18 November,2018

كيف يمكن أن يساهم لبنان في استئصال الفكر الداعشي؟

هناك عدة اشارات ميدانية تؤكد أن مرحلة توسع <داعش> انتهت، على الأقل عسكرياً. وهذا رغم استمرار مجيء المزيد من الشباب المسلم من كل أقاصي الأرض عبر مطار <أضنة> التركية ليحاربوا في صفوف التنظيم. لا يعني ذلك أن Riad-salamé-1<داعش> لن يحتل بعد اليوم منطقة من هنا أو قرية من هناك ولكن جل تركيزه سيكون على كيفية  إدارة المناطق التي يسيطر عليها ويحفظها. وبالرجوع إلى تقارير المراسلين الأجانب الذين دخلوا إلى عمق حدود التنظيم إما خلسة أو بعد مفاوضات شاقة معه، فإن  بعض المناطق تطبعت مع الوضع تحت <داعش> وأخرى تتململ يوماً بعد يوم وتنشأ فيها تيارات <مقاومة سلمية> تقتصر حتى الآن على رفض التعاون الميداني مع سلطة التنظيم.

ولكن كل الأخبار الآتية من مناطق <داعش> تؤكد أمراً واحداً. الفكر <الداعشي> ليس على انحسار بل هو يتجذر. الفكر القائم على صوابية التمذهب الراديكالي وعلى تكفير الآخر ورفض وجوده لا يزال يوحد معظم سكان مناطق <داعش>. أحد الأسباب المهمة لذلك هو غياب البديل الأفضل: بشار الأسد؟ نوري المالكي؟  حزب الله في لبنان الذي يتحمل جزءاً غير بسيط من الحالة السياسية والاقتصادية المتراجعة التي وصل إليها البلد؟ الباجي قائد السبسي في <تونس> المعرضة إلى انقسام داخلي حاد؟ حتى عبد الفتاح السيسي رغم رؤيته الواضحة لم يتمكن حتى اليوم من توحيد المصريين حول شكل مستقبل بلدهم.

الفراغ ليس فقط سياسياً في العالم العربي. هناك فراغ فكري وثقافي يمثل المنطلق الأساس للفكر الداعشي وأشباهه. الهروب إلى التزمت الديني هو تحصيل حاصل عندما يصبح الدين وحده منارة الفكر والثقافة والمجتمع بدل أن يكون مرجعاً أخلاقياً في المقام الأول.

الربيع العربي فشل لأنه لم يواكب بثورة فكرية وثقافية. الأنظمة قمعت الأدمغة العربية والتكنولوجيا شلتها. ثم جاء الإعلام المرئي الفضائي ليعيث فيها فراغاً. في الغرب والصين واليابان وروسيا وكوريا وبلدان نامية كثيرة مراكز أبحاث علمية ونووية وهندسية وإعلامية وطبية بينما العالم العربي ينفق أقل من نصف بالمئة من ناتجه المحلي الكلي على الأبحاث (إسرائيل تنفق ما يزيد على 4 بالمئة). هم يمكن أن يلتهوا بعض الشيء بالأيقونات الفنية والصوتية على شاشاتهم. كم عالم أو أديب أو مثقف مسلم أو عربي فاز بجائزة <نوبل> منذ 1901 عندما أعطيت أولى هذه الجوائز وحتى اليوم؟ الرقم مخيف. أقل من واحد بالمئة من العرب والمسلمين نالوا هذه الجائزة منهم الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ،  مع أنهم يشكلون

حسن-خليل

أكثر من 20 بالمئة من العالم. عدد الفائزين في جوائز الفن التلفزيوني في العالم العربي يزيد عن عدد العرب الفائزين بجوائز <نوبل>.

الولايات المتحدة ستتمكن من وقف تمدد <داعش> عسكرياً. ومن غير المفيد الإنكار أن تدخلها حد من انتشار <داعش». هناك من سيقول انها وراء بروز <داعش>. هذا ذر للرماد في العيون. ربما عرفت كيف تستفيد منه ولكنها لم تنشئ الفكر الداعشي المنبثق من الفقر والبطالة والظلم وسوء الإدارة السياسية على مدى عقود. وهو اليوم يحيا بسبب الفراغ الفكري والثقافي القاتل. ولا يلومن أحد الأميركيين على دعم أي نظام قمعي في الماضي أو غض الطرف عن نشوء <داعش> أو غيرها. الولايات المتحدة فعلت أسوأ من ذلك في ألمانيا واليابان وكوريا وفيتنام. يكفي النظر إلى هذه الدول اليوم ليتبين حجم المسؤولية التي يتحملها الشعب العربي لأنه ارتضى الفساد كبديل للعدل. أميركا أوقفت <داعش> ولكنها لن تتمكن من إلغائه. من الصعب نعتها بالشيطان الأكبر بعد اليوم. سيكون ذلك سخيفاً ومضحكاً. ولكن مسؤولية إزالة  هذا الفكر وأسباب وجوده تقع على عاتق القيادات السياسية عن طريق توفير البيئة الملائمة والحوافز الفعالة لإنبعاث ثقافي وفكري وعلمي.

البداية يمكن أن تكون من لبنان، وتحديداً من موازنة 2015 التي يريد وزير المال علي حسن خليل أن يحملها سلسلة من الضرائب. وبما أنه وعد باستعادة مئات ملايين الدولارات المهدورة في الجمارك والدوائر العقارية نتمنى أن يقترح تخصيص جزء من ذلك في الإستثمار البحثي. إذا أردنا مجاراة إسرائيل يجب إنفاق حوالى ملياري دولار أي ما يقارب 4 بالمئة من الناتج المحلي في البحث والتطوير (R&D). الرقم حالياً يساكن الصفر. ويمكن لوزير المال والحكومة أن يضعا حجر الأساس في بناء لبنان واعد عن طريق تخصيص 200 مليون دولار في 2015، أي عشر ما علينا أن ننفقه لنتشبه باليابان أو جارتنا العدوة.

هناك فرصة تاريخية للعالم العربي أن يعيد إكتشاف نفسه عبر مهمة إستئصال <داعش>. لن تكون المهمة سهلة وتحتاج إلى تفكير من نوع مختلف عن السائد حالياً.  يمكن أن يكون لبنان السباق في ذلك بسبب القاعدة الجامعية والتربوية التي يتمتع بها. والبداية لا تكون فقط برفع الضرائب على الودائع وعلى القيمة المضافة لتخفيف العجز كما يقترح وزير المال، بل بإرساء نمط إنفاق على البحث والتطوير، وتنمية الأطر التي تسمح بانتفاضة فكرية وثقافية تصبح أكثر جاذبية للشباب اللبناني والعربي من <الأيقونة العربية> أو <الصوت>.