23 September,2018

لا تـفـريـــــــط بـالـحـكـومـــــــة

بقلم سعيد غريب

SAM_5208<عندما يسود السلم والاستقرار في لبنان، يسودان كذلك في البلدان المجاورة>… هذه العبارة قالها المستشار النمساوي <مترنيخ> في كتاب وجهه الى سفيره في اسطنبول عام 1884 يوم كان لبنان جزءاً من الامبراطورية العثمانية.

عبارة تختصر عاملي التشابك والتفاعل في حقل السياسة بين لبنان ومحيطه الخارجي، وهي ظاهرة قديمة العهد..

إن الواقع الذي يعيشه لبنان بصفة خاصة، منذ كان الكيان، يفرض على هذا البلد الصعب رجالات مؤهلين لأن يعالجوا الحالات الطارئة إذا ما فُرض عليهم اتخاذ مواقف قبل أن تكتمل معطياتها أو تتضح.

إن العمل الديبلوماسي يهدف بالدرجة الأولى الى إقناع الآخرين بأحقية المطالب وبخطة عمل إزاء الأحداث، والسعي الى <التوفيق بين الحزم والمرونة من جهة، وبين الغطرسة والتواضع من جهة أخرى، واللجوء الى التسوية عند الضرورة القصوى، شرط ألا تكون مخزية>، على ما ورد في كتاب المذكرات للراحل الكبير فؤاد بطرس.

ويتسم العمل الديبلوماسي بالسرية والكتمان وحصر المعلومات بعدد قليل من الأشخاص، وتمتع السفراء بمرونة كبيرة وحرية في العمل، وتكون تقاريرهم موضع ثقة واحترام من المسؤولين.

ومما لا شك فيه أن الديبلوماسية الجديدة تأثرت بالتطورات السياسية والتكنولوجيا المعاصرة وازدياد سرعة المواصلات الجوية والإلكترونية، وباتت تتطلّب رجالات أكثر دهاء وأكثر هدوءاً وأكثر حكمة وأكثر حزماً. وان الديبلوماسية بمفهومها الملتبس، لم تعد كافية لضمان الأمن والازدهار ما لم تكن مدعومة بعوامل القوة والمنعة الذاتية.

إن ما أسهم في تعقيد الأمور في لبنان هو التشابك والتفاعل بين المشاكل الدولية والإقليمية والداخلية مع ما تنطوي عليه هذه الأخيرة من تناقضات بسبب أوضاع لبنان الخاصة.

وليس سرّاً أن العجز السائد في التعاطي مع الأزمات الخارجية هو أحد أسباب الأزمة بل الأزمات المتلاحقة في الداخل.

إذ كيف لبلد أن يعالج قضاياه أياً يكن حجمها، وحكومته غير قادرة على اصدار بيان يحمي وحدته الوطنية إلا بعد عشرات الاتصالات الهاتفية بين أعضائها ومرجعياتهم، وأكثر من سبع ساعات لتعديل كلمة وإبدالها بكلمة أخرى؟

كيف لبلد أن يعالج علاقاته الدولية المأزومة فيما علاقة أعضاء حكومته بين بعضهم البعض مأزومة، وعملية التنسيق بين المعني الأول والمعني الثاني مأزومة وغير واضحة وملتبسة؟

وعندما تصبح احتمالات التصعيد واردة في ذروة الاشتباك الإقليمي، فإن أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه الاتصالات الداخلية هو التهدئة، وعدم دفع الأمور الى مأزق لا عودة عنه أو تفجير داخلي لا يوفّر أحداً، أو في أحسن الاحتمالات الى تسوية تكون هدنة بين أزمتين.

وإذا كانت عبارة <تمسكنا بالإجماع العربي في القضايا المشتركة الذي حرص عليه لبنان دائماً>، استلزمت نصف نهار من شدّ الحبال والمناورات في جلسة الحكومة الاستثنائية الاثنين الماضي، فإن الحذر سيكون سيد الموقف بعد ارفضاضها، وسيتمثل الهمّ في ما إذا كانت عملية التصويت للموقف اللبناني الرسمي ستجدي نفعاً وتحتوي <الزعل> الخليجي..

هل فوجئ الرئيس سعد الحريري بالتدبير السعودي والدعم الخليجي لهذا التدبير؟

من نظر الى وجه الرئيس السابق للحكومة لحظة صدور القرار السعودي أيقن أنه فوجئ جداً، وهو العائد للتوّ الى <ربوع> الوطن بعد غياب طويل، وهو أي الرئيس الحريري، معروف عنه أنه لا يجيد التمثيل ولا يستطيع إخفاء مشاعره.

من هنا، فإن البيان الذي أصدره مجلس الوزراء اللبناني بالإجماع وبعد طول مخاض، يبدو ووفق المعلومات المتوافرة، قد حظي بقبول المملكة العربية السعودية ورضاها، ما يؤشر لبدء مرحلة طي الأزمة.

ونُقل عن مصادر متابعة، ان الرئيس تمام سلام كان واثقاً من أن البيان سيلقى قبولاً سعودياً، وهو لم يكن ليقدم على هذه الخطوة مع أعضاء حكومته لو لم يضمن هذا القبول سلفاً، كذلك فإن البيان الصادر عن اجتماع 14 آذار مساء الأحد في <بيت الوسط> ودعوته الحكومة الى الانعقاد، ما كان ليحصل لو لم يتمّ التأكد من ضمان نتائجه.

وهكذا، وإذا صحّ ما يتوقعه كبار المراقبين، فإن خوف اللبنانيين من سقوط بلدهم في أية لحظة، زال في لحظة دقيقة، وان القطوع قد مرّ بفعل عدم وجود أي مصلحة خارجية أو داخلية في هزّ الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

ويبقى السؤال: هل جلسة الحكومة الاثنين الماضي، على هزالة الوضع اللبناني عموماً، أعطت زخماً للعمل الحكومي وأعادت الاعتبار إلى النقاش تحت سقف <المصلحة الوطنية> العليا وتفهّم الحساسيات العربية؟

يبدو أن أحداً لا يرغب بمغامرة أبعد من الواقع السياسي الحالي، وستبقى الحكومة ممسوكة ولن يتجرأ أحد على التفريط بها.

أما رئاسة الجمهورية فبحث آخر، ويبدو أن أوانها لم يحن بعد..