12 December,2017

كيف يمكن إرجاع الأموال التي أخذها العالم من المنطقة العربية؟

 

بقلم خالد عوض

o-DONALD-TRUMP-facebook 

العالم يغلي. ليس فقط من خلال تغريدات الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الساخنة بل من طريقة تطور الأحداث، السياسية والاقتصادية.

هناك أولاً الكباش الإعلامي الأميركي الكوري الشمالي الذي ضخت فيه الأمم المتحدة مزيداً من السخونة من خلال قرار العقوبات الأخير رقم ٢٣٧١ ضد دولة <كيم جونغ أون> المارقة. رغم كل التشنج في المرات السابقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية كان ضبط النفس هو سيد الموقف. ولكن بوجود <ترامب> في البيت الأبيض تبقى كل الاحتمالات التصعيدية واردة.

حتى أصبح السؤال اليوم من يمكن أن يطلق الرصاصة الأولى بعد أن اقتربت التهديدات بين الطرفين من نقطة اللاعودة. ولكن كل مجريات الأحداث تدل أن الولايات المتحدة ستلجأ في النهاية إلى الصين لردع الرئيس الكوري من القيام بعمل جنوني حتى لا تتحول المسرحيات الإعلامية بينه وبين <ترامب> إلى مبارزات باليستية تأخذ شرق آسيا كله إلى المجهول. وفي يد الصين اليوم أن تصبح راعية سلام دولي تطفئ من خلاله الخطر الكوري والتفلت <الترامبي>، أو أن تكون شاهدة سلبية على تصعيد ضد كوريا لا تحمد عقباه. في جميع الأحوال الصين هي مفتاح الحل في الأزمة مع كوريا وليس أي طرف آخر، أكان هذا الحل عسكرياً أو ديبلوماسياً.

هناك في موازاة كل ذلك حماوة اقتصادية غير مسبوقة. الأسواق المالية تحقق مستويات قياسية، مؤشر <الداو جونز> تجاوز ٢٢٠٠٠ نقطة أي أكثر من مرة ونصف ما كان عليه قبل أزمة عام ٢٠٠٨. الأسهم في آسيا وأوروبا متجهة صعوداً بزخم لم تشهد مثله منذ سنوات طويلة. مستويات البطالة في معظم دول الغرب في الحضيض. ولكن في الوقت نفسه قارب مستوى الدين الأميركي العشرين ألف مليار دولار أي حوالى ١٠٥ بالمئة من الناتج المحلي. المفارقة هذه المرة أن سندات الخزينة الأميركية التي تحملها الصين لا تزيد عن ٤ بالمئة من الدين العام الأميركي بينما كانت أكثر من  ١٢ في المئة منذ عشر سنوات. أي أن الولايات المتحدة لم تعد تتأثر كما في السابق بقدرة الصين على الضغط عليها مالياً.

هناك عدة نظريات حول انتفاخ الدين الأميركي، منها أنه لا يمكن للولايات المتحدة التعايش مع مستواه المتزايد خاصة في ظل استمرار صعود الفوائد على الدولار وعدم تحقيق النمو <الترامبي> الموعود. وبالتالي فإن الدين العام الأميركي فقاعة مالية كبيرة يمكن أن تنفجر في أي لحظة وبعدة أشكال: إما عن طريق عرقلة حاسمة من الكونغرس للموازنة أو إجراءات تقشفية قاسية في الداخل الأميركي أو أي صورة مالية أخرى من إجراءات لجم الدين. في المقابل هناك رأي آخر يقول إن الدين العام الأميركي هو بجزء كبير منه داخلي، فالاحتياطي الفيدرالي هو دائن بحوالى الخمس وجزء كبير آخر منه هو دين لمؤسسات أو صناديق حكومية أميركية ولذلك لا تأثير  لوصوله إلى هذا المستوى.

Kim-Jong-Un-7 حتى أوروبا ودولها الغارقة في الديون فإن كل المؤشرات تؤكد أنها تتعافى من الأزمة وأنها في طريقها الى تحقيق نمو ملموس خاصة في ظل استمرار سياسة التحفيز المالي التي ما زال يبقي عليها رئيس البنك المركزي الأوروبي <ماريو دراغي>.

إذا كانت الأمور المالية والاقتصادية مستوية الى هذا الحد في الغرب، رغم كم الديون،  وهي أساساً جيدة في آسيا، ما الذي يمنع قيام مشروع دولي لإعادة اعمار الشرق الأوسط ولماذا هناك غياب تام لأي مبادرات في هذا الإتجاه؟ لماذا لا يجتمع مجلس الأمن، في ظل اندحار <داعش>، ليعلن عن مبادرة عالمية لمحو الإرهاب عن طريق الإنماء والإعمار بدل الاكتفاء بالقضاء عليه عسكرياً؟ نسمع الكثير عن ضرورة محاربة <الفكر> الإرهابي ولكن الإجراءات على الأرض شبه معدومة. انظروا إلى آلاف العائلات الموصلية المشردة أو إلى ملايين النازحين السوريين الذين يبيتون سنتهم السادسة بلا سقف؟ أليس فيهم الغضب الكافي لتولد بذور الإرهاب في اولادهم؟

كم من المال حصلت عليه شركات السلاح الغربية والصينية والروسية من الشرق الأوسط خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة؟ على الأقل ألف مليار دولار، حسب معظم التقارير الصادرة عن معاهد ومؤسسات غربية. هذه الأموال ساعدت الغرب في الخروج من أزمته المالية. لو عاد خمس هذه الأموال إلى الشرق الأوسط من خلال مبادرة اعمارية دولية لكنا اليوم ننظر إلى عراق وسوريا مختلفين.

إذا كان هناك من دور أو داع للجامعة العربية اليوم فهي أن تدعو إلى اجتماع طارئ لكل الدول العربية لوضع خلافاتها جانباً والتركيز على ترتيب مبادرة عابرة للقارات لإعادة اعمار المنطقة العربية. الغرب حصد الكثير من المنطقة وها هو يخرج من أزمته المالية، مستمداً بعض نموه من التدفقات المالية القياسية الآتية من السلاح الذي بيع عندنا أو من ثروات عربية تستثمر في اقتصاده وتؤمن مئات آلاف الوظائف لشعبه. كل المطلوب منه أن يسدد جزءاً يسيراً مما جناه من عندنا. عندما يعلن عن مشروع إعادة اعمار ضخم في سوريا أو العراق لن تعود هناك مشكلة نازحين لأنهم سيزحفون إلى بلدهم بحثاً عن رزق هم أحق به. فهم اليوم أكبر مصدر لعمالة إعادة الإعمار. ولذلك فإن إطلاق ورشة إعادة اعمار شاملة في الشرق الأوسط كفيل بحل عدة مشاكل في آن واحد.

المسؤولية تقع على العرب أولاً، والمبادرة يجب أن تأتي منهم. فلتكن هذه بشكل صندوق دولي لمحاربة الإرهاب بقيمة ٥٠٠ مليار دولار، تطلب الجامعة العربية، بإجماع دولها الإثنتي والعشرين، من مجلس الأمن والأمم المتحدة أن تكون حصة العالم الغربي واسيا أكثر من ٩٠ بالمئة منها.

من غير العدل أن يظل طريق سلاح العالم هو باتجاه واحد، أي إلى الشرق الأوسط، وأن يكون طريق الثروات العربية باتجاه واحد أيضاً… إلى الخارج.