19 September,2018

كل خيرات وموارد العرب تُصرف على السلاح الأميركي والروسي والصيني!

 

بقلم خالد عوض

تمام-سلام

ألف مليار دولار على الأقل، هذا هو الرقم المطلوب لإعادة إعمار سوريا والعراق واليمن وليبيا، هذا إذا افترضنا أن الحرب في هذه الدول انتهت اليوم. لم يهرب <فلاديمير بوتين> من سوريا فقط لأنه أحس ببداية مغامرة شبيهة بدخول السوفيات إلى أفغانستان في الثمانينات، وباحتمال غرقه في وحول حرب لا أفق لها، بل شعر أيضاً بكلفة إعادة بناء بلد لا سلطة فيه إلا للدمار، وربما لمس في الوقت نفسه كلفة عدم إعادة بناء سوريا لشبه استحالة ذلك، خاصة بعد ما فعلته وصورته طائرات <السوخوي>.

عدم اعمار سوريا يعني تركها فريسة لـ<داعش> وأخواتها ومنصة لتصدير الإرهاب إلى كل دول العالم، وليس آخرها بلجيكا. وإذا أصبح حجم المبلغ المطلوب لإعادة الإعمار أكبر من قدرة العالم كله على تحمّله اقتصادياً، يعني أن الإرهاب سينتصر لأن وقوده هو الفقر والعوز والغضب منهما. وإذا لم تتوقف الحرب في سوريا بسرعة سيستحيل اعمارها. لا فيدرالية ولا تقسيم ولا دولة موحّدة ولا أي صيغة سياسية يمكن أن تعيش في ظل الدمار، خاصة عندما يصبح الإعمار شبه مستحيل.

انظروا إلى مصر التي لم تشهد أي دمار أو حرب. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يوفّر مناسبة إلا ويقول ان بلده بحاجة إلى مئتي مليار دولار على الأقل للوصول إلى الاستقرار الاجتماعي والقاعدة الاقتصادية الضرورية لنمو مستدام. الرئيس السيسي يعي تماماً أن البديل عن ذلك هو غضب الناس من الحكم والحاكم، ولذلك وضع الاستراتيجية الاقتصادية كأولوية في مسيرة إعادة الاستقرار إلى مصر.

في البداية من أين يأتي التمويل لإعادة الإعمار، ودول العالم غارقة في الديون؟

أوروبا في أسوأ وضع اقتصادي رغم كل سياسات التحفيز المالية. الديون تأكل اقتصادات عدة دول أوروبية، لذلك سيكون من الصعب مثلاً تبرير دعم سوريا لليونانيين.

الولايات المتحدة تتجه إلى مزيد من الانعزال والإنغلاق. وحتى لو فاز الديموقراطيون في الإنتخابات الرئاسية المقبلة لن تتمكن <هيلاري كلينتون> أن تتجاهل ملايين الأميركيين الذين صوّتوا بقوة لـ<دونالد ترامب>. هؤلاء مقتنعون تماماً بأفكاره الانعزالية التي تريد إقفال الولايات المتحدة أمام <الاغراب>، وتخفيض موازنتها في <حلف شمال الأطلسي – الناتو>، وإعادة النظر في الاتفاقات التجارية التي تفتح جبران-باسيلالأسواق الأميركية أمام السلع الأجنبية من دون قيود. فكيف سيوافقون على دعم إعادة بناء سوريا؟

الصين تحارب تراجع النمو الاقتصادي وتحاول تثبيت عملتها بتسييل احتياطاتها بمعدل مئة مليار دولار شهرياً تقريباً، وقد خسرت أكثر من ٥٠٠ مليار دولار من احتياطاتها عام ٢٠١٥ <والحبل على الجرار>، ولذلك لا يمكن توقع الكثير منها في أي مؤتمر إعادة اعمار.

دول الخليج لا زالت في وضع اقتصادي جيد نسبياً، ولكن بقاء أسعار النفط في مستوى الأربعين دولاراً للبرميل يستنزف من احتياطاتها هي الأخرى، خاصة وأن الإلتزامات الداخلية التي تترتب عليها من جراء النمو السكني يجعل من الصعب توقع الكثير منها في أي <حفلة> إعادة اعمار. هذا بالإضافة إلى التزامها بدعم اليمن ومصر.

الحرب في سوريا ستتوقف لأن سيناريو ما بعد الحرب أصبح <سوريالياً>. لا مال في العالم يكفي لبناء جزء مما تهدم. وإذا لم يأت المال للإعمار سيحل محله الحقد والإرهاب. يعني أن المستفيد الأول من استمرار الحرب هو <داعش>.

كل الغاز الموجود في بحر طرطوس واللاذقية صرف قبل أن يستخرج، تماماً كما حصل لنفط العراق. خيرات وموارد المنطقة تم صرفها على سلاح الغرب وروسيا والصين بدل استثمارها في البشر. أرقام مبيعات شركات السلاح الأميركية والروسية والصينية تكفي لإثبات ذلك. اليوم لم يعد هناك لا حجر ولا بشر، فقط… بشار.

عندما يُسأل بعض النازحين السوريين في ألمانيا إذا كانوا سيعودون إلى بلادهم في حال توقفت الحرب يجيبون بالنفي القاطع لأن المستقبل هناك أصبح معدوماً. وإذا كان أهل سوريا أنفسهم قد وصلوا إلى هذه الدرجة من اليأس، فما بال العالم؟

ومن وحي القول الشهير أن الحرب تتوقف بسبب المحاربين <Le combat cessa faute des combattants> يمكن الاستطراد بالقول ان الحرب في سوريا ستتوقف بسبب الحجم المالي لإعادة الإعمار. أما الاستمرار في الحرب فهذا يعني أن العالم كله سيعاني ليس فقط من الأزمة الإنسانية التي ضربت أهل سوريا وأجبرتهم على النزوح بل من أزمة اقتصادية جديدة نواتها الإرهاب. الكل يدرك اليوم أن كلفة عدم إعادة بناء سوريا تزيد عن كلفة بنائها والتي أصبحت أساسا باهظة جداً.

بالنسبة للبنان، استمرار الحرب السورية واقتراب إعادة الإعمار من الإستحالة يعنيان أن خطر توطين السوريين في البلد أصبح حقيقياً، خاصة لأنه بدأ يحظى بموافقة دولية. وهنا لا يكفي رفض التوطين دبلوماسيا وبالشعارات لأن توطين السوريين في الأردن ولبنان وتركيا يلقى تعاطفاً أوروبياً ملحوظاً، والمنطلق كالعادة إنساني. لذلك إذا كان من الصعب على الحكومة الحالية أن تتفق على شيء، فأقله أن تتفق على الاستراتيجية الصحيحة لمواجهة ذلك، وإلا أصبح اللبنانيون خلال أقل من عشر سنوات أقلية في بلدهم… أو ما سيتبقى منه.