21 November,2018

كل تأخير لانتخاب الرئيس اللبناني الجديد يؤدي الى استحضار المؤتمر التأسيسي المخالف لاتفاق الطائف

 

1

عيوننا الى العراق ترحل كل يوم…

فالعراق الآن هو عاصمة الخطر الذي يتهدد المنطقة عبر قوات <داعش>، ولبنان جزء لا يتجزأ من المنطقة. الخائفون على المسيحيين في لبنان، ومن حقهم أن يخافوا، يرقبون ما يجري في العراق، وتحديداً حول سد الموصل، أكبر سد في البلاد بعد السد العالي في مصر، أو يوازيه. وهذا السد الواقع على نهر دجلة موقع استراتيجي من الأهمية بمكان، وهو يختزن 12 مليار ليتر من المياه، ويبلغ طوله 3,4 كيلومتر، وارتفاعه 113 متراً، وينتج نحو 1010 ميغاوات من الكهرباء.

والسد الذي جرى بناؤه عام 1984 في عهد صدام حسين يعتبره فريق الأعمال الهندسي التابع للجيش الأميركي من أخطر السدود في العالم، وانهياره قد يدفع المياه البالغ ارتفاعها 20 متراً الى انجراف مدينة الموصل معقل الخلافة التي بشر بها زعيم <داعش> أبو بكر البغدادي.

وبالمفهوم العسكري يسيطر في النهاية على مدينة الموصل كل من سيطر على السد.. ومن هنا عمليات الكرّ والفرّ بين قوات <داعش> من جهة وقوات <البشماركة> الكردية ومعها قوات حكومية من جهة ثانية. وتنزل الولايات المتحدة بكل ثقلها العسكري الجوي، ومعها الثقل العسكري الجوي لبريطانيا لتأمين سيطرة الأكراد على سد الموصل… وبذلك يجعلون كردستان وعاصمتها أربيل في مأمن من الزحف <الداعشي>. وجاءت تصريحات الرئيس <باراك أوباما> يوم الاثنين الماضي ضد <داعش>، وكأنه يقول لزعيم الحركة أبو بكر البغدادي <يا راسي يا راسك!> خصوصاً بعد قيام <داعش> بذبح صحافي أميركي اسمه <جيمس فولي> رداً على العدوان الجوي الأميركي على الموصل.

إذن… فما يحدث في العراق شاغل للبنان. ومن هنا تحاول الدولة اللبنانية ولو بدون رئيس، أن تتلمس الخطوات المطلوبة للمستقبل الآتي، لأن سد الموصل أهم من أي شاغل للولايات المتحدة وأوروبا، ولذلك فلبنان منسي الآن، وفي هذا النسيان تغرق معركة رئاسة الجمهورية،ولا ينكشف لها نور. وكل العقلاء يحاولون أن يفتحوا الباب لمعركة الرئاسة في مجلس النواب، ويكون هناك رئيس قبل الموعد الرسمي للانتخابات النيابية، ولكن أخبرونا بربكم: هل ترون هناك انتخابات رئاسية؟ لقد حاول وزير الاتصالات الشيخ بطرس حرب أن يحرك المياه الراكدة في المعركة الرئاسية ببادرة قدمها في مؤتمر صحفي ظهر الاثنين الماضي مؤداها أن يكون انتخاب الرئيس في البرلمان بأكثرية النصف زائد واحداً، لا بأكثرية الثلثين، وبذلك تتسع دائرة الحظ لمن ضاقت به السبل. وبطرس حرب في الأساس من أصحاب الحظ الرئاسي فيما لو اتفق على اسمه فريق 14 آذار، ولكن مبادرة الدكتور سمير جعجع الى إعلان ترشيحه للرئاسة منذ أشهر جعلت بطرس حرب يكتم سره ويؤثر وحدة 14 آذار التي ينتمي إليها على أي مطمح رئاسي.

بطرس حرب لِمَ لا؟!

ولو أنصفت قوى 14 آذار لتمنت على الدكتور سمير جعجع أن يسحب ترشيحه لصالح بطرس حرب، وهو في ذلك غير متحمس لأنه يعتقد أن قوى 8 آذار، وفي طليعتها حزب الله والتيار الوطني الحر، لن تسمح باكتمال النصاب البرلماني الذي يسمح بانتخاب وزير الاتصالات. انه مجرد اجتهاد وإبداء رأي، ولكن في قوى 8 آذار من هو على يقين بأن بطرس حرب أهل للمنصب الرئاسي ولن تنكره  قوى 14 آذار قبل صياح الديك..

وصياح الديك البرلماني لاسم الرئيس أصبح واجباً وطنياً ومسألة موت أو حياة لإنقاذ البلد وسلامة نسيجه الوطني. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ فكل فريق يتمسك بالموقف الذي اختاره لنفسه، وقوى 8 ذار في رأي قوى 14 آذار ستظل تجرجر الفوضى السياسية في البلاد تمهيداً لتعب كل الفرقاء والوصول الى مؤتمر تأسيسي يعيد النظر في اتفاق الطائف ويطرح صيغة بديلة من خلال النسيج السكاني، وربما تناول هذا الطرح منصب رئاسة الجمهورية وفتحه على احتمالين:

* الأول: أن يكون انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة، مثلما حصل في تركيا، بعدما كان الرئيس يأتي من حضن البرلمان، وهو ما دعا إليه العماد ميشال عون في مؤتمر صحفي، ولقي ردود فعل معاكسة!

* الثاني: أن تكون المناصب الثلاثة الأولى، أي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء مفتوحة أمام جميع اللبنانيين لا أمام الطوائف الثلاث… وكفى!

والأمران غير واردين عند النسيج المسيحي، وحصولهما يسترجع الأمن الذاتي، ويحض على المزيد من هجرة المسيحيين. وهذا يعني تجريد لبنان من رسالته التي ارتضاها لنفسه، وجعل رئيس الجمهورية المسيحي الوحيد في الشرق العربي.

والمطالبون بإعادة النظر في تطييف الرئاسات يقولون إن زمان العشرينات والثلاثينات، كان أكثر تقدمية من زماننا الحالي. فقد كان رئيس الوزراء مارونياً من دير القمر وهو اوغست باشا اديب، ورئيس الجمهورية كان شارل دباس الأرثوذكسي، وعام 1932 رشح زعيم حزب <الكتلة الوطنية> اميل اده رئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر ، ليكون رئيس جمهورية، لكن <الفيتو> الآتي من  من المفوض السامي <هنري بو

3

نصو> عطل بادرة اميل إده.

كذلك تكرر التحرر من مذهبية الرئاسة، فجاء الارثوذكسي بترو طراد رئيس دولة عام 1943…

لبنان المطلوب من العالم

 

تلك كانت رئاسة بصناعة لبنانية، ولكن ظروف البلاد تحتّم التمسك بأهداب اتفاق الطائف، لأنه صمام الأمان لحياة اللبنانيين، وتعزيز لرسالة لبنان في المنطقة والعالم.

وثمة من يحب أن يسأل:

ما سرّ الغطاء الدولي الحالي للبنان، وكل ما حوله في المنطقة ينفجر؟ الجواب الذي يقوله أهل الخبرة السياسية والديبلوماسية، هو أن الصيغة اللبنانية تعني شاطئ الأمان للمسيحيين في الشرق. فالهاربون من مسيحيي العراق ينتهي المطاف بهم في لبنان، والفارون المسيحيون من سوريا يلقون مرساتهم في لبنان، وحتى بعض أقباط مصر اختاروا لبنان ملجأ وملاذاً، ولهم ممثلية قبطية ترعى شؤونهم.

ومسلمو لبنان أحرص الناس على صيغة اتفاق الطائف، لأنهم لا يتصورون وطناً لهم بدون شريك مسيحي. ومفتي لبنان الأول الشيخ مصطفى نجا كان في قصر الصنوبر الى يسار الجنرال <غورو> عند إعلان دولة لبنان الكبير، بينما جلس الى يمينه البطريرك المؤسسس الياس الحويك، حين رسم خريطة البلد الجديد بقلم مشترك في باريس مع رئيس الوزراء الفرنسي <جورج كليمنصو> الذي يحمل أحد شوارع رأس بيروت  (مقر مكاتب <الأفكار>) اسمه من قبيل تكريمه كقابلة قانونية للبنان الكبير.

هذا النسيج الوفاقي التوافقي بين المسلمين والمسيحيين في لبنان هو المنجم الوطني الذي تملكه البلاد، وبدونه لن يهنأ عيش لمسيحي أو لمسلم، وسيجد كل منهما أنه أسير الضياع الجغرافي.

لبنان الانتشار

2

 

قد يرى البعض في هذا الكلام شيئاً من الرومانسية أو الطوباوية، إلا أنه حقيقة لبنان، وسر حضوره في دول العالم، ومبعث القوة لدى أربعة ملايين لبناني ينتشرون في العالم، ويستظل حضورهم بمؤسسة دعم الانتشار اللبناني برئاسة الوزير السابق ميشال إده الذي لا يوفر فرصة لزيادة اللحمة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، أو لبنان الانتشار، كما يحب أن يسميه، إلا وسعى إليها، لأن الاغتراب يعني الغربة عن الوطن، ومطلوب من المنتشر اللبناني أن يكون  بعقله وقلبه وماله داخل الوطن.

حسناً… الى أين يتجه المركب؟ وما السبيل الى اختراق هذه العتمة السياسية في لبنان والوصول الى بر الأمان؟

في خطابه الأخير قال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله إن اللبنانيين يعرفون الى من يجب أن يتوجهوا لكسر الجمود في معركة الرئاسة، وأنهم يعرفون أول حرف من اسمه، وكاد أن يقول <حرف الميم> إشارة الى اسم العماد ميشال عون. ومن خلال هذه الكلمات صار مفهوماً بأن مرشح حزب الله وقوى 8 آذار لكرسي الرئاسة هو العماد ميشال عون، ولا أحد سواه، وهذا ما فهمه الزعيم وليد جنبلاط وهو يتناول طعام الغداء ظهر الاثنين الماضي مع نجله تيمور عند زعيم <المردة> سليمان فرنجية وابنه طوني، وكل ما عدا ذلك حائط مسدود!

هل هذا ما تريده الدول الشقيقة والصديقة للبنان؟ ولا خيط سياسي يشير الى هذا الرضاء، ولا يأتي رئيس للجمهورية في غربة عن أشواق المنطقة.

إنه السد الرئاسي الموازي لسد الموصل مع فارق الحجم والمكان… والاستراتيجية.

وحمى الله لبنان!