19 December,2018

كيف يجب أن تتعامل دول العالم والمنطقة مع السعودية الجديدة؟ 

بقلم خالد عوض

محمد بن سلمان

السعودية تستعد بجدية لأن تصبح واحة استثمارية عالمية. المشاريع العملاقة التي تهيئها لا يمكن أن تبصر النور من دون استثمارات دولية كبيرة.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يقود ربما أصعب مرحلة في تاريخ المملكة الحديث، وهي ما أصبح يسمى بمسار <الخروج من النفط>. لم يعد هذا التوجه شعارا أو ضرورة فحسب بل أصبح في شكل خطة اقتصادية متكاملة يستلزم تطبيقها عقدين من الزمن ودعما دوليا حقيقيا. جولته العالمية الحالية تصب في هذا الإتجاه، أي إقناع الدول الكبيرة بأن السعودية يمكن أن تكون الوجهة الاستثمارية المفضلة في العالم.

لماذا تصر السعودية على الإستقلال اقتصاديا من مداخيل النفط مع أن الطلب العالمي عليه سيستمر بالنمو ولو بتباطؤ حتى ٢٠٤٥ وهذا إستنادا إلى كل الاحصاءات والدراسات العالمية؟ وماذا يتطلب ذلك منها حتى تنجح؟

 

السعودية من أكبر المستهلكين للنفط في العالم

 

هناك أولا الطلب الداخلي السعودي على النفط والذي وصل إلى حوالى ٤ ملايين برميل يوميا أي أكثر من ثلث إنتاج المملكة. ورغم محاولات ترشيد إستهلاك الطاقة وتخفيف الدعم على المحروقات إلا أن الطلب الداخلي سيستمر بالإرتفاع نظرا إلى الإزدياد السكاني المستمر وإلى الاعتماد الكامل على تحلية مياه البحر وإلى الحاجات الصناعية والعمرانية المتطورة في المملكة. وعند وضع الإستهلاك النفطي الداخلي السعودي المتزايد في سلم الطلب العالمي، يتبين أن السعودية تستهلك كمية من النفط أقل بقليل جدا من اليابان وأكثر من ألمانيا (استهلاكها حوالى مليونين وأربعمئة ألف برميل يوميا) وأكثر من بريطانيا وفرنسا مجتمعتين (مليون وستمئة ألف برميل لكل منهما) وحتى أكثر من روسيا (ثلاثة ملايين ومئتا ألف برميل يوميا). في الواقع السعودية هي خامس أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والصين والهند واليابان. هذا المستوى غير المستدام من الإستهلاك يقضم الثروة الطبيعية السعودية ويحرمها من مداخيل تصدير غير قليلة، لذلك هناك دراسات حاليا لإنشاء محطات للطاقة النووية ولزيادة كبيرة في إنتاج الطاقة الشمسية حتى لا يزيد الطلب الداخلي على النفط… من دون هذا التنوع في مصادر الطاقة ومن دون سياسة ترشيد حازمة، يمكن أن تستهلك السعودية معظم انتاجها النفطي مع حلول عام ٢٠٣٥.

 

النفط من النعمة في الماضي إلى اللعنة في المستقبل

سعد الحريري  

بالإضافة إلى مشكلة الإستهلاك الداخلي هناك مسألة النمو الاقتصادي الذي ما زال يتأثر مباشرة بأسعار النفط. ترتفع الأسعار من هنا، يحل النمو معها. لا شك أن بسبب النفط اصبحت السعودية من أكبر ٢٠ اقتصادا في العالم وسبقت سويسرا والسويد. ولكن عندما تهبط أسعار النفط كما حصل عام ٢٠١٥ يتراجع الاقتصاد بحدة وتزداد البطالة بوتيرة سريعة ويصيب القلق السعودية كلها. هذا الحال المتقلب يهدد مستقبل المملكة لأن الاعتماد على النفط في ظل مستوى متزايد من التنافسية العالمية والسباق على الإنتاجية والتطور التكنولوجي غير المسبوق يهدد مستقبل الشباب السعودي الذي يشكل أكثر من ثلثي السعوديين. على رأس هؤلاء الشباب اليوم ولي العهد الذي يدرك أن النفط لم يعد ثروة وطنية بقدر ما هو عبء على الاجيال السعودية التي أمامها تحديات كبيرة حتى تحسن مستوى عيشها.

 

رحلة البحث عن الاستثمارات

ما هي الآلية التي يسعى الأمير محمد من خلالها للخروج من اقتصاد النفط؟ الدراسات التي بين يديه تشير إلى أن تنويع مصادر الدخل السعودي من خارج الواردات النفطية يستلزم استثمار آلاف المليارات من الدولارات في الداخل السعودي بين الآن وعام ٢٠٣٠، وإذا عرفت هذه الأموال طريقها الصحيح إلى داخل المملكة يمكن أن يستقل الاقتصاد السعودي عن النفط بأكثر من ٥٠ بالمئة قبل حلول ٢٠٣٠. ولذلك مطلوب أكثر من ٢٠٠ مليار دولار سنويا من الاستثمارات المباشرة في قطاعات غير نفطية مثل التعدين والصناعات التحويلية والتجارة والسياحة والبناء والإعمار والخدمات الصحية. جزء من هذه المداخيل سيأتي من النفط ولكن إذا لم تتمكن المملكة من استقطاب رؤوس أموال اجنبية فلن تنجح خطة التنويع. والمطلوب أيضا إلى جانب المال، الخبرات والقدرات الصناعية والتكنولوجية، ولذلك بحث ولي العهد في بريطانيا والولايات المتحدة عن دعم حقيقي له في تحفيز الاستثمارات إلى المملكة.

الأمير محمد بن سلمان في سباق مع الزمن. هو يعرف أن رخاء شعبه لن يتحقق بعد اليوم مع الذهب الأسود ولا بد من الاستثمار الجدي في الإنسان السعودي، كما يعلم أن عدد السعوديين سيصبح أكثر من ٤٠ مليون نسمة خلال ١٥ عاما وهذا سيتطلب مدنا جديدة بحجم الرياض وجدة، ولذلك فإن استراتيجيته الاقتصادية والإنمائية هي الطريق الوحيد للإستمرار كقوة إقليمية وعالمية لها وزنها المالي والسياسي. المسيرة صعبة وطويلة ولكن الأكيد أنها انطلقت فعليا.

التحول الاقتصادي السعودي يمكن أن يكون فرصة حقيقية للمنطقة العربية كلها، ولكن يجب أن تعتاد الدول العربية، مثل لبنان، التي تأمل دائما بدعم سعودي أن السعودية لها اجندة كبيرة ومعقدة خاصة بها. وحتى تنتبه إليها يجب على هذه الدول أن تثبت قدرتها على أن تكون جزءاً من هذه الاجندة وليس عبئاً عليها.