19 November,2018

كـــي تـــــرحـل الـشـيـاطـيـــــن وتـحـــــــلّ الـمـــــلائـكـة

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208في العام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية وحلّ السلام في العالم. ولكن هذا السلام الذي كلّف البشرية خسائر فادحة لم تكن صيانته سهلة ومقبولة رغم إنشاء نظام دولي جديد لتحقيق الامن العالمي تمثل باستبدال <عصبة الأمم< بـ<هيئة الأمم المتحدة> التي كانت تستهوي الرئيس الأميركي <فرانكلين روزفلت>، وغدت <الجمعية العمومية للأمم المتحدة> مجتمعاً عاماً لممثلي شعوب العالم ومنبراً عالمياً يبدون من فوقه آراءهم ومواقفهم.

والواقع أن الامم المتحدة استطاعت في فترة زمنية قصيرة أن تخطو بالسلام خطوات واسعة، وان تحقق للدول الصغيرة أمانيها في الاستقلال.

ففي ظلها جلت قوات الاتحاد السوفياتي عن إيران في العام 1946، ونالت أندونيسيا استقلالها عن هولندا في العام 1950، وتمكّنت عشرات الدول من التحرّر بعدما كان قد مضى عليها عشرات السنين تحت قيود الاستعمار، وفي الوقت عينه، سجلت المنظمة الدولية الجديدة انتكاسة خطيرة تمثلت بإنشاء دولة اسرائيل وزرعها في الجسم العربي ما تسبّب في نزاعات وحروب وويلات في الشرق الأوسط تكاد مع تطوّر الحركات الجهادية وتفّشي التطرّف والإرهاب أن تطيح بالمنطقة بأسرها وتزيل دولاً مع شعوبها وتجرّ العالم الى حرب عالمية ثالثة غير تقليدية بدأت ترتسم معالمها في أوروبا في أعقاب الهجرة غير المسبوقة ومجزرة باريس.

والواقع أن العجز الذي أصاب <هيئة الأمم المتحدة> ليس ناشئاً من طبيعة ميثاقها، بل من أهواء أعضائها الكبار، ومن جبن بعض أعضائها الصغار الذين يدورون في فلك الدول الكبرى، ويتخلّون عن شخصيات دولهم، فإذ بهم يميلون في التصويت الى جانب الدولة التي يدورون في فلكها.

إذاً، العالم اليوم مدعوّ لمؤتمر تأسيسي جديد، ويالطا جديدة خالية من التقاسم والتبعية، ومدعوّ لبناء سلام حقيقي لا يزال مفقوداً، وإزالة اللعنة التي سيطرت على شعوب الشرق الأوسط وبدأت تتسلّل الى شعوب أوروبا وسائر العالم.

العالم اليوم، مدعو، ومن فيينا، لبناء سلام شامل قبل فوات الأوان، والمشكلة الحقيقية التي يعانيها العرب منذ الهجمات على برجي نيويورك انهم لا يزالون يحتفظون بصورة من يصدّر الى العالم الإرهاب واللاجئين.

هذا ما عاشته <قمّة العشرين> في أنطاليا وهذا ما سيعيشه العالم مع شعوبنا المرهقة والتي لم تخطّط دولها للخروج من التخلّف والفقر وتقيم في عصر آخر ولم تحقق أي قفزة نوعية في حياة شعوبها.

والواقع أيضاً وأيضاً، ان الجرائم التي ارتكبها الإرهابيون في بيروت وباريس في وقت واحد تقريباً، تفرض على الكبار توافقاً سريعاً على حلول مُرضية، وان التهديد بارتكاب أفظعها يحتّم على اللبنانيين المفترض أنهــــم مخضرمــون ومجرّبون وملدوعون، أن يفرضوا على أنفسهم حلولاً سريعة تجنّبهم المقصّات وتغيير خريطتهم.

وليست ملاقاة الرئيس سعد الحريري للسيد حسن نصر الله في منتصف الطريق سوى إدراك واستدراك لحجم المخاطر المرتقبة على مستوى المنطقة عموماً.

إن الوطن الصغير الذي يعاني الكثير منذ أكثر من أربعين عاماً، مدعوّ لوقفة تضامنية نهائية تجنّبه ما يُحاك ويُخطّط للمنطقة وتحميه من تداعيات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر المتصاعدة منذ أربعة عشر عاماً وتقيه شرّ حروب دينية ومذهبية وعرقية، أين منها حرب المئة عام التي شهدتها أوروبا في العصور الغابرة.

إن الوطن الصغير، مدعوّ إعلامه لوقفة تأمّل يحتاجها شعبه المرهق، ولترجمة إعجابه بالإعلام الفرنسي الذي تعاطى بمسؤولية كاملة مع الهجمات البربرية الباهظة الثمن وحَجَب الدم عن المشاهدين، تماماً كما تعاطى الإعلام الأميركي مع أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بحجبه ثلاثة آلاف جثة عن النظر.

إن إعلام لبنان مدعوّ للمشاركة في صوغ لبنان الجديد، بالتوقف فوراً عن الثرثرة والاستعراضات التلفزيونية، والدفع في اتجاه انتخاب رئيس للجمهورية أولاً وتجاوز مقولة إنه مرآة للمجتمع ليتحوّل الى رأس حربة في إعادة بناء البلد.

إن مدارس لبنان مدعوّة ولاسيما في زمن الاستقلال لأن تعيد بناء أمجاد لبنان بتلقين التلامذة والطلاب ليس النشيد الوطني فحسب، بل أيضاً بتلقينهم أهمية لبنان الرسالة والعمل على ترجمتها وإرسائها ونشرها في دول المنطقة والعالم، علّ فيها خير دواء لشعوبها، وهرباً للشياطين التي تحوم حوله لتحلّ مكانها الملائكة، وإلا فلنرحل كلنا عن هذا البلد، ولنحزم حقائبنا ونمضي، لأن سوانا يتسلّح بالأحزمة الناسفة والأفكار الناسفة.