25 August,2019

”كــــرة نــــــار“ مـوازنــــــة 2019 الــــى مـجـلـــــــس الـنــــــــواب ولا ضمانـــــات بخروجهــــــا منـــه كمـــــا أحالتهــــا الحكومــــة!

رحلة موازنة العام 2019 لم تنتهِ في مجلس الوزراء في الجلسة الرقم 20 التي استضافها قصر بعبدا، ذلك ان المسيرة سوف تبدأ من جديد في مجلس النواب حيث ستوضع الموازنة على مشرحة لجنة المال والموازنة النيابية التي يرأسها النائب ابراهيم كنعان والذي يستعد لـ<استقبال> الضيف المالي الجديد متسلحاً بأرقام ومعطيات يقول المطلعون انها ستضع الموازنة أمام امتحان صعب، على خلفية ما كشفته لجنة المال النيابية قبل أيام من أرقام فاضحة عن التوظيف الانتخابي الذي أدخل الى الادارة اللبنانية في الفترة الممتدة بين شهر آب (أغسطس) 2017 ونهاية كانون الأول (ديسمبر) 2018، نحو 30 ألف شخص تحت مسميات وظيفية مختلفة، بعضها لا نصوص قانونية تبرره، ولا ملاكات تتسع له.

جلسة إقرار الموازنة في قصر بعبدا، التي توقع الكثيرون أن تكون <حامية> والبعض قال إنها ستقلب الموازنة رأساً على عقب، كذّبت كل التوقعات إذ ولد مشروع الموازنة كما تم التوصل الى أرقامه ومندرجاته وقوانينه بعد 19 جلسة للحكومة عقدتها في السرايا الكبير، ولم تنفع مداخلات الوزراء ــ وبعضها كان تكراراً لمداولات السرايا ــ في إدخال أي تعديل على أرقام الموازنة ومضمون أبوابها ولا قوانينها التي كان كثيرون قد طالبوا بفصلها عن الموازنة وتقديمها الى مجلس النواب على حدة. وبدا من خلال مسار المداولات ان الرئيس سعد الحريري <وزع> المهام بين وزرائه مع كلمة سر تقضي بعدم إعادة المناقشة من جديد واعتبار نقاش السرايا كان كافياً حيث تم الأخذ بكثير من مضامين هذا النقاش. وهكذا من مداخلة الى أخرى، <ضرب> الرئيس عون على الطاولة معلناً انتهاء النقاش وإقرار الموازنة وإحالتها على مجلس النواب بسرعة فاقت كل تصور.

 

7,59 بالمئة نسبة العجز!

 

وبلغة الأرقام، كان المشروع الأول للموازنة الذي أعده الوزير خليل يلحظ 23617 مليار ليرة نفقات ومصاريف، في مقابل 18265 مليار ليرة ايرادات واقعية وأخرى متوقعة. وإذا أضيفت تكلفة الكهرباء وضمانة الدولة، والبالغة قيمتها 2500 مليار ليرة، فإن العجز قدّر بـ8,73 بالمئة. أما في المشروع الحالي الذي أقر فبلغت نفقات الدولة 23340 مليار ليرة، قابلة للارتفاع أكثر إذا أضيفت تكلفة الكهرباء في العام 2500، بحيث يصبح العجز قياساً الى الناتج القومي 7,59 بالمئة على حد الشروحات التي قدمها وزير المال علي حسن خليل، الذي اعتبر في أرقامه ما كان أثاره وزير الاتصالات عن تراجع واردات وزارته 150 مليار ليرة، وزيادة نفقات برنامج العودة للمهجرين قدرت بـ40 مليار ليرة.

صحيح ان بعض الوزراء كرر في جلسة بعبدا ما كان أوضحه في الاجتماعات الـ19 للحكومة في السرايا، إلا ان كل ما قالوه سوف يستثمر اقتراحات تعتمد خلال وضع موازنة 2020. وقد <اتكل> عدد من الوزراء على مجلس النواب ليأخذ له بـ<تاره> تخفيفاً وتعديلاً وربما إضافة.

من هنا، فإن أمام مجلس النواب من خلال لجنة المال والموازنة مسؤولية إعادة النظر بالموازنة بشكل واسع، ويبدو ان رواد ساحة النجمة باتوا مهيئين لخوض مثل هذه المغامرة التي قد تجعل الموازنة تتأخر عن الصدور نحو شهر ونصف شهر على أقل تعديل. وتحسباً لأي تأخير في درس الموازنة واقرارها نيابياً الذي سينعكس على صرف رواتب وأجور الموظفين والعسكريين والمدنيين، أحالت الحكومة في نهاية جلسة مجلس الوزراء مشروع قانون يقضي بتمديد السماح لها بالصرف والجباية على أساس القاعدة الاثنتي عشرية، إذ تنبه بعض المتابعين الى ان الاذن الذي منحه مجلس النواب للصرف على أساس القاعدة الاثنتي عشرية ينتهي مع نهاية أيار (مايو) الماضي بالتزامن مع انتهاء الدورة العادية الأولى لمجلس النواب، الأمر الذي

سيؤدي أيضاً الى فتح دورة استثنائية تحدد مدتها ومواضيعها بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.

هل يتجدد النقاش في مجلس النواب؟

في أي حال، ملاحظات الوزراء في الجلسة العشرين للموازنة ستكون حاضرة في جلسات النقاش في مجلس النواب بأصوات زملاء لهم ينتمون الى معظم المكونات السياسية اللبنانية، وعليه سوف تكون هناك ملاحظات لـ<الثنائي الشيعي> خلاصتها رفض ضريبة 2 بالمئة على المواد المستوردة من الخارج والتي وضعت بهدف تشجيع الصناعة الوطنية، كما ستكون للنواب مداخلات للاستيضاح وبلورة الأرقام وجعلها أكثر <انسانية>. كذلك لن تغيب أصوات نواب <اللقاء الديموقراطي> في السؤال لمعرفة أسباب عدم المساس بالأملاك البحرية لجهة رفع نسبة الرسوم على مخالفات اصحابها، اضافة الى الاقتطاع المقترح من رواتب وتعويضات السلطات العامة أي الوزراء والنواب الحاليين والسابقين ورؤساء الحكومة والمجلس النيابي وغيرها من النقاط التي تحدث عنها الوزير وائل أبو فاعور بإسهاب خلال الجلسة الأخيرة للموازنة. أما نواب <القوات اللبنانية> فسوف تتردد أصداء اعتراضاتهم وتحفظاتهم حول ايرادات قطاع الاتصالات وموارد مرفأ بيروت ومسألة إعطاء المهجرين 40 مليار ليرة لتسوية الأوضاع العالقة في المصالحات وغيرها، فضلاً عن اجراءات ضبط المعابر غير الشرعية وتحديث آلات الكشف على المستوعبات في المرفأ والتعاقد مع شركات التدقيق في مسألة توريد البضائع. وإذا توسع نواب الكتل الممثلة في الحكومة في ملاحظاتهم فسيكون أمام نواب <تكتل لبنان القوي> فرصة طرح ملاحظاتهم على الموازنة وتكرار دعوات رئيس التكتل الوزير جبران باسيل الى موازنة تلحظ رؤية اقتصادية شاملة وواقعية. ولن تغيب أيضاً أصوات نواب الكتل غير الممثلة في الحكومة مثل حزب الكتائب ومجموعة من النواب المستقلين.

وإذا كان من الطبيعي أن يعترض نواب المعارضة على تركيبة الموازنة وأرقامها، فإنه من غير الطبيعي أن ترتفع أصوات نواب الكتل الممثلة في الحكومة لـ<رمي> الموازنة بأحجار الرفض والانتقاد، وهو ما دفع الوزير باسيل الى القول في جلسة بعبدا ان هذه المفارقة سوف تبدو غريبة، فإما أن يلتزم نواب الكتل المشاركة في الحكومة ما وافق عليه ممثلوهم في الحكومة، والا يفتح باب المناقشة من جديد، وإذ ذاك لن تكون هناك موازنة ولا من يحزنون… إلا ان <خطر> النقاش وما يجره من مضاعفات، كان الأمـــــين العـــــام لحــــزب الله السيد حسن نصر الله قد تحدث عنه عندما قال إن نواب <كتلة الوفاء للمقاومة> سوف يناقشون في مجلس النواب علناً ما اعترضوا عليه في مجلس الوزراء ضمناً من دون الخروج الى الإعلام والحديث عنه.

وتقول مصادر وزارية ان الرئيس الحريري بدا ممتعضاً من مسار النقاش في جلسة بعبدا، لاسيما محاولة بعض الوزراء إعادة النقاش الى بداياته وكأن الوزراء لم يمضوا ساعات وساعات في 19 جلسة يناقشون بالتفصيل الممل أرقام الموازنة وأبوابها، وقد عبّر الرئيس الحريري صراحة عن امتعاضه عندما قال للوزراء <نحن لم نأت الى بعبدا لفتح النقاش من جديد… نحن أتينا لإقرار ما اتفقنا عليه في جلسات السرايا، فإذا أردتم فتح الملفات من جديد، تحملوا مسؤوليتكم بألا تكون لدينا موازنة مع ما سيترتب عن ذلك من تداعيات لاسيما في العلاقة مع الجهات الدولية التي تنتظر بفارغ الصبر صدور الموازنة كي تساهم في عملية النهوض الاقتصادي التي حدد اطرها مؤتمر <سيدر>!

 

<قطوع> حسابات القطع!

و<قطوع> تجدد النقاش في مجلس النواب لن يكون وحده الماثل أمام مسار الموازنة، ذلك ان ثمة <قطوعاً> آخر ينتظر الحكومة والنواب معاً، وهو كيفية إقرار الموازنة إذا لم تعرض قطوعات الحسابات عن الأعوام 1993 وصولاً الى العام 2017 التي أنجزتها وزارة المال وأحالتها على ديوان المحاسبة للتدقيق فيها. وهنا تكمن المعضلة إذ ان ديوان المحاسبة غير قادر عملياً على انجاز التدقيق في قطوعات الحساب عن هذه السنوات كلها نتيجة عدم توافر الجهاز البشري الذي يمكنه من القيام بهذا العمل، ما يعني ان القطوعات لن تكون جاهزة، وإن كان رئيس لجنة المال النيابية النائب ابراهيم كنعان قد أكد ضرورة إحالة قطوعات الحساب من الحكومة كمشاريع قوانين الى مجلس النواب لأن ذلك من مسؤوليتها وليس من مسؤولية ديوان المحاسبة الذي عليه أن يدقق ويرفع تقريره الى الحكومة. وهنا يطرح السؤال الكبير: كيف سيتمكن مجلس النواب من تجاوز هذه المعضلة التي تم تجاوزها خلال إقرار موازنة 2018 حين صوت المجلس على اعتماد قطع حساب العام 2017 فقط من دون مفعول رجعي الى العام 1993، على أن تنجز قطوعات الحساب خلال سنة من إقرار موازنة 2018، وهو الذي لم يتحقق فعلياً؟!

في أي حال، من الواضح ان الحكومة رمت <كرة نار> الموازنة في ملعب مجلس النواب الذي عليه أن يستعد لتلقفها والعمل على إطفاء نارها كي <تنعم> البلاد بموازنة عدد <الغاضبين> منها يفوق عدد <الراضين> بها بكثير!