18 November,2018

كل شــــيء الى تـراجــــع، والاقـتـصـــــاد رهـيـنــــة عـــدم انتخــــاب رئــــيـس جـمـهـوريـــــــة!

 

غازي-وزني-1 بقلم طوني بشارة

خلال العام 2015 انعكست الازمة السياسية الداخلية، والانقسامات الحادة بين الاطراف السياسية والشلل على الصعيدين الحكومي والتشريعي، والتوترات الاقليمية بشكل سلبي على المؤشرات الاقتصادية والمالية اللبنانية، مما أوصل البلاد الى شفير الانهيار المالي والاقتصادي. فوفق أرقام الفصل الأول من سنة 2015، ارتفع العجز العام 26,4 بالمئة على أساس سنوي مقارنة بالفصل الأول من عام 2014، بعدما كان قد انخفض 27,2 بالمئة عام 2014، ووصل الى 1062 مليون دولار مقارنة بـ 840 مليون دولار في الفترة ذاتها من عام 2014، وسُجلت هذه الزيادة نتيجة انخفاض إيرادات الدول 14,1 بالمئة مقابل زيادة في النفقات بـنسبة 3,7 بالمئة، ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تغطية العجز العام / النفقات الإجمالية من 25,7 بالمئة الى 33,8 بالمئة، كما انتقل الرصيد الأوّلي من فائض بنسبة 1,2 بالمئة من النفقات الإجمالية الى عجز بنسبة 4,4 بالمئة، أي ان الميزان الاوّلي سجل عجزاً ناهز 138 مليون دولار خلال الفصل الأول من السنة مقارنة بفائض ناهز 38 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2014، اما الفصل الثاني من السنة ونتيجة لعدم اكتمال الحسابات النهائية، فإن الترجيحات تتجه الى تقدير عجز يتخطى الـ 142 مليون دولار، يُضاف الى ذلك امكانية وصول الدين العام الى نحو 69 مليار دولار نهاية كانون الاول/ ديسمبر عام 2015، بارتفاع سنوي نسبته 5 بالمئة مقارنة بكانون الاول/ ديسمبر 2014، ولدى مقارنة الدين العام بحجم الاقتصاد، يتبيّن أن إجمالي الدين العام سيشكّل 132 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية النصف الثاني من هذه السنة، كما سيسجل ميزان المدفوعات عجزاً يناهز 1320 مليون دولار في نهاية النصف الثاني من عام 2015 مقارنة بفائض نحو 216 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2014. وفي هذا السياق، تشير الاحصاءات الى ان حركة الرساميل والاستثمارات الوافدة الى لبنان بلغت قيمتها في نهاية النصف الثاني من 2015 نحو 5,3 مليارات دولار في مقابل نحو 8 مليارات دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي، أي بنسبة تراجع وصلت الى أكثر من 35 بالمئة.

اضافة إلى ما سبق، سجّلت الصادرات انخفاضاً بنسبة 8 بالمئة خلال آخر 5 أشهر من 2015 مقارنة بالعام 2014، هذا الانخفاض رافقه انخفاض في الاستيراد بنسبة 18,5 بالمئة خلال الفترة نفسها مقارنة بالعام 2014، لكن انخفاض الاستيراد الناتج عن تراجع اسعار النفط وسعر صرف اليورو لم يساهم في دعم الميزان التجاري الذي سجّل عجزاً بقيمة 5828 مليون دولار، رغم انه أقل من المستوى المسجل نهاية النصف الثاني من عام 2015 بنحو 20 بالمئة.

 

القطاع المصرفي

اما أداء القطاع المصرفي، فكان متماشياً نسبياً مع النشاط الاقتصادي في النصف الأول والثاني من 2015، فرغم محافظة الودائع على نمو مقبول نسبياً بـ 4,2 مليارات دولار خلال هذه الفترة من السنة، فإنها لم تتزامن مع نمو مماثل للتسليفات التي زادت 800 مليون دولار فقط في مقابل 1,8 مليار دولار في الفترة المقابلة من 2014، اي بتراجع بأكثر من 50 بالمئة، وهي من أعلى النسب على الاطلاق رغم كل خطط التحفيز التي أطلقها مصرف لبنان.

والمتتبع للاوضاع الاقتصادية يلاحظ ان الواردات الزراعية تراجعت خلال العام 2015 حوالى 13,6 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من 2014، أما الصادرات الزراعية، ورغم تأثّرها بإقفال المعبر بين سوريا والأردن، فقد زادت خلال هذه الفترة بنسبة 1,1 بالمئة فقط، بدوره تراجع الاداء الخارجي للقطاع الصناعي خلال هذه الفترة 9 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، كما تراجعت الواردات الصناعية 19 بالمئة مقارنة بالعام 2014، مع الاشارة ايضاً الى ان عدد القروض المقدمة من <كفالات> لتمويل المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في القطاعين الزراعي والصناعي، انخفض بنحو 26 بالمئة في العام ،2015، ما يحتم على الحكومة وضع خطة عاجلة لمساعدة هذين القطاعين عبر خطة تحفيزية، وإعفاءات ضريبية وغيرها.

القطاع العقاري دفع ايضاً الثمن، اذ ساد في النصف الثاني من عام 2015 أداء غير مؤاتٍ من ناحيتَي العرض والطلب. فعدد المبيعات العقارية انخفض 15,6 بالمئة على أساس سنوي بعد ازدياده 6,6 بالمئة في الفترة ذاتها من 2014، الأمر الذي تزامن مع انخفاض في قيمة المبيعات العقارية بـ20 بالمئة، والتي بلغت في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر نحو 3,5 مليارات دولار، مقابل 4,2 مليارات للفترة ذاتها من 2014.

وتؤكد أرقام مصرف لبنان حول أداء القطاعات الاقتصادية في العام 2015 عمق الأزمة الاقتصادية، إذ أظهرت تدهوراً حاداً في انتاجية القطاع الصناعي (-15  بالمئة)، ونسبة سلبية في أداء القطاع التجاري حيال المبيعات (- 20 بالمئة)، وتراجع نشاط قطاع البناء (- 13 بالمئة) والأشغال العامة (- 29 بالمئة).

تراجع وتدنٍ طغيا على اداء كافة القطاعات خلال العام 2015 مما دفعنا الى التساؤل عن مدى تأثير هذا التراجع على اقتصاد 2016؟

الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني اشار الى ان اقتصاد 2016 سيكون صعباً وقاتماً، كما انه رهن التفاهمات السياسية، تفاهمات توفـّر له الامن السياسي عبر انتخاب رئيس للجمهورية، والامن الاقتصادي عبر تحفيز النمو، والامن الاجتماعي عبر تأمين الاحتياجات الاجتماعية والمعيشية.

وتابع وزني: يواجه اقتصاد 2016 تحديات متعددة أبرزها:

– تحفيز النمو: فإن التفاهمات السياسية تخلق مناخاً ايجابياً، مناخ يحسّن النظرة المستقبلية للاقتصاد الوطني ويجذب المستثمرين والسياح، ويحرك القطاع العقاري، ويسهّل الصادرات، أي مناخ يؤدي الى خروج الاقتصاد من الركود الى الانتعاش، والى تسجيله معدلات نمو تقارب 2.5 بالمئة بدلاً من نمو يقارب الصفر في العام الحالي. أما في حال تعثر التفاهمات، فان اقتصاد 2016 سيكون امتداداً لاقتصاد 2015، أي سيئاً وقاتماً حيث يُقدّر حينذاك ان ينكمش، وان تتفاقم مشكلات غالبية القطاعات والمؤسسات الاقتصادية باستثناء القطاع المصرفي الذي سيبقى محافظاً على نموه، نمو يقارب 6 بالمئة مدعوما باستقرار لسعر صرف الليرة.

ونوّه وزني: اما التحدي الثاني لاقتصاد 2016 فهو:

– موضوع الموازنة للعام 2016، فإن التفاهمات السياسية ستساعد على إقرار الموازنة العامة اي على تحقيق الانتظام المالي وضبط الفوضى والهدر وتنفيذ عمليات اصلاحية وانمائية تساهم في النمو وفي تحسين الاوضاع الاجتماعية والمعيشية، ولكن يُخشى في حال تعثّر التفاهمات ان يبقى الانفاق على القاعدة الاثني عشرية أي ان يبقى في اطار الفوضى وغياب الرقابة ما قد يتسبب في ارتفاع العجز الى اكثر من 9.5 بالمئة من الناتج المحلي، علماً ان ارتفاع العجز سينعكس سلباً على التصنيف الائتماني للدولة اللبنانية ومباشرة على القطاع المصرفي اللبناني، المموّل الرئيسي للديون السيادية، ما يؤدي لاحقاً الى ارتفاع معدلات الفوائد للقطاعين العام والخاص. أما الدين العام فإن منحاه سيبقى تصاعدياً ليتجاوز 74.5 مليار دولار، ونسبته 147 بالمئة من الناتج المحلي.

– واستطرد وزني: اما التحدي الثالث فهو إقرار مرسومي النفط والغاز:

<اذ ستساعد التفاهمات في اطلاق المناقصات، وفي ترسيم الحدود البحرية مع قبرص واسرائيل، وفي حل الخلافات حول <البلوكات> التي يجب تلزيمها في المرحلة الاولى، وفي انشاء شركة البترول الوطنية، ولكن يُخشى في حال تعثر التفاهمات ان يؤدي ذلك الى تجميد الملف أي الى خسارة لبنان صدقيته لدى الدول المنتجة للنفط ولدى الشركات النفطية العالمية، والى خسارة الاسواق المستقبلية لمنتجاته النفطية، والى إعطاء اسرائيل الفرصة للاستيلاء على قسم من ثروته النفطية في المناطق المتنازع عليها.

وأضاف وزني: ولا يُخفى على احد ان التحدي الرابع هو احتواء أزمة النازحين السوريين التي بدأت كأزمة مؤقتة وأصبحت دائمة، وفي هذا السياق تعزز التفاهمات العلاقات بين لبنان والدول المانحة، وتسهّل حصوله على المساعدات (حصل لبنان في العام 2015 على 900 مليون دولار بينما بلغ طلبه 2.2 مليار دولار ونسبته حوالى 41 بالمئة ويحتاج في العام 2016 الى 2.4 مليار دولار)، كذلك تساعد التفاهمات على ضبط تدفق النازحين عبر اغلاق الحدود غير الشرعية مع سوريا، وعلى إنشاء مخيمات للنازحين السوريين في الاراضي السورية، وعلى تأسيس صندوق للعودة.

وختم وزني حديثه قائلاً :ان اقتصاد 2016 قاتم وصعب يحتاج الى التفاهمات لنهوضه وإطلاق قطاعاته واستعادة مستثمريه وسائحيه، ويحتاج الى تدارك القوى السياسية لحجم المخاطر المحدقة به.

وبدوره أشار الدكتور كمال حمدان الى ان معدل النمو في العام 2015 واستنادا الى تقديرات الحسابات النهائية لن يتخطى 1 بالمئة، وهو بالارجح سيتراوح ما بين صفر و 1 بالمئة، علما ان معدل النمو في العام 2014 لم يتعدَ ال 2.5 بالمئة.

وتابع حمدان: هذا الامر مقلق جداً على الصعيد الاقتصادي، لا سيما ان جزءاً كبيراً من النمو ناتج عن استهلاك العامل السوري، وهذا ما يعكس عمق المعوقات التي يصطدم بها النظام اللبناني.

وأشار حمدان الى كون التراجع بالنمو مرتبطاً بعدة عوامل منها:

– الاوضاع الاقليمية المتردية.

– توقف الاستثمارات الاجنبية بسبب الشك بفرص الاستثمار في لبنان.

– الصراع على السلطة.

– النمط الاقتصادي (اي النمط الريعي) الذي بات للاسف يعتمد على الاستهلاك بدلاً من الاستثمار كمحدد للنمو الاقتصادي، علماً انه في حال توفر الاستثمار فسوف يكون محصوراً فقط في مجال العقارات (البناء دون سواه) مما يقلل من فرص العمل حجماً ونوعاً.

واستطرد حمدان: في حال استمرت الامور على ما هي عليه، فإن الاوضاع الاقتصادية في العام 2016 ستكون اصعب، واقصد في هذا المضمار استمرار النمط الريعي للاستهلاك، وتراجع النمو في معدلات ودائع المصارف، واستمرار الفراغ الرئاسي، كل ذلك يدعونا للأسف في العام 2016 الى اعـــــلان دخول اقتصاد لبنان المرحلة الحمراء مما يدفعنا الى دق ناقوس الخطر بالمجال الاقتصادي.