق يؤدي الى صدور مراسيم تشكيل الحكومة. وعوض أن تتوقف التجاذبات السياسية المعلنة والتصريحات النارية والتسريبات الأكثر اشتعالاً، فإن الأيام التي تلت الذكرى الثالثة والسبعين للاستقلال، حفلت بالرسائل الطائرة في كل الا تجاهات سواء كان مصدرها عين التينة حيث مقر رئيس مجلس النواب، أو في <بيت الوسط> الذي يبدو سيده الرئيس المكلف في موقع لا يُحسد عليه، وهو الذي كان يأمل أن يتمكن من تشكيل الحكومة ليدخل السرايا الكبير من جديد بحكومة تحظى بثقة مجلس النواب، على رغم توقعه بأن نسبة الثقة لن تكون كبيرة.

وفيما حرص الرئيس المكلف على الحضور الى قصر بعبدا للتشاور مع الرئيس عون و<جوجلة> الآراء والأفكار والخيارات المطروحة، فإن عُقد التأليف ظلّت تراوح مكانها بحيث لم تنفع الأجواء التي كانت تُضخ عن <إيجابيات> تتحقق وتبشّر بحلول قريبة، لاسيما بعدما اتضح أن تفاهم الرئيسين عون والحريري على الكثير من النقاط الوزارية التي كانت عالقة، لا يشمل بالضرورة <تسهيل> تشكيل الحكومة من دون إيجاد حلول سريعة للعقد التي كانت بارزة وأهمها الآتي:

 

3 عُقد تبحث عن حلول

 

1 – <عُقدة> الرئيس بري الذي رفع منسوب اعتراضاته على عدم تخصيص رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية بحقيبة <وازنة> – أي حقيبة أساسية – على رغم أن الأبواب كانت مفتوحة لتقبل تسوية تعيد مجلس الوزراء الى الانعقاد وتنتظم السلطة التنفيذية على نحو شامل. والذين التقوا الرئيس بري الأسبوع الماضي، شعروا أن مسألة توزير ممثل عن <المردة> في حقيبة أساسية باتت من ثوابت سياساته وهو لن يتراجع عنها مهما اشتدت الظروف، خصوصاً أنه ربط مشاركة وزراء <الثنائية الشيعية> بتوزير ممثل عن <المردة> في حقيبة توازي من حيث الأهمية الحقائب الاخرى المعطاة لخصوم <المردة> وحلفائهم في آن. ويقول قريبون من الرئيس بري انه يرفض أن يُتهم بعرقلة تشكيل الحكومة، وهو الذي قدّم اقتراحات عدّة، ودوّر الزوايا في أكثر من مناسبة من دون أن يلاقيه أحد في منتصف الطريق، خصوصاً من فريق الرئيس عون الذي له مصلحة – حسب ما يقول الرئيس بري – بأن تشكّل الحكومة اليوم قبل الغد لحماية الإنجاز الرئاسي الذي أنهى شهره الأول وبدأ بالشهر الثاني… وينسب القريبون الى الرئيس بري قوله بأنه لم يعد يقبل في مفاتحته بالتنازل عن حقيبة وزارة الأشغال لإعطائها الى ممثل <المردة> (وهو المحامي يوسف فنيانوس على الأرجح)، وبالتالي فإنه يمكن لتيار <المردة> أن يتمثل في وزارتين أخريين كان النائب فرنجية قد حدّدهما وهما: الطاقة والمياه والاتصالات. إلا أن <الفيتو> الذي لم يتأخر في الوصول الى ساحة النجمة أضاع فرصة للتفاهم على الحد الأدنى وجعل الرئيس بري يتمسك بموقفه مطلقاً المثل العاميّ القديم – الجديد <اللّي طلّع الحمار على المأذنة بيعرف ينزلو>. فضلاً عن <رسالة> شديدة اللهجة أطلقها الأسبوع الماضي وفيها: <إذا كانوا يستطيعون تأليف الحكومة من دوننا فليفعلوا، وعند ذاك سأتجه الى المعارضة خصوصاً على أبواب الانتخابات النيابية>. ولا ينسى الرئيس بري التأكيد على استمرار تمثيل <أمل> بالوزيرين علي حسن خليل وغازي زعيتر في الوزارتين إياهما من دون أي تبديل (الأشغال والمالية)، من دون أن يفوته التدقيق في معلومات وصلته من مراجع موثوق بها عن حملة انتقادات لاذعة وواسعة يتعرّض لها من بعبدا حيناً ومن عون-حريري-----1معراب أحياناً.

2 – <عُقدة> تمثيل <المردة> في الحكومة والتي تفاعلت بقوة في المرحلة التي تلت احتفالات عيد الاستقلال من دون أن تنفع الاتصالات وحركة <الأصدقاء المشتركين> في إزالة سوء التفاهم الحاد بين حليفي الأمس، الرئيس عون والنائب فرنجية بعد تدهور العلاقات بينهما. وعلى رغم أن النائب سليمان فرنجية غادر قبيل الاستقلال بيروت في رحلة الى الخارج، إلا أن <ملائكته> ظلّت حاضرة في متابعة الاتصالات وعملية تدوير الزوايا. إلا أن الأمر الثابت والاكيد هو عدم تنازل فرنجية واستمراره في المطالبة بوزارة أساسية من ثلاث وزارات هي: الصحة والأشغال والطاقة والمياه. إلا أن موقف فرنجية يصطدم حكماً برغبة مجهولة المصدر – حتى الآن على الأقل – بعدم تسليمه وزارة أساسية والاكتفاء بإبقاء القديم على قدمه، أي وزارة الثقافة التي شغلها بنجاح الوزير روني عريجي ولا يزال.

أكثر من ذلك، طرح البعض عرضاً جديداً على فرنجية يحصل بموجبه على وزارتين غير اساسيتين في مقابل التنازل عن الوزارة الأساسية التي يطالب بها من ضمن <الثلاثي>، إلا أنه آثر الحصول على حقيبة واحدة أساسية بدلاً من حقيبتين، ويفسر القريبون من فرنجية موقفه بوجود قناعة لدى تيار <المردة> بأن ثمة من يسعى الى تحجيمه مع قوى مسيحية أخرى مثل حزب الكتائب و<المستقلين> من خلال تمثيل وزاري <هزيل>. ويشير القريبون الى مفاعيل <تفاهم معراب> والانعكاسات التي تركها التقارب بين الرئيس عون (قبل انتخابه) والدكتور جعجع، والذي تحقق بجهد النائب ابراهيم كنعان مع المسؤول السابق عن جهاز التواصل في <القوات> ملحم رياشي الذي يعتبر أحد أبرز مرشحي الحزب للدخول في جنة العمل الوزاري من خلال حقيبة وزارة الإعلام، وفيما يهمس هؤلاء القريبون بدور يلعبه الوزير جبران باسيل لإبقاء <المردة> بعيداً عن الوزارات الأساسية، فإنهم يشيرون بأن العلاقة التي اضطربت مؤخراً بين الرابية وبنشعي تركت تداعيات كثيرة على مسار العلاقات بين <الزعيمين> عون وفرنجية بحيث قد يكون من الصعب تداركها والحد من مضارها في وقت قصير ما لم ينبرِ للمساعدة الحقيقية والفعلية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله القادر وحده على < المونة> في سبيل المصلحة العامة.

في وقت يرى فيه <المرديون> أن الرئيس الحريري لم يقدم توضيحات لأعضاء وفد <المردة> الذي زاره حول خلفيات <نفخ> حصة <القوات> في الحكومة، علماً أن لا كتلة نيابية فعلية وكبيرة لـ<القوات> في مجلس النواب وأفرادها مزيج من <قواتيين> و<وافدين> الى حزب <حيث لا يجرؤ الآخرون>…

3 – <عُقدة> موقف قيادة <القوات> التي ترفض إسناد حقيبة أساسية لممثل عن النائب فرنجية، ولاسيما حقيبة الأشغال، وتدعو الى الاكتفاء إما بعدم التمثيل، أو بإعطاء مندوب فرنجية الى الحكومة حقيبة عادية من مثل تلك التي يشغلها حالياً الوزير عريجي. وتدعو مصادر معنية الى <عدم الاستهانة> بالمواقف التي اتخذها الدكتور جعجع خلال الأسبوعين الماضيين والتي تؤشر الى تصعيد سياسي أوسع وأشمل قد يطل برأسه على الساحة السياسية إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. والملفت أن قيادة <القوات> تتذرع بوجود اتفاق بين الرئيس عون (قبل انتخابه) والدكتور جعجع تلا <تفاهم معراب> يقضي بتوزير ثلاثة لـ<القوات>، إضافة الى شخصية أخرى على تقاطع بين الرابية ومعراب، هو الوزير ميشال فرعون، وبالتالي لن تقبل <القوات> إسقاط هذا الاتفاق مهما كانت الظروف والمعطيات. وتؤكد المصادر أن <القوات> لم تتنازل بعد رسمياً عن <حقها> في الحصول على حقيبة الأشغال، وأن <ربط النزاع> لا يزال قائماً حول هذه المسألة، مع وجود قناعة لدى <القوات> بأن من يبعد ممثلها عن الأشغال ليس فقط الرئيس بري، بل كذلك النائب فرنجية الذي لا يريد لـ<القوات> أن تحل في وزارة خدماتية على أبواب الانتخابات النيابية.

 

و3 سيناريوات إذا صفت النوايا!

بري-فرنجية----2

الى أين يقود هذا الواقع المأزوم حكومياً؟

تورد مصادر متابعة سيناريوات عدة تتعلق بالمرحلة المقبلة، أولها بقاء الوضع على حاله والاستمرار في الاتصالات من دون الوصول الى نتيجة عملية، خصوصاً إذا ما تمسك كل فريق بموقفه، لاسيما وأن المعلومات الاكيدة تشير الى أن حزب الله <متضامن> مع تيار <المردة> في حقه بالحصول على وزارة أساسية من دون أن يعني ذلك الضغط على الرئيس عون لإقناعه بالتجاوب مع مطلب فرنجية. وفي هذا السياق، تشير المعلومات الى أن قيادة المقاومة تتمنى لو أن الرئيس عون يبادر الى <احتضان> النائب فرنجية والتجاوب مع مطلبه من أجل <الإقلاع> بالحكومة وبالعهد الرئاسي معاً، لاسيما وأن فرنجية لم يكن يوماً بعيداً عن الخيارات الوطنية التي يمثلها ايضاً الرئيس عون والتيار الوطني الحر، مع التسليم بـ<البرودة> التي تخيم على علاقة النائب فرنجية برئيس <التيار> الوزير جبران باسيل.

أما ثاني هذه السيناريوات فيقوم على الاتفاق بين الرئيسين عون والحريري على إصدار مراسيم تشكيل الحكومة وفق صيغة <أمر واقع> قبل الأعياد تراعي الى حد ما مطالب <الثنائية الشيعية> من جهة واعتبارات تحالف <التيار> و<القوات>، بصرف النظر عما يمكن أن تكون عليه ردة فعل تحالف <الثنائية الشيعية> و<المردة>، إذ يرى أصحاب هذا السيناريو أن توزيع الحقائب بشكل مقبول نسبياً يجعل ردة الفعل الاعتراضية محدودة، خصوصاً إذا ما روعي في توزيع الحقائب الحد الأدنى من الواقعية السياسية التي أفرزتها مواقف الأطراف المعنيين بعملية تأليف الحكومة. ويعوّل أصحاب هذا السيناريو على الرئيس الحريري في إقناع الرئيس عون والتيار الوطني الحر بعدم <كسر الجرة> مع الرئيس بري وحزب الله من خلال <الوقوف على خاطر> النائب فرنجية في الصيغة الحكومية المقترحة.

وثمة سيناريو ثالث يقضي برفع عدد أعضاء الحكومة العتيدة الى 30 وزيراً لتأمين تمثيل جميع المعترضين في تركيبة متوازنة نسبياً تكون المشاركة فيها مؤمنة بين جميع المكونات السياسية وتوزع خلالها الحقائب بشكل عادل يقطع الطريق أمام الاعتراضات الحادة، أو يخفف من حدتها على الأقل، وهذا يتطلب إرضاء <المردة> من خلال حقيبتين غير أساسيتين تعوّض عدم تخصيص <المردة> بحقيبة أساسية ولو اقتضى الأمر إعادة توزيع الحقائب من جديد.

مصادر متابعة لعملية التأليف تتحدث عن أن لكل من السيناريوات المتداولة إيجابياته وسلبياته، لكن <حياكة> التشكيلة الوزارية بإتقان وعدالة وواقعية، يمكن أن تجعل كمية الإيجابية تفوق كمية السلبية، إضافة الى الرهان على نوايا الاطراف المعنية بالتركيبة الحكومية لتأمين ولادة الحكومة بشكل طبيعي بدلاً من الولادة القيصرية التي قد تؤذيها وتزيد الهوة اتساعاً بين أفراد <العائلة الواحدة>!