19 November,2018

كسب المعركة على الحدود يبدأ ببناء دولة في الداخل

بقلم خالد عوض 

sayedhassan--2 في مقالته الأخيرة في جريدة <نيويورك تايمز>، يطرح الكاتب السياسي <توماس فريدمان> توصيفاً جديداً للحالة السائدة في الشرق الأوسط وبعض بقع الاضطراب الأخرى في العالم. ويقول: <…من ناحية الجغرافيا السياسية، لا تزال لدينا قوى عظمى تتنافس، غير أن الانقسام الأكثر أهمية على مستوى العالم حالياً لم يعد بين ما هو شرقي وغربي، أو رأسمالي وشيوعي، بل سوف يكون بين «عالم النظام> مقابل «عالم الاضطراب»، مع مزيد من الضغوط البيئية، والطائفية، والاقتصادية التي تعمل بجد على تحطيم الدول الضعيفة والفاشلة…>.

في هذا الكلام الكثير من الواقعية. ولا بد من تحليل كلمة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الأخيرة عن خطر <داعش> الداهم على لبنان إنطلاقاً من وصف <فريدمان> للدول الضعيفة والفاشلة.

سبب فرار الجيش العراقي من منطقة الرمادي هو بكل بساطة عدم وجود دولة عراقية بكل ما تعني كلمة دولة. وسقوط <تدمر> بسرعة قياسية يعود إلى تحلل الدولة في سوريا وهذا قبل أن تبدأ الثورة فيها عام ٢٠١١. وبالمعيار نفسه، فإن الخطر الوجودي على لبنان هو نتيجة لانحلال الدولة التي لحزب الله ضلع غير بسيط فيه عبر مبررات دور وشكل المقاومة بعد التحرير في عام ٢٠٠٠ بالإضافة إلى الأداء السياسي للحزب في حلبة <الطائف>.

لا إيران ولا تركيا تخافان من أن تكتسح <داعش> حدودها ليس فقط لأن القوة العسكرية التركية والإيرانية كفيلة بوقف <داعش> بل لأن الشعبين التركي والإيراني اختارا الدولة وليس الفوضى. في لبنان الشعب لم يختر الدولة ولذلك فهو مهدد. في سوريا بنت عائلة الأسد نظاماً متماسكاً سخرت الدولة من أجله ولكنها لم تبنِ دولة. نوري المالكي لم يبنِ دولة في العراق. والسيد حسن نصرالله وزعماء لبنان الآخرون ارتضوا الطوائف بديلاً للدولة من خلال تطبيقهم غير السوي لاتفاق  الطائف.

مقياس عدم وجود الدولة هو الفساد بكل أشكاله. عائلة <مخلوف> في سوريا وحراس النظام مثل رستم غزالي أمثلة على ذلك. وحدّث عن عراق الفساد أيام نوري المالكي بلا حرج. ربما يكون هناك فساد في دول <النظام> كما يسميها <فريدمان>، داعش-تدمرولكن الأطر القانونية الموضوعة والمتبعة في هذه الدول تسمح بملاحقته، فلا يتمدد ولا يكسر <النظام>. القانون هناك أقوى من الفساد والقضاء مؤسسة تمنعه من التفشي فتعطي مفهوم الدولة المناعة اللازمة.

لو كان حزب الله جدياً في إبعاد خطر <داعش> أو أي من أشكالها لكان رفض منذ البداية أن ينساق في مسار تحليل الدولة الذي بدأ منذ الطائف واستشرى بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. السيد حسن نفسه قال ان الخطر على لبنان يأتي من الداخل، من الفساد والنظام الطائفي. فماذا فعل أمام هذين الخطرين؟ حزب الله ليس وحده مسؤولاً عن انهيار الدولة ولكنه شريك في الجريمة الكبرى التي حصلت تحت إشراف الوجود السوري في لبنان وتفاقمت بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري.

وإستطراداً لكلام <فريدمان>، العالم ينقسم تدريجياً بين مناطق الدول القوية ومناطق الفوضى. معروف أي من المناطق هي سوريا والعراق اليوم، ومعروف أين هي إسرائيل، ومعروف للأسف إلى أين يهوي لبنان. وكلام حزب الله عن الجهوزية والقدرة على ردع الإرهابيين ودحرهم لا يطمئن. أن يكون الحزب <ضمانة اللبنانيين لو انتصر النظام في سوريا> يخيف ليس لأن الحزب لن يكون كذلك بل ربما يكون وهذا هو لب المشكلة. عندما يصبح حزب الله الضمانة ضد إسرائيل والنظام السوري و«داعش> يعني أننا فقدنا مستقبل البلد وحقه في أن تكون له دولة قوية سيدة تحكم بالقانون.

لو خير أي شاب من جمهور حزب الله بأن يلتحق بالحزب لمحاربة التكفيريين ومساعدة النظام في سوريا أو بالجيش اللبناني للدفاع عن لبنان وحدوده ودولته سيختار الحزب. هذه الحقيقة تقلقنا ولا تطمئننا مهما كانت إنجازات حزب الله العسكرية ومهما احترمنا شهادة مقاتلي الحزب.

كلام السيد حسن نصر الله الأخير نعى قيام الدولة في لبنان. هذا يعني حسب النظرية <الفريدمانية> أن لبنان اندمج في مناطق الاضطراب والفوضى في العالم… ولأجل غير مسمى.