25 November,2020

كلفة الفساد في لبنان... و”مغارة علي بابا“ الجمارك!

بقلم طوني بشارة

البروفيسور جاسم عجاقة: إحدى وسائل التهريب عبر مرفأ بيروت هي من خلال تسجيل البضائع في خانات غير الخانات التي تتناسب والبضائع!

علت الأصوات في الآونة الأخيرة للمطالبة بمحاربة الفساد الذي بات يحتل مساحة وافرة في مرافق المؤسسات الرسمية، فما اسباب الفساد؟ وما هي الخسائر المرتبطة به على الصعيد الاقتصادي؟ وكم نسبة الفساد في مجال الجمارك؟

تساؤلات عديدة للإجابة عنها التقت <الأفكار> الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة الذي افادنا قائلا:

– لم يكن الفساد يوما مادة دسمة في الخطاب السياسي كما هو اليوم. وفي إحصاء بسيط نرى انه يُكتب ويُقال في وسائل الإعلام أكثر من 13 ألف كلمة عن الفساد يومياً! كل هذا ولبنان ما زال يغوص في الفساد القاتل، الفساد الذي يُغرق اقتصاده وماليته العامة، والأصعب أنه يضرب القيم الأخلاقية في مجتمعنا الذي لطالما تغنى بالقيم الأخلاقية المتناقلة بين الأجيال عبر السنين وأيضا بقيمه الدينية.

وتابع عجاقة قائلا:

– اليوم ومع تعاظم تداعيات الفساد وعجز القوى السياسية عن معالجته لأسباب عديدة لن نغوص فيها، نرى أنه من الضروري وضع الفساد على منصة التشريح لمعرفة أسباب وأماكن وجوده كما والسبل للقضاء عليه.

عجاقة والعوامل التاريخية، الاجتماعية، الثقافية، المؤسسية، والاقتصادية!

ــ ما هي العوامل او البيئات التي ساعدت على انتشار الفساد في لبنان؟

– تزخر المراجع العلمية بالحجج والأدلة العملية عن الآثار السلبية للفساد الذي يَحولُ دون القيام بالاستثمارات المباشرة أكانت أجنبية أو محلية. هذه الاستثمارات هي المُحرك الأساسي لأي تطور اقتصادي واجتماعي في أي كيان على هذه الأرض، حيث انه بدونها لا يوجد نمو اقتصادي، وبالتالي لا خلق لثروات يستفيد منها المُجتمع وخزينة الدولة.

كل حكومات دول العالم من دون استثناء تُجاهر بمحاربة الفساد وتعتبرها أولوية في سياساتها الاقتصادية. لكن في الدول التي هي في طور النمو تعتمد الحكومات هذا الشعار بهدف تلقي الدعم المالي من المؤسسات العالمية والدول المُلتزمة الإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الرغم من التعهدات التي تقوم بها الحكومات يبقى مستوى الفساد في هذه الدول مرتفعاً.

وتابع عجاقة قائلاً:

– ان تشخيص الفساد باعتباره مرضاً في المجتمع هو ضرورة لوضع الدواء المناسب. على هذا الصعيد، عدة عوامل تخلق الفساد وتُساعد في تمدده في المجتمع:

ــ أولاً: العوامل التاريخية، الاجتماعية والثقافية: أول هذه العوامل هو النظام القضائي الذي يُعتبر أحد العوامل الرئيسية التي تؤدي دورا في الفساد. فكلفة هذا الأخير نسبة إلى العقاب تعتمد على كفاءة النظام القضائي، وبما أنه في النظرية الاقتصادية يتم تحديد الخيارات على أساس القيمة المُرتقبة من كل خيار، فإن نظاماً قضائياً غير فعال يؤدي حكما إلى تفضيل الفساد على خيار عدم القيام به. من هنا نرى أن الدول المُتطورة تعمد إلى اعتماد قضاء فعال وتُعطيه كل الوسائل اللازمة بما فيها مساءلة الرؤساء والوزراء والنواب (قضية بيل كلينتون وقضية جاك شيراك…). العامل الثاني هو عامل الثقافة الدينية، فهذه الأخيرة تُفسر إلى حد بعيد ظاهرة الفساد بحكم أن التقاليد الدينية تُحدد علاقات الأفراد بالتسلسل الهرمي مع الأسرة ومع الدولة وأجهزتها. ومع أنه لا توجد فعليا علاقة بين الانتماء الديني والفساد، إلا أن الإلتزام الديني للفرد يُعتبر عائقاً أمام تفشي الفساد. العامل الثالث هو التفتت العرقي واللغوي والسياسي الذي يؤدي دورا ملحوظاً في تفشي الفساد حيث أظهرت الدراسات أن المُجتمعات التي فيها تجزئة عرقية ولغوية وسياسية، يكون فيها مستوى الفساد أعلى من الدول التي تكون فيها التجزئة أقل. العامل الرابع هو مستوى التعليم حيث انه كلما زاد مستوى التعلم، زاد مستوى إدراك الفرد للفساد. على هذا الصعيد، يقول <Weder> ان التأسيس في المدرسة على المواطنة الصالحة يساهم في الحد من الفساد في المجتمعات.

ــ ثانياً: العوامل الاقتصادية: العامل الاقتصادي الرئيسي الذي يُشكل حافزاً للفساد هو ضعف النمو الاقتصادي، فانتقال بلد من حالة الفقر إلى حالة الثراء يُقلل من الفساد. وهذا يعني أن هناك علاقة سببية بين التحسن في مستوى الدخل وانخفاض الفساد. العامل الاقتصادي الثاني هو الأجور في القطاع العام حيث انه بحسب الدراسات تدفع الأجور المنخفضة في القطاع العام إلى زيادة مستويات الفساد، أضف إلى ذلك أن بعض المسؤولين <غير الشرفاء> يعمدون إلى استغلال ضعف الأجور في القطاع العام لزيادة ثرواتهم. العامل الثالث هو المدخول الريعي حيث ان البحث عنه يُفسر مستويات الفساد المُرتفعة في الدولة، فعندما تكون الدولة ذات مركزية كبيرة، تكون لدى المسؤولين الحكوميين موارد إضافية وبالتالي يكون مستوى الفساد مرتفعا (Rose-Ackerman, 1999).  والعامل الرابع والأخير هو الانفتاح التجاري إذ تدل الدراسات على أن الفساد في الدولة يكون أقوى مع زيادة الانفتاح التجاري بحكم أن أبواب الفساد تُصبح عديدة.

ــ ثالثاً: العوامل المؤسسية: لعل النظام الديموقراطي، الاستقرار السياسي، النظام السياسي، حرية الصحافة، ونسبة السيدات في المجلس النيابي هي من أكثر العوامل التي تحد من الفساد، فبحسب بعض الدراسات، العملية الانتخابية التنافسية النزيهة والمنافسة داخل الحكومة تساعدان في الحد من الفساد، لكن الأهم هو أن نسبة أعلى من النساء في المناصب العليا في الإدارة والمجلس النيابي تُساعد في الحد من الفساد. أما على صعيد المؤسسات الاقتصادية، فإن اللامركزية تؤدي دوراً أساسياً في صنع القرار وبالتالي الحد من الفساد، فبحسب Shleifer & Vishny كلما زاد تركيز السلطة داخل الحكومة زاد معها الفساد، مثلا على الصعيد الضريبي، تم إثبات أن مستوى التهرب الضريبي يقل مع توسع اللامركزية.

 

الفساد في لبنان وكلفته!

 

ــ المتتبع للأوضاع يرى ان كل العوامل الآنفة الذكر التي تُحفز الفساد موجودة في لبنان. فلماذا الاستغراب عن سبب وصولنا إلى هذا المستوى؟

– نظامنا القضائي في لبنان يخضع إلى العديد من الضغوطات التي تمنعه من العمل، فبين حرمانه حقه في انتخاب سلطاته العليا مرورا بتعيين جهازه الإداري وحرمانه استقلاليته المالية (صندوق التعاضد، الأجور) وصولا إلى التدخل في قراراته، وبالتالي تم ضرب الحصن الأول في محاربة الفساد. وماذا نقول عن التفتت العرقي واللغوي والسياسي في لبنان؟ فهذا الأمر يدفع كل حزب وكل توزيع اجتماعي إلى حماية الفساد القائم في بيته عملا بمبدأ الحفاظ على المجموعة. من هذا المُنطلق، أصبح لكل توزيع اجتماعي (ديني، حزبي…) مدارسه الخاصة التي اختفت من مناهجها دروس التأسيس على المواطنة الصالحة.

إقتصاديا ومع نسبة فقر 31.59 بالمئة وتراجع النمو الإقتصادي والقدرة الشرائية للمواطن، شكل الفساد بابا للخروج من الضيقة المالية. وهذا الواقع يتم استخدامه من قبل أصحاب نفوذ يرشون الموظفين العاملين في الدولة لتمرير صفقاتهم وفسادهم. أيضاً لا يُمكن نسيان الخوات التي يفرضها بعض الموظفين في الإدارة العامة والتي تُشكل مدخولاً ريعياً يأتي ليزيد من ثروتهم المبنية على مال حرام مدعومين بمركزية مُطلقة تزيد من أسعار الريع.

وماذا نقول عن المحاصصة التي تنهج في حياتنا العامة حيث يصل الفاسد إلى منصب عال عملا بمبدأ <Le Passager Clandestin> المعمول به في النظرية الاقتصادية. أما الذكورية المُهيمنة في لبنان فهي تمنع وصول المرأة إلى سدة القرار حيث أثبتت التجارب في العديد من الدول مقاومتها للفساد والتي كانت بدون أدنى شك لتُطبق اللامركزية الإدارية.

ــ الفساد واقع لا محالة ولكن هل من الممكن تحديد الكلفة بالارقام؟

– لقد كنا أول من أعطى أرقاماً لكلفة الفساد في لبنان وذلك في كانون الثاني / ديسمبر من العام 2015 حيث قدرناه بعشرة مليارات دولار أميركية موزعة بين خمسة مليارات خسائر مباشرة على خزينة الدولة وخمسة مليارات على شكل خسائر غير مباشرة أو ما يُعرف بغياب الفرص الاقتصادية، علماً ان الفساد هو نشاط سري حيث لا يقوم الفاسد بالتباهي بفساده بل يحفظه سرا من أجل استدامة أعماله، لذا يأتي تقدير الفساد ليُظهر مدى صعوبة إعطاء أرقام واقعية.

وتابع عجاقة قائلا:

– الحقيقة المرة أن كلفة الفساد الحقيقية لا أحد يعرفها وعندما نقول إنها عشرة مليارات دولار أميركي، فإن هذا الرقم هو الحد الأدنى:

ــ التهرب الضريبي قدرناه سابقاً ما بين 5 إلى 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، واليوم ومع ظهور عدد من المُعطيات الجديدة (مثل المقالع والكسارات) ارتفعت هذه النسب إلى أكثر من 10 بالمئة إلى 15 بالمئة لتُصبح الكلفة بالدولار الأميركي ما بين 5.4 و8.1 مليار دولار أميركي. ويدخل ضمن التهرب الضريبي: التهريب الجمركي، التخمين العقاري، الأملاك البحرية والنهرية، ضريبة الدخل، الضريبة على القيمة المضافة، المقالع والكسارات، مواقف السيارات…

ــ مستحقات الدولة لدى المواطنين من فواتير ورسوم غير مُجباة ما بين 3.74 و4.5 مليار دولار أميركي وهي بمعظمها مُغطاة من قبل أصحاب نفوذ من القطاع العام أو القطاع الخاص.

ــ الكلفة على الدولة نتيجة التلاعب بالمناقصات، سرقة مداخيل الدولة من المعاملات… تتعدى قيمتها المليار دولار أميركي سنويا.

أما الهدر الذي هو نتاج سوء الإدارة ولا يدخل ضمن خانة الفساد، فتبلغ كلفته السنوية ما يزيد عن مليارين إلى ثلاثة مليارات دولار أميركي سنويا.

ليكون بذلك إجمالي كلفة الفساد والهدر المباشرة على الدولة ما يفوق الـ13 مليار دولار أميركي.

 

الفساد الجمركي!

 

ــ وماذا عن التهريب والفساد الجمركي؟

– إن التهريب عبر الحدود الشرقية مع سوريا يتم عبر أكثر من 142 معبرا غير شرعي، علما ان الجيش اللبناني أغلق عشرات المعابر غير الشرعية وطمرها بسواتر ترابية، الا ان المهربين اعادوا فتحها بعد اخلاء الجيش لها. وهنا أشدد على ان تهريب البضائع عبر المعابر غير الشرعية على الحدود مع سوريا يتم نظرا الى فرق الاسعار، والبضائع المهربة تضم منتجات زراعية ومنتجات صناعية من كل الانواع.

ــ كنتيجة لذلك كم تبلغ نسبة الخسائر على الخزينة العامة؟

– إن الخسائر المباشرة على خزينة الدولة اللبنانية تتراوح بين 300 الى 500 مليون دولار سنويا، منها 100 الى 200 مليون دولار عبر المعابر غير الشرعية، والباقي عبر المعابر الشرعية. في حين ان الخسائر غير المباشرة أو الكلفة على الاقتصاد تفوق في اقل التقديرات 500 مليون دولار سنويا.

وتابع عجاقة قائلا:

– إن ثمن البضائع المهربة يتم دفعه بالدولار الاميركي، مما يحرم لبنان من العملة الصعبة ويزيد الضغط على الليرة اللبنانية، علما ان الوضع المعيشي الصعب هو احد اسباب ازدهار التهريب.

ويوضح عجاقة بان احدى وسائل التهريب عبر مرفأ بيروت هي من خلال تسجيل البضائع بخانات غير الخانات التي تتناسب والبضائع، وهذا ما يرتب خسائر مباشرة من مليار إلى مليار ونصف المليار دولار سنويا في اقل تقدير، في حين لا تقل الخسائر غير المباشرة عن مليار دولار سنويا.

ويضيف:

– كذلك فان التهريب عبر مرفأ طرابلس يتم بالطريقة ذاتها عبر تسجيل البضائع بخانات غير خاناتها الفعلية، فيما التقديرات تبقى غير دقيقة نظرا إلى أن النشاط الفعلي في المرفأ بدأ العام الماضي، لكن الخسائر المباشرة تبلغ 50 مليون دولار سنويا في اقل تقدير، أما بالنسبة الى التهريب عبر مطار بيروت فلا معلومات دقيقة حول ذلك ومن الصعب التقدير.