21 November,2018

كـــل العـــــرب فــي ظـــل غـصـــن الـزيـتــــون الـتـركــــي!

بقلم وليد عوض

امال-مدللي-انطونيو-غوتيريس 

المجذاف هذه المرة يتجه الى مؤسسات وزارة الداخلية والوزير نهاد المشنوق ومدير عام الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان. فقد كشفا خطة  الاغتيال التي تقف وراءها إسرائيل وتستهدف عضو منظمة <حماس> محمد حمدان، وكان ذكاء الرجل بتشغيل محرّك سيارته من خارج السيارة سبباً في فشل عملية الاغتيال، وقد كشفتها شعبة المعلومات وتوصلت الى العميل المكلف بالتنفيذ وهو ابن طرابلس محمد بيتية الذي هرب الى تركيا. وقد أجرى الرئيس سعد الحريري اتصالات بالسلطات التركية لتسليم محمد بيتية الهارب من قبضة العدالة.

ولبنان المحصن أمنياً يحتاج الى مساندة عالمية، خصوصاً في ملف النفط والغاز، وهذه المساندة موصولة بثلاثة حكّام كل منهم يتصور أنه يدير العالم. في مقدمة الحكام، يتربع الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> والرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون>، وولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان. وأحياناً تدخل <أنجيلا ميركيل> المستشارة الألمانية على الخط، ولكن بتأثير محدود. كما أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رغم مرضه واستخدامه الكرسي المتحرك، ما زال مصدر استشارة في تجارة الغاز والبترول وهي مصدر الغنى الأول للجزائر.

وكان الرئيس <ماكرون> أبرز من اكتشف أهمية الرئيس الجزائري، فسعى إليه خلال الشهر الماضي، وجالسه بدون ترجمان لأن <ماكرون>، يتقن العبارات العربية التي تصلح للمفاوضة. والرئيس بوتفليقة مسرور بهذه الموهبة عند الرئيس الفرنسي ففتح له قلبه وبعض ملفاته.

والرئيس <دونالد ترامب>، لا ينفرد بالقرار مع الأمير محمد بن سلمان وحده، بل يستعين في أحيان كثيرة بصهره <جارد كوشنر> وهو مستشاره الخاص.

ومهما فعل <دونالد ترامب> لإحداث تغيير في الديكور حول تصريحه بتهويد القدس في خطابه يوم السادس من كانون الأول/ ديسمبر، فلن يستطيع أن يتغلب على الإعصار السياسي الذي أحدثه التصريح الرئاسي، وأثار حتى حفيظة الحلفاء مثل المملكة العربية السعودية ومصر والاردن، وأيقظ التظاهرات الصاخبة والاحتجاجات الشعبية في العواصم العربية.

وما الزيارة المتأخرة التي قام بها <مايك بنس> نائب رئيس الولايات المتحدة للأردن يوم السبت الماضي، ولو جاءت مؤجلة مرتين، إلا محاولة لرأب الصدع مع حلفاء واشنطن، ومحاولة تفسير الأسباب التي دعت الرئيس <دونالد ترامب>، الى تهويد القدس عن طريق اعتبارها عاصمة لإسرائيل، مع معرفته وهو الخبير بالمزاج العربي، أنها خطوة قد تقلب عليه الحلفاء، وتضطره الى وضع خطة لاستردادهم، وما ذلك بأمر يسير.

الصورة الإيجابية التي حققها الرئيس <ترامب> في المؤتمر الإسلامي الدولي في الرياض، وتحالفه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والملك الاردني عبد الله الثاني، وولي عهد المملكة السعودية الأمير محمد بن سلمان، قد تشوهت وهو يعلن تهويد القدس وتستدعي القيام بحركة تصحيحية، رغم أنه يدرك كل الإدراك، وهو رجل الأعمال صاحب الخبرة بعواصم الشرق الأوسط، حاجته الى مسح الخط الأسود في سياسته حيال الرياض ومصر والأردن وبلدان الخليج ذات الحسب والنسب، وشريكة اتفاق <الناتو> تركيا، وكلها تدور في فلك واحد وهو صداقة الولايات المتحدة والمصالح الموصولة بها.

وقد أراد الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> في هذا الخضم، الوقاية من تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب الغارات المتعاقبة على منطقة <عفرين>شمالي سوريا بأن يستذكر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو يخطب في هيئة الأمم خريف سنة 1972 مطالباً بالدولة الفلسطينية ويقول: <لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي>.  ومنذ ذلك الحين وغصن الزيتون الفلسطيني يتقدم  معارك المطالبة بالأراضي المحتلة في فلسطين،  أما اسرائيل فقد داست على غصن الزيتون عدة مرات، mike-pence-king-abdullahلأن مصلحتها تنبع من الحرب لا من مفاوضات التهدئة والسلام.

ومن أجل انغماسها في حرب غصن الزيتون، تحاول منظمة التحرير الفلسطينية أن تجمع حولها دول الجامعة العربية والدول التي كانت في عصمة الاتحاد السوفييتي ودولة كوبا. أي حرب باردة من نوع آخر. والخاسر حتى الآن في هذه الحرب هو تركيا التي جعلتها صواريخها المسددة الى المناطق التي يقطنها أكراد سوريون وأكراد عراقيون لخلق جبهة موحدة ضد السلاح السوري والتسريع في تحضير مؤتمر <سوتشي> مع أواخر هذا الشهر لحقن الدم السوري، وفتح صفحة سلام ورفاه جديدة في سوريا، والارتداد على أي مخطط لتقسيم سوريا، لأن خارطة الطريق في المستقبل الآتي هي خارطة سلام تستنفر كل الإمكانات من أجل شعب مسالم مرفه متحرر من أي نزعة تقسيمية.

ولا يجوز أن ننسى بأن الأكراد ورثة صلاح الدين الايوبي يخططون لدولة كردية بشّر بها الكاتب الكردي الكبير محمد كرد علي، وبشر بها الكاتب الكردي اللبناني المكافح محمد قره علي الذي بدأ حياته حمّالاً في سوق الخضار، ثم تطور واستأجر مكتباً في شارع الخندق الغميق، وتحول الى كاتب مناضل هاجسه وهمه الدولة الكردية. فكما هناك جبل الدروز في سوريا، ينبغي أن يكون للأكراد دولتهم في سوريا نفسها، وإلا فسيظل الأكراد يبحثون عن دولة لهم ضمن الدولة، ويتحولون الى شعب تائه!

لعبة <مايك بنس> وأوراق آمال مدللي

والسؤال بعد ذلك كله هو: ماذا يستطيع <مايك بنس> نائب الرئيس الأميركي أن يفعل؟ وما مدى حضوره وتأثيره في الإدارة الأميركية؟

فبإعلان الرئيس <ترامب> لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس ماذا يمكنه أن يفعل؟ وماذا في استطاعته أن يغيّر أو يبدل في مخطط <ترامب> داخل الإدارة الأميركية؟ كيف يقنع الملك عبد الله الثاني بأن المساعدات الأميركية للأردن ستزداد، ولن تتناقص في نطاق المد العسكري؟ وكيف يقنعه بأن هذه السياسة التي ينتهجها الملك الأردني ستبقى محمية عالمياً بالمؤازرة الأميركية؟ وكيف يقنع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الدور المصري في الشرق الأوسط سيتطور ولن يتغير؟ وكيف يقنع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأن حربه ضد الحوثيين في اليمن تلاقي الترحيب من الولايات المتحدة الاميركية؟ وكيف يثبت بالدليل القاطع أن أميركا هي ضد الإرهاب الذي يجسده الحوثيون في اليمن؟ بل كيف يقنعه بأن السلام في سوريا يأتي من المدفع الروسي؟ وكيف يقنع الدول العربية بأن أميركا جادة في مكافحة الإرهاب من أول الكرة الأرضية الى آخرها؟

لقاءات ومؤتمرات ستأخذ مداها في الشهور المقبلة وفيها ينجلي الموقف الحقيقي للرئيس <دونالد ترامب> ويعرف قادة البلدان العربية كيف يتعاملون مع البيت الأبيض وكيف يسخّرون أميركا في خدمة العرب، فلا يقلبون في وجهها ظهر المجن، وحسب الرئيس <ترامب> ما يواجهه من تظاهرات ضد البيت الأبيض في مدن الولايات المتحدة بدءاً من واشنطن ونيويورك!

يبقى دور لبنان. ففي هيئة الأمم المتحدة الآن مندوبة للبنان هي الجامعية المتخصصة في العلوم السياسية آمال مدللي التي كانت واحدة من تلميذات رئيس تحرير <الأفكار> في الجامعة اللبنانية عام 1977، وصارت الآن كلمة لبنان في أعلى هيئة سياسية هي الأمم المتحدة. والذين يعلمون أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد اختارها مستشارة له في العلاقات مع الولايات المتحدة، يدركون أي إنجاز ستأتي به آمال مدللي في منصبها الجديد.

بأي حال، سوف نرى ماذا يمكن أن يقدم <ترامب> الى العرب بعدما تولى تشويه سمعته السياسية بتهويد القدس حتى لا يصدق فيه قول الشاعر: <كل أيامي لدي واحدة>.

 وعش رجباً مع الشاعر ترى عجباً!