13 December,2019

كيف طار الغطاء الدولي عن لبنان؟

 

بقلم خالد عوض

منذ بداية سنة ٢٠١٩ قررت الولايات المتحدة مواجهة إيران بسياسة الضغط الأقصى (Maximum Pressure Policy). خلال هذه المواجهة كانت هناك خطوط حمر عديدة ومعلنة من الطرفين. فبالنسبة للأميركيين مثلا، أهم خط أحمر كان تجنب أي حرب عسكرية مهما زادت الضغوط والاستفزازات. في المقابل، كان رفض التفاوض المباشر أو غير المباشر قبل رفع العقوبات هو خط أحمر إيراني لا يتزحزح. ومن بين تلك الخطوط الحمر كان إستقرار العراق ولبنان شأنا متفقا عليه بين الطرفين حيث بدا مبدأ المساكنة بين الطرفين ومن يلف لفهما مقبولا في البلدين. ماذا حصل حتى سقط خط الإستقرار اللبناني والعراقي نهائيا واستعرت المواجهة الأميركية – الإيرانية في الساحتين؟

 

غضب الشارع مزمن ولا علاقة له بالكباش الإقليمي

 

من الساذج جدا إعتبار كل ما يحصل في العراق ولبنان وحتى إيران نتيجة عمل استخباراتي أميركي. كل الدوائر الأميركية لم تكن تتوقع ما حصل ويحصل، على الأقل في لبنان والعراق لأن المسألة في إيران مختلفة وتتداخل فيها أمور كثيرة. حتى أن بعض الجهات الأميركية كانت تعتبر أن مواجهات ذات طابع مطلبي، مهما اتسعت، أضعف من أن تغير الستاتيكو السياسي والطائفي وأن قدرة الأطراف المحسوبة على إيران في ضبط الشارعين اللبناني والعراقي شبه مطلقة. بإختصار تفاجأ الأميركيون بما حصل أكثر من الإيرانيين أنفسهم وبدا الإرتباك على دوائر القرار في الولايات المتحدة التي لم تعرف في البداية كيف تتفاعل مع الأحداث في البلدين بل انتظرت عدة أيام لتتأكد من جدية الحراك وقابليته للإستمرار. هذا لا يعني أن الأميركيين كانوا متمسكين بالإستقرار في البلدين، بالعكس فهم منذ بداية العام بدأوا بالتخلي عن فكرة تحييد لبنان والعراق من الصراع مع إيران وقرروا إستخدام كل الأسلحة الإقتصادية والمالية لجلب الإيرانيين إلى الطاولة بأي ثمن، بينما لم يوفر الإيرانيون أي وسيلة عسكرية من اليمن إلى الخليج للضغط على الأميركيين لرفع العقوبات.

وجاء إدراج <بنك الجمال> اللبناني على لائحة العقوبات الأميركية ثم التلويح بعقوبات على حلفاء لحزب الله وعلى مصارف لبنانية أخرى ليعكس بوضوح المسار التصاعدي الذي كانت الإدارة الأميركية تتبعه والذي لم يكن يحسب حصول أي إنتفاضة في الشارع. أما وقد انفجر الناس من الشمال إلى الجنوب ضد عقود من الظلم والذل والفساد فمن الطبيعي أن يحاول الجميع ركوب الموجة وقطف أي مكاسب سياسية من هذا الحراك.

 

هل طار الغطاء الدولي عن لبنان… نهائيا؟

من الواضح أن الإرتباك الدولي كما الداخلي هو سيد الموقف بالنسبة إلى لبنان. الجميع يراقب ويترقب ردة فعل حزب الله الذي يتمسك بشكل المعادلة السياسية في البلد رغم أن مضمونها أصبح جزء منه في الشارع وخارج الإطار الذي أفرزته الإنتخابات النيابية الأخيرة. لماذا يعاند حزب الله في مسألة تأليف حكومة اختصاصيين ولماذا يصر على الوجود في الحكومة العتيدة مع أنه لم يكن في كل الحكومات قبل ٢٠٠٥؟ وألا تكفي الأكثرية النيابية التي يتمتع بها مع حلفائه لتطمينه؟ يبدو أن كل ما يحصل في لبنان وحتى في العراق هو إنكار إيراني للواقع على الأرض وعناد في تحدي الولايات المتحدة حتى آخر رمق شعبي على طريقة <علي وعلى أعدائي>. المحور الإيراني يعتقد أن الولايات المتحدة والغرب معها لا يمكن أن يتحملوا دولا فاشلة في لبنان حيث مئات آلاف النازحين وسلاح حزب الله الموجه ضد إسرائيل أو العراق حيث لا تزال فلول <داعش> حية. بينما هناك إعتقاد في الجبهة المقابلة أن إيران لا يمكنها أن تضحي بكل ما كسبته من أرضية في هذه الدول فقط لأنها تعتبر التفاوض تنازلا عن الكرامة. الكباش مستمر مع كل اضراره المباشرة والجانبية من دون الإكتراث لمصالح الناس. المؤلم في ما يحصل أن ما كان يسمى بالغطاء الدولي للبنان بدأ يتلاشى بفعل الكباش المسعور وأن توقيت الإنتخابات الأميركية بعد سنة هو ما يحدد مسار المواجهة وليس مصلحة لبنان أو العراق. <ترامب> وإيران على حد سواء يظهران اليوم أنهما على إستعداد للتضحية بالإقتصاد اللبناني، الذي أصبح مربوطا فقط بخيط الدعم الأوروبي الرفيع وبالمراقبة الروسية ولو عن بعد.

العين على.. إسرائيل 

 

إذا الأزمة اللبنانية بحاجة إلى وساطة دولية سريعة إما فرنسية أو روسية لأن إستمرار الفراغ الحكومي ينذر بكل أنواع السيناريوهات. في هذا الوقت إسرائيل عاجزة عن تأليف حكومة وتعاني من أزمة سياسية داخلية كبيرة. وكما في الماضي إسرائيل لا تخرج من مأزق داخلي بهذه الحدة إلا عن طريق افتعال أزمة خارجية. حاولت أن تفتح الجبهة في غزة ثم انتقلت بقوة إلى سوريا منذ أيام متحدية إيران الى أقصى الحدود. الخوف هو أن تستغل الحالة اللبنانية لتحاول تصفية حساباتها مع حزب الله وإدخال لبنان في المجهول.