19 December,2018

لا اتفاق على رئيس جديد قبل 8 أيام من انتهاء ولاية سليمان...

جان-عبيد-ميشال-سليمان استمرار تعطيل جلسات الانتخاب نتيجة تشبّث القيادات بمواقفها يقدم «الخيار الثالث» على طاولة التسوية الإقليمية والدولية!

بعد ثمانية أيام بالتمام والكمال، يغادر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قصر بعبدا بعدما أمضى فيه 6 أعوام ليصبح الرئيس السابق الثاني عشر للجمهورية اللبنانية، من دون أن يكون قد سلّم ــ على الأرجح ــ الرئيس الثالث عشر للجمهورية مقاليد الرئاسة الأولى، لأن مجلس النواب لم يتمكن من انتخاب الخلف على الرغم من الجلسات المتتالية التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري وذلك نتيجة عدم اكتمال النصاب لتعذر الاتفاق على المرشح الذي يتمكن من جمع 86 نائباً لتأمين النصاب، و65 نائباً للفوز.

ولأن الأسبوع الماضي لم يحمل أي جديد على صعيد الاتصالات بين القيادات السياسية لكسر الجمود الذي خيّم على ملف الانتخابات الرئاسية، فإن القيادات سلمت على ما يبدو بمبدأ «الشغور» في الموقع الرئاسي الأول بعد 25 أيار (مايو) الجاري، وبدأت تتحرك لتفعيل حركة المشاورات تجاه الدول المؤثرة في الملف اللبناني علّها تتمكن من تأمين اتفاق على رئيس يوصف بـ«التوافقي» من بين الأسماء المتداولة من خارج «نادي الأقوياء» لا سيما وأن هؤلاء عطّل بعضهم البعض ولم تنفع ــ حتى الساعة ــ مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وتصريحاته وعظاته في أن يتجاوب «الأقوياء» معه إما بالاتفاق على «أحدهم» رئيساً، أو على مرشح يرضون به ليحمل مسؤولية الرئاسة الأولى 6 سنوات جديدة.

وقد أتت عودة السفير السعودي علي عواض عسيري إلى العاصمة اللبنانية بعد طول غياب لتزيد من فرص السعي إلى التفاهم على الرئيس العتيد، رغم أن السفير السعودي قد «نأى بنفسه» عن التدخل المباشر في ملف الاستحقاق الرئاسي وحرص على إبلاغ من التقاهم من السياسيين والدبلوماسيين أن لا تعليمات خاصة من حكومته بدعم هذا المرشح أو ذاك، بل تشجيع كل المساعي المبذولة لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل انتهاء ولاية الرئيس سليمان. وخلال الاحتفال الذي أقامته سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان السيدة انجلينا ايخهورست في دارتها في اليرزة لمناسبة «يوم أوروبا»، تحلق سفراء وسياسيون حول السفير عسيري الذي حضر الاحتفال ورحبوا بعودته أولاً، ثم طرحوا عليه أسئلة كثيرة ثانياً حول الملف الرئاسي اللبناني على أمل أن تحمل عودته «الترياق» ويتم الاتفاق على الرئيس العتيد. وقد سمع هؤلاء من السفير كلاماً عاماً كرر فيه ما سبق أن أعلنه مراراً عن «تشجيع» بلاده للاتفاق اللبناني ــ اللبناني على أمل أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن. أكثر من ذلك، «لام» السفير عسيري بعض السياسيين ــ من دون أن يسميهم ــ من ينسبون إلى مراجع مسؤولة في المملكة مواقف معينة حول الاستحقاق الرئاسي، ما جعل المستمعين إلى السفير من ديبلوماسيين وسياسيين وإعلاميين يستخلصون أن لا مبادرة سعودية في الوقت الراهن بل عمل على تأمين توافق لبناني على إنجاز الانتخابات وعدم حصول فراغ. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التوافق قد يتحقق قريباً وإن كانت صيغة «الخيار الثالث» بدأت تتقدم في حسابات بعض السياسيين والمرجعيات وبدأت تحظى بـ«تفهّم» من الدول المعنية الضالعة في الاستشارات الجارية على أكثر من خط.

عبيد وقهوجي يتقدمان «الوفاقيين»

وفي هذا السياق، قالت مصادر متابعة إن الاقتراح الذي يتم التداول فيه يقضي باستبعاد «المرشحين الأقوياء» من فريقي «8 و14 آذار» لصالح مرشح أو مرشحين اثنين يتم التداول في اسميهما على أمل أن ينال أحدهما «رضا» الطرفين فيتم انتخابه رئيساً وإذا لم ينل أي من الاثنين هذا «الرضا» يتم العمل على طرح اسمين آخرين وهكذا دواليك للوصول إلى الاسم المنشود، لا سيما وأن بورصة أسماء الوسطيين تشهد أسبوعاً بعد أسبوع إضافات في «مسترئسين» أداروا محركات اتصالاتهم مجدداً بعدما أيقنوا أن انتخاب أحد «الأقوياء» الأربعة ليس بالأمر السهل. وفيما يبرز اسم المرشح الوزير السابق جان عبيد في مقدمة أسماء «الوسطيين»، فإن ثمة من يعطي قائد الجيش العماد جان قهوجي نسبة عالية من الحظ في أن يخلف هو الآخر قائداً سابقاً للجيش في رئاسة الجمهورية، لا سيما وأن من يملك في النهاية القدرة على اتخاذ القرار، أي واشنطن وطهران، يضع مسألة «استمرار الاستقرار» في لبنان كأولوية لدى درس مواصفات الرئيس العتيد، والحديث عن الاستقرار الأمني يدلّ مباشرة على شخص قائد الجيش الذي لعب ــ ولا يزال ــ دوراً أساسياً في حفظ الأمن في لبنان و«ضبط» إيقاع سائر الجهات التي امتهنت في الفترة الأخيرة تعكير الأجواء الأمنية شمالاً وبقاعاً وجنوباً على حد سواء.

ويضيف هؤلاء أن التفاهم على اختيار العماد قهوجي وإن بدا ثنائياً (إيران ــ أميركا) إلا أنه في الواقع يبدو خياراً ثلاثياً بعد إضافة السعودية التي عبرت من خلال الهبة المالية التي قدمتها لتعزيز قدرات الجيش بأسلحة فرنسية، عن دعم غير مباشر لقائد الجيش الذي زار السعودية مرتين لتنسيق الهبة التي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار أميركي، ما مكّنه من التواصل مع مرجعيات في المملكة لها تأثيرها المباشر على القرار السعودي الذي سيصدر في النهاية عن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما «تستوي الطبخة» لبنانياً وإقليمياً ودولياً.

قهوجي-بري

 

وعلى الرغم من أن انتقال العماد قهوجي من اليرزة إلى بعبدا لم يصبح محسوماً بعد، فإن المصادر المتابعة ترى أن التأخير الحاصل في انتخاب الرئيس العتيد يصب في مصلحة العماد قهوجي لا سيما بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان حيث يصبح شرط استقالة الموظف الذي ينتخب رئيساً ساقطاً في ظل الفراغ الرئاسي، استناداً إلى سابقة الرئيس سليمان الذي انتخب من دون تعديل الدستور بفضل اجتهاد دستوري وضعه الوزير السابق بهيج طبارة بأن الفراغ يسقط المهل وتبناه الرئيس بري في حينه ولم يعترض عليه أحد ممن كانوا في الدوحة وشاركوا في إعداد «التسوية» والتوقيع عليها شخصياً.

«ضمانات» أعادت السفير عسيري

وفي الوقت الذي أدرجت مصادر متابعة زيارة السفير الأميركي «ديفيد هيل» للرياض في سياق «تنسيق» المواقف بين واشنطن والرياض حول «الخيار الثالث»، نقل مقربون من الرئيس سعد الحريري قوله أمام مسؤولين لبنانيين ان اسم العماد قهوجي ذكر خلال لقائه الأخير مع السفير «هيل» بوصفه إحدى الشخصيات المطروحة بقوّة للمنصب الرئاسي الأوّل، من دون أن يبدي الرئيس الأسبق للحكومة أي موقف واضح حيال هذا الأمر. وقد ربطت هذه المصادر بين عودة السفير «هيل» مجدداً إلى الرياض الأسبوع الماضي لمتابعة التشاور في الاستحقاق الرئاسي، وبين عودة السفير عسيري إلى بيروت ليكون التحرك الأميركي ــ السعودي منسقاً مع القيادات اللبنانية عندما تدعو الحاجة، لا سيما وأن عودة السفير السعودي ما كانت لتتم بقرار من القيادة السعودية، لولا حصول تقدم في الاتصالات السعودية ــ الإيرانية من شأنه أن يطمئن المسؤولين السعوديين إلى أن سلامة السفير عسيري ستكون مضمونة وقدرته على التحرك والتفاعل مع القيادات السياسية اللبنانية مؤمنة أيضاً تحت مظلة الحوار السعودي ــ الإيراني البعيد عن الأضواء، وإن كانت مفاعيله تصل إلى المعنيين من جهة وتُترجم «على الأرض» من جهة ثانية. ولعل الكلام الكثير الذي يتردد عن أن عودة السفير عسيري ستليها عودة للسعوديين خصوصاً والخليجيين عموماً خلال فصل الصيف المقبل إلى لبنان، ما يؤشر إلى أن هذا «التناغم» بين العودتين ليس مبنياً فقط على «نجاح» الخطة الأمنية التي نفذها الجيش في عدد من المناطق اللبنانية، بل على «ضمانات» سياسية توصلت إليها القيادتان السعودية والإيرانية.

وفي هذا السياق، لاحظت مصادر ديبلوماسية حراكاً بعيداً عن الأضواء على خط الرياض ــ حزب الله يتولاه عدد من الأصدقاء المشتركين في بيروت، يتمحور حول معرفة موقف الحزب من مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والخيارات التي يدرسها الحزب في هذا الإطار لا سيما إذا تعذر تأمين غالبية الثلثين لحضور جلسة ينتخب فيها العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية ومن هي الشخصية الوفاقية التي يمكن أن يرضى بها الحزب لتولي المنصب الرئاسي منعاً لحصول فراغ في الموقع الأول لا سيما وأن مسألة عدم حصول شغور هي التي تشكل هاجساً لدى الدول الكبرى التي تلقت طلباً واضحاً من الفاتيكان بضرورة العمل على عدم الوقوع في المحظور. ونُقل عن مصادر قريبة من حزب الله أن الجواب الأولي الذي نقل إلى المسؤولين السعوديين أن العماد عون هو المرشح الذي يحظى بدعم الحزب، وأي اسم آخر يجب أن يقترن بموافقة عون شخصياً ليحظى بالتالي بدعم حزب الله. وفي الجواب أيضاً ما خلاصته أن الاستحقاق الرئاسي اللبناني هو استحقاق وطني لكنه أيضاً استحقاق للطائفة المارونية الكلمة الأساسية فيه، وممثل هذه الطائفة بالنسبة إلى حزب الله هو العماد عون الذي يتمتع بالتمثيل الشعبي الواسع وبكل مواصفات «الرئيس القوي» الذي يستطيع أن يجمع بين التمثيل الصحيح والقدرة على اتخاذ القرار وحماية السلم الأهلي، وهذه الأدوار متداخلة لا تكتمل إلا بانتخاب «الأقوياء».

انكفاء فرنسي وعودة أميركية قوية

علي-عواض-العسيري-1

وأكدت المصادر الديبلوماسية لـ«الأفكار» أن واشنطن دخلت مجدداً على خط الاستحقاق الرئاسي من خلال سفيريها في بيروت والرياض، وذلك بالتنسيق مع السعودية وإيران، ما أدى إلى تراجع الدور الفرنسي الذي كان قد «طحش» في مراحل سابقة ثم انكفأ بعدما لعب «ورقة» التمديد للرئيس سليمان ولم يتمكن من توفير الدعم اللازم لها. وبالتالي فإن ما كان يصح سابقاً عن «تفويض» أميركي ــ عربي لباريس في الملف الرئاسي اللبناني لم يعد صحيحاً في هذه المرحلة ، والحراك الذي بلغ ذروته قبل أسابيع في اتجاه العاصمة الفرنسية تراجع بنسبة كبيرة خلال الأسبوعين الماضيين، رغم أن طهران تحرص على وضع باريس في صورة الاتصالات التي تجري معها في ما خص الانتخابات الرئاسية الفرنسية من خلال الديبلوماسي الفرنسي «فرنسوا جيرو» الذي كلفه الرئيس الفرنسي «فرنسوا هولاند» متابعة هذا الملف.

وترى المصادر نفسها أن الحراك الإقليمي والدولي على الخط الرئاسي اللبناني ليس مضبوطاً بالضرورة على إيقاع تاريخ 25 أيار (مايو) الجاري، وبالتالي فإن دخول لبنان في مرحلة الشغور بعد هذا التاريخ لن يشكل «مغامرة خطرة» كما يحلو للبعض أن يقول لأن الأمور «مضبوطة» إقليمياً ودولياً ولا خوف من أي مفاعيل سلبية، أمنياً أو سياسياً، لأن انتخاب الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية سيتم عاجلاً أم آجلاً، والدخول في الفراغ لا يعني استبعاد الانتخاب في أي لحظة عندما تنضج الاتصالات والمشاورات الإقليمية والدولية وهي أصبحت في مرحلة متقدمة… وفي اعتقاد المصادر نفسها أن التسوية الإقليمية للملف الرئاسي اللبناني لم تعد بعيدة لكنها ترتبط بشكل أو بآخر بملفات أخرى يتم التنسيق في شأنها مع مجموعة الدول الخمس + 1 التي تتولى التفاوض مع إيران على الملف النووي، في وقت تبدو فيه التطورات في سوريا تتجه نحو واقع جديد بدأت طلائعه من خلال الاتفاق على إجلاء المسلحين المعارضين للنظام من منطقة حمص وعودة سلطة النظام السوري إليها بشكل كامل، وستستمر بعد الانتخابات الرئاسية السورية التي ستعيد الرئيس بشار الأسد إلى قصر الشعب لولاية جديدة بالتزامن مع متغيرات ميدانية ورسم جديد لمناطق حيوية بجغرافيتها للنظام السوري، في مقابل مناطق أخرى تبقى فيها المعارضة السورية على قاعدة إحداث «ستاتيكو» ميداني جديد.