29 January,2020

لا أرقام دقيقة عن الأموال المهرّبة وعلى مصرف لبنان وهيئة التحقيق والمصارف أن تجيب!

 

لا يختلف اثنان على ان الأزمة السياسية الراهنة وما يرافقها من تحركات شعبية ما كانت لتأخذ هذا الحجم الكبير من القلق لو لم تكن الأوضاع الاقتصادية والمالية متدهورة على نحو خطير، ولو لم تكن أزمة المصارف قد هزت الثقة بالنظام المصرفي اللبناني الذي كان يقال عنه بأنه أقوى نظام في المنطقة، وإذ بالأحداث التي وقعت تظهر هشاشة غير مسبوقة تترجمت بتوقف المصارف عن دفع ما يطلبه الزبائن، ولجوئها الى تحديد المبلغ الذي يمكن تقاضيه يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، والحدّ من التداول بالدولار من خلال سحبه من آلات سحب الأموال آلياً (ATM).

واللافت ان كل الحلول التي قيل انها توضع لمعالجة الوضع المصرفي وإعادة الثقة إليه ولإنعاش العلاقة بين الزبائن والمصارف، لم تعطِ أي نتيجة عملية على رغم الوعود الكثيرة التي أطلقت في هذا الاتجاه من أكثر من مسؤول مالي أو سياسي. ولعل الاجتماع الذي عقدته لجنة المال والموازنة النيابية بدعوة من رئيسها النائب ابراهيم كنعان بحضور وزير المال علي حسن خليل مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف الدكتور سليم صفير الأسبوع الماضي، وما تم تداوله خلاله من ملاحظات وأفكار و<هجمات نيابية> لم ترحم المسؤولين الماليين الحاضرين، ما هي إلا الدليل على ان لبنان دخل اقتصادياً ومالياً مرحلة الخطر لأسباب متعددة لم تكن السياسة بعيدة عنها ما يؤكد النظرية التي تقول إن السياسة والاقتصاد صنوان بحيث لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى…

كثيرة هي المواضيع التي تطرقت إليها لجنة المال والموازنة النيابية مع المسؤولين المصرفيين، لكن النقطة الأبرز تمحورت حول التحويلات بالدولار الأميركي من لبنان الى الخارج والتي حصلت في بداية الأزمة، علماً ان الأرقام في هذا الصدد لا تستقر على مبلغ معين بل تراوح بين 4 مليارات و7 مليارات دولار من دون أن تكون لدى السلطات النقدية معلومات دقيقة ونهائية تضع حداً للجدل الذي نشأ حول <تهريب> الدولارات من لبنان الى الخارج، فيما أصابع الاتهام توجه الى أكثر من مصرف وشخصية سياسية وفي اتجاه عاملين مرموقين في القطاع المصرفي.

وعلى الرغم من وجود هيئة مختصة في مصرف لبنان لمتابعة الشأن النقدي وحركة التحويلات، هي هيئة التحقيق الخاصة، فإن المصرف المركزي لم يعطِ معلومات دقيقة حول واقع التحويلات الخارجية للدولار، واكتفت مصادر هيئة التحقيق الخاصة بالقول إن ملاحقات التجاوزات ومراقبة الأموال المشبوهة لا تزال مستمرة خصوصاً منذ شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي حيث حصلت عملية <هروب> أموال بالعملات الأجنبية وليس <تهريباً للأموال>، وهذا أمر مشروع ــ حسب مصادر الهيئة ــ ولا يتعارض مع النظام الليبرالي الحر، والمبلغ الذي <هرب> بلغ ملياري دولار منها لزبائن غير لبنانيين ومنها لمودعين لبنانيين أو لمصارف لديها التزامات خارجية، وبالتالي فإنه من المبالغة التهجم على مساهمي المصارف وكأنهم أخذوا أموالهم وهربوا ذلك ان رساميل المصارف التي تعود الى المساهمين تبلغ 24 مليار دولار! وتضيف المصادر نفسها ان الأموال خرجت بطريقة قانونية، وان كان يعتبرها البعض طريقة <غير أخلاقية> ومعيبة في ظل الظروف المالية الصعبة التي تمر بها البلاد، علماً ان الشبهة تكون عادة في مصدر الأموال وليس في حركة انتقالها.

 

85 حساباً بـ10 مليارات!

وتؤكد مصادر هيئة التحقيق ان 85 حساباً قيمتها 10 مليارات دولار ما زالت في لبنان، والقسم الأكبر منها موجود في منازل أو مؤسسات أصحاب هذه الأموال للتصرف بها عند الحاجة، وهذا ما يفسر رواج سوق بيع الخزنات الحديد على نحو غير مسبوق حيث تشكو المتاجر المعنية من عدم وجود كميات كافية من الخزنات المتوسطة والصغيرة الحجم لديها منذ بداية الأحداث وحتى اليوم… ومن لم يشترِ خزنة لجأ الى الطرق القديمة في <إخفاء> الأموال النقدية في اماكن آمنة في المنازل أو في الحدائق تحسباً لأي طارئ! وبالتالي فإن لا قدرة لهيئة التحقيق التفتيش في المنازل بحثاً عن دولارات مخبأة لـ<الحشرة>! علماً ان هذه الهيئة هي حسب القانون مرجعية قانونية تتولى ملاحقة التجاوزات والانحرافات المالية المحتملة ومراقبة الأموال المشبوهة وتأتيها طلبات التحقق حول أي شبهة نتيجة إخبار عالمي أو من النيابة العامة التمييزية أو المصارف وكتاب العدل ووحدات الإخبار المالية، وهي التي توافق على رفع السرية المصرفية عن الحساب المشتبه به…

إلا ان <تأكيدات> هيئة التحقيق ان المبلغ الذي تم تهريبه لا يتجاوز الملياري دولار لا تجد صدى ايجابياً لدى مراجع مالية أخرى تؤكد ان حجم الأموال التي خرجت هو أكثر من ملياري دولار نظراً للتراجع الكبير في حجم السيولة، وأن هناك ثغرات في القانون حيال تنظيم خروج رؤوس الأموال، إذ ان الاشكالية التي يطرحها البعض ليست في هوية من تولى التحويل الى الخارج وحجم ذلك، بل من أين أتى هؤلاء بهذه المبالغ وما هو مصدرها خصوصاً إذا كان المعني بالتحويل موظفاً أو رجلاً سياسياً…

سعر صرف الليرة!

 

في أي حال، ترك تعليق حاكم مصرف لبنان بعد انتهاء اجتماع لجنة المال والموازنة النيابية حول عدم يقينه بالمدى الذي سيبلغه سعر صرف الدولار في السوق السوداء ولدى الصرافين، قلقاً اضافياً لدى المواطنين الذين زادت شكوكهم حيال وضع الليرة وقدرتها على جبه الضغوط التي تتعرض لها. وأتى تأكيد الحاكم لاحقاً بأن سعر الدولار في المصارف سيبقى مستقراً عند مستواه الحالي المعلن رسمياً في البنك المركزي، ليطمئن ــ وإن بنسبة قليلة ــ قلوب المودعين الخائفين على ما جمعوه خلال سنوات عمرهم من مردود قد يصبح في لحظة من اللحظات من دون قيمة فعلية إذا ما ارتفع سعر الدولار قياساً الى الليرة اللبنانية. والى ذلك حرص الحاكم سلامة على نفي كل ما يشاع عن توجه لدى القطاع المصرفي لحظر التعامل بالدولار النقدي مع الزبائن وحصر التعامل ببطاقات الائتمان والشيكات والتحاويل المصرفية، كما أكد انه ليس ثمة نية في وقف مد العملاء بالدولار في السنة الجديدة، ولا صحة بالتالي لما يشاع عن تحويل قسري للودائع بالدولار الى الليرة اللبنانية…

إلا ان كل ما يقال من تعليقات وتصريحات بهدف <الطمأنة> و<تبديد القلق> لا يفعل فعله لدى المواطنين الذين يزداد قلقهم نتيجة تدهور سعر صرف الدولار في الفترة الأخيرة وفي الآتي من الأيام وما مدى قدرة الدولة ومعها المصرف المركزي على ضبط تفلته. وفي هذا الإطار يقول عدد من الخبراء الماليين ان سعر الدولار يمكن أن يرتفع في ظل حاجة التجار إليه لتمويل مستورداتهم واضطرارهم الى اللجوء للسوق السوداء لتأمينه بأسعار مرتفعة، ولكن هؤلاء الخبراء يعولون على الحكومة العتيدة لضبط الأمور والأسواق الموازية لصرف العملة ووضع خطة عملية وجدية للمعالجة. وثمة من يرى ان ارتفاع الدولار أو هبوطه يرتبطان بقدرة القطاع المصرفي ومصرف لبنان على تأمين السيولة للتجار الذين يضطرون حالياً الى اللجوء للسوق السوداء، وإلا فإن القطاع سوف يشهد ارتفاعاً كبيراً في سعر صرف الدولار نظراً الى الطلب الكبير عليه من التجار والصناعيين.

وفي الوقت الذي يطمئن فيه حاكم مصرف لبنان الى ان البنك المركزي يعمل على معالجة الأزمة <تدريجياً> معلقاً الآمال على ان تساهم قرارات زيادة رأس مال المصارف في تحسين الأوضاع، فإن ثمة خبراء يرون ان الاجراءات التي على مصرف لبنان أن يتخذها كافية لتأمين السيولة المطلوبة ــ من دون إغراق السوق كما كان يحصل سابقاً ــ إضافة الى إعادة تنظيم القطاع المصرفي من خلال اجراءات تؤمن الشفافية ومحاسبة المصارف على كل القيود التي فرضتها. وهناك من يرى في المقابل، ان الفراغ في القرار السياسي والاقتصادي يطلق امكانية حدوث تدهور حاد في سعر الليرة، لاسيما وان تاريخ لبنان الحديث شهد تدهوراً لليرة لاسيما خلال الحرب الأهلية وبعدها. مع الإشارة الى ان لبنان سُدت في وجهه <حنفيات> كانت مفتوحة خلال ربع قرن وتجلت بالاستثمار الأجنبي المباشر وتحاويل المغتربين وصادرات الخدمات فضلاً عن دفعات متتالية من القروض التي أدخلت العملة الصعبة الى البلاد. أما الآن فإن الواقع المؤلم يؤكد ان معظم هذه المصادر لم تعد متوافرة، في وقت يستمر اللبنانيون في استيراد حاجاتهم من الخارج. من هنا يرى الخبراء ضرورة أن تعمد الحكومة العتيدة الى ترشيد الاستيراد ولاسيما الاستيراد الاستهلاكي، وإخضاع تجارتنا الخارجية لدراسة مفصلة للتخفيف ما أمكن من المستوردات غير الضرورية.

فهل من يسمع ويستجيب؟