17 November,2018

كـي تـتـحــــوّل الـذكــــرى إلـى عـيـــــــد

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في الذكرى الثالثة والسبعين لإعلان دولة الاستقلال، يجب أن يقال وبخاصة للأجيال الجديدة أن الأمة تتذكّر، وأن الأمة لا تنسى.. فلا وجود لأمة تنسى ولا وجود لأمة لا تتذكّر.

وبقدر ما كبر لبنان في عمره الاستقلالي، بقدر ما أصبح يوم ذكرى استقلاله يوم تأمل في معنى الاستقلال عن العالم، وفي معنى العلاقات مع العالم كله، ومع أحداث العالم كلها التي تؤثر عليه سلباً وإيجاباً.

ولم يعد جائزاً للبنان أن يبقى كما كان قبل ثلاثة وسبعين عاماً، وكما كان العالم قبل ثلاثة وسبعين عاماً…

لقد أصبح وطننا مدعواً ومضطراً ليكون دولة تواجه سنة 2017 وسنة 2027 وسنة 2037 بكل ما سيطرأ على العالم من تطورات وتغيّرات لا يستطيع وطننا أن يواجهها بما واجه به نفسه والعالم منذ ثلاث وسبعين سنة.

نستطيع القول من دون أدنى شك أن لبنان لا يزال مشروعاً لم يكتمل ودولة قيد التأسيس.

إنه فكرة جميلة لم تتجسد دولة ووطناً… لوحة شُوّهت بالنظر الى ما تعرض له من تدمير منهجي لمعالمه الطبيعية والتاريخية.

إنه <تابلو> خدشته أظافر اللبنانيين، كل اللبنانيين، شعباً ومسؤولين على مدى ثلاث وسبعين سنة.

لم يعد جائزاً شعار دولة الاستقلال لأن المطلوب استقلال الدولة.

إن كل يوم يمر، سواء أكان 22 تشرين الثاني/ نوفمبر أم غيره، يحمل الى لبنان أحداثاً لبنانية وعالمية متحركة تلزم لمواجهتها دولة متحركة في التصدي لها، ومتحركة في التحكم بها، ومتحركة في الإفادة منها، ومتحركة في منع ضررها.

لم تعد تنفع المبادرات الخارجية رغم حاجتها، ولم ننعم حتى الآن بمبادرات داخلية لأنها صعبة.

ولا يمكن لبلد مستقل أن يستمر بالتسويات المفروضة من الخارج كما أنه لا يستطيع أن يستمر بعد حروب هي الأخرى كانت مفروضة من الخارج.

حروبه فُرضت فرضاً، وسِلمه فُرض فرضاً والتاريخ الحديث خير دليل:

– في العـــــــام 1958، فُرضــــــــت تسويـــــــــة أمـــيركـــــيــــــــــــة  – مصريـــــــة داخــــــل خيمـــــة على الحـدود اللبنانية  – السورية.

– في العام 1969، فُرضت تسوية عُرفت بـ<اتفاقية القاهرة> في مصر وليس في لبنان.

– في العام 1976، فُرضت تسوية في الرياض والقاهرة وليس في بيروت.

– في العام 1985، فُرضت تسوية عُرفت بـ<الاتفاق الثلاثي> في دمشق وليس في بيروت.

– في العام 1989، فُرضت تسوية عُرفت بـ<اتفاق الطائف> في السعودية وليس في لبنان.

– في العام 2008، فُرضت تسوية في الدوحة وليس في بيروت.

– في نهايـــــة العـــــام 2016، ربمــــا بــــدأ يتكون لدى عامة الناس انطباع جديد، وبداية شوق لأن يروا وجهاً جديداً للبنان جديد.. ويكفي أن يكون الانطباع بأنه أصبح للبنان رئيس صُنع في لبنان، وأن يكون الشوق لإحداث تغيير صادقين وفي محلهما.

إن الناس تريد حكماً قوياً لا حكومة قوية، تريد حكماً صالحاً بعيد النظر، واسع الأفق، حر التصرف، نزيه الإرادة، نشيطاً وعميقاً ومفكراً، متمــــرداً على كل المخالفات والرواسب السياسية والإدارية التي أعــــاقت وتعيق ولادة لبنان الجديد منذ ثلاث وسبعين سنة.

وسيكون من باب العودة الى تعليق سيف الكارثة الوطنية فوق الرؤوس، إذا تشكّلت الحكومة الجديدة من دون اتفاق على المواضيع الأساسية.

كان المشهد جميلاً يوم عيد الاستقلال الثالث والسبعين… ناس تسمّرت أمام الشاشات مبتهجة ويغمرها الأمل، وناس توجّهت الى القصر الجمهوري لتقديم واجب التهنئة.

أما المتابعون من منازلهم، فَسَها عن بالهم أن بلدهم مرهون بعشرات مليارات الدولارات ديوناً عندما لفتتهم السيارات الفخمة التي يصل ثمنها الى عشرات الملايين من الدولارات.

إن الذكرى هذه السنة أضافت إلينا نحن اللبنانيين مقيمين ومنتشرين، حقيقة أننا من وطن وفي، وطن يستطيع في كل لحظة أن يوظف بارقة أمل لكل اللبنانيين في قدرتهم على النهوض والاستمرار.

كل المؤسسات توقفت عن العمل تأملاً، الجامعات وقفت إجلالاً، المدارس احتفلت وتوقفت صفوفها، وحده <صف الحكي بعدو ماشي> ويجب أن يتوقف احتراماً لعقول الناس.