28 November,2020

كيف يمكن للبنان تفادي فخ صندوق النقد؟

 

بقلم خالد عوض

رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب: في يده أقوى صلاحية… الإستقالة

هل تسرع لبنان في الدخول في مفاوضات مع صندوق النقد قبل التأكد من استعداد الدول المانحة الأخرى للمساعدة في حال وافق الصندوق؟ وهل هناك خطة ألف مع الصندوق وخطة باء في حال تعثرت المفاوضات مع الصندوق؟ 

ينطبق اليوم على لبنان القول المعروف: الدخول في المفاوضات مع صندوق النقد ليس أبدا كالخروج منها. ففشل المفاوضات مع الصندوق يعني إستحالة أي مساعدة أخرى، والدخول في نفق مزيد من انهيار العملة المحلية، وشح الإستثمارات الأجنبية والتحويلات الخارجية، وعجزاً غير مسبوق في ميزان المدفوعات. ونجاحها يعني في النهاية القبول بشروط سياسية لا الحكومة ولا مكوناتها الحالية قادرة على تطبيقها، أقلها ضبط الحدود مع سوريا بل ربما تصل إلى محاصرة حزب الله سياسيا في لبنان. 

 

الشيطان أصبح فجأةالحاج خلاص؟

منذ شهرين وخلال تحضير الحكومة اللبنانية للخطة المالية نصح رئيس المجلس النيابي نبيه بري الحكومة بالذهاب إلى صندوق النقد الدولي للمشورة وأخذ النصائح… فقط. كان الموقف السياسي الضاغط يومها هو ضرورة تجنب أن يكون الصندوق مصدرا للإنقاذ رغم أهمية الإستماع إليه والإستفادة من خبراته، وتلازم ذلك مع إستمرار البحث الجدي عن بدائل. ولكن فجأة ومن دون أي تفسير أو تبرير سياسي أو مصارحة للبنانيين أصبحت الحكومة اليوم في صلب المفاوضات مع الصندوق، رغم أن الأخير لا زال يستوضح ويستفهم ويتحفظ. لماذا تحول الموقف السياسي من معارض شرس للصندوق إلى مفاوض طيع يستمع إليه الوفد اللبناني مثل التلميذ النجيب بل يسبق الصندوق في أقصى ما يمكن أن يطلبه منه؟

هناك واقع مالي ومقاربة سياسية إقليمية لتفسير شبه الإنبطاح اللبناني المالي أمام الصندوق. ماليا، وصلت الحكومة وخاصة رئيسها الدكتور حسان دياب إلى خلاصة مريرة، ليست بالضرورة صحيحة، وهي أن الصندوق هو الملاذ الوحيد المتاح لأن كل البوابات الأخرى موصدة أمامها، وهذا حتى قبل أزمة الوباء. أما سياسيا، فبدأت تظهر منذ مدة ملامح تهدئة بين إيران والولايات المتحدة، منها عدم حجز الأميركيين لإحتياطات مالية إيرانية في بعض المصارف الدولية من جراء بيع النفط والغاز، وتمديد المهلة الزمنية لإستمرار إستيراد العراق للغاز الإيراني لسد الحاجة الكهربائية الملحة، ثم قبول إيران بمصطفى الكاظمي الرئيس السابق للمخابرات والمدعوم أميركيا على رأس الحكومة العراقية. إنعكس تخفيف التوتر الإقليمي على لبنان من خلال قبول حزب الله بالتفاوض مع الصندوق لجس نبض الأميركيين في خياراتهم اللبنانية المستجدة. في هذا الوقت وفي عز الأزمة الوبائية حطت طائرة وزير الخارجية الأميركية “مايك بومبيو” في تل أبيب قبل حتى أن تنال الحكومة الإسرائيلية الجديدة الثقة، لتعكس رغبة الأميركيين في تخفيف التوتر مع إيران من خلال الحد من الضربات الإسرائيلية لسوريا أو ضبطها حتى لا تنزلق إلى حرب، على الأقل خلال الفترة الحالية.

الحكومة تعض أصابعها أم تعد أسابيعها؟

السفيرة الأميركية في لبنان “دوروثي شيا”: مكتوب الإصلاح من الصعب قراءته مع حكومة حسان دياب ووزرائها

في هذا الوقت جالت السفيرة الأميركية الجديدة “دوروثي شيا” على رئيس الحكومة وبعض الوزراء لتستشف قدرة هذه الحكومة على إدارة الحل، إن هو تبلور. ويبدو من خلال غياب الموقف الأميركي حيال لبنان في الفترة السابقة أن إدارة “ترامب” اعطت فرصة كافية لحكومة حسان دياب، ولكن النتائج الإصلاحية التي كانت متوقعة ثم الانطباعات الأولية للسفيرة كانت ولا تزال غير مشجعة، بل بدأ يتكون عند الأميركيين، وغيرهم في الغرب، إستنتاج شبه حاسم أن هذه الحكومة وأعضاءها لا يتمتعون بالقدرة التنفيذية ولا بالمناعة السياسية والشعبية التي تؤهلها لإجترار الحلول. وهذا الإنطباع بدأ يتكون هو نفسه اليوم عند صندوق النقد الذي يعرف أن الغطاء السياسي هو شرط أساسي يجب أن يتوفر قبل أي مساعدة. لذلك أصبح أمام الحكومة نافذة ضيقة جدا لشراء الوقت من خلال إحداث الصدمة الإيجابية أي من خلال إنقلاب إصلاحي جدي. فأمام الحكومة ثلاث جبهات: واحدة دولية من خلال صندوق النقد الدولي والتبعات السياسية لها، وواحدة أخرى سياسية مع الجسم الحاكم في البلد والذي هو موجود بقوة داخلها ويتحكم بالقرار النيابي، والجبهة الثالثة هي مع الشعب الذي قال كلمته في ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩ والذي قال رئيس الحكومة حسان دياب أنه جاء بإسمه! وعلى الحكومة أن تنتصر في الجبهة الثانية حتى تنتصر في الجبهتين الأولى والثالثة، أي يجب أن تنقلب أولا على الذين ساهموا في مجيئها وتفتح كل الملفات وتؤسس لإصلاح إداري جذري وتأخذ إتجاهاً سياسياً واضحاً. من دون ذلك ستكون الحكومة في فترة العد العكسي لوجودها مهما حاولت تجميل المشهد. على الدكتور حسان دياب أن يختار خلال اسابيع وليس شهور، إما وقف التخاذل وسحب مبضع الجراح أو الإستقالة الطوعية وحفظ ما تبقى من ماء الوجه أو الخروج بالحجارة و… البيض والبندورة. 

 

شوك وعوسج الإصلاح أخف من ساطور الصندوق  

الرحلة إلى ومع صندوق النقد الدولي هي الدخول في الرمال المتحركة. “ما حك جلدك مثل ظفرك” هو الطريق إلى الحل. القرار بالمحاسبة يجب أن يصدر عبر الحكومة وليس من أي مكان آخر. هي لا تحتاج إلى صلاحيات فمعها أهم صلاحية وهي حق الإستقالة ومصارحة الناس عندما يعرقلها الذين يعرقلون. من دون ذلك تكون ادخلت البلد كله رهينة عند صندوق النقد الدولي وطلباته التي لن تبقي من السيادة، ولا من العملة الوطنية، أي شيء. لنأخذ برنامج صندوق النقد الإصلاحي فقط، من دون أي مال من الصندوق ومن دون أن نلتزم بكل بنوده بشرط أن نلتزم الخطوات الإصلاحية التي سيتضمنها. 

لبنان أغنى بكثير من ٩٠ مليار دولار أي مجموع الدين العام أو ٥ مليارات دولار الذي هو أقصى ما يمكن للصندوق أن يقرضنا إياه. وإذا لم تعرف الحكومة، رغم كل الخسائر على مدى عقود، أي ثروة هي اليوم بيدها من خلال مقدرات لبنان الطبيعية وقطاعاته التي لا زالت كلها في يد الدولة وطاقاته البشرية اللامحدودة والوجود الفاعل لمغتربيه، فمن الأجدى لها أن تتنحى قبل أن تسلم البلد إلى وحش صندوق النقد.