20 September,2018

كذبة اسمها الديموقراطية التوافقية  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

انتظرنا حكومة انفراج فإذا بها تتطوّر مع الوقت الى حكومة <فرجة> بل <صندوق فرجة>. انتظرنا من سياسيينا القليل من الحياء، فإذا بهم يتطوّرون مع الوقت الى أساتذة في الوقاحة…

انتظرنا من أنفسنا عمل شيء مفيد، فتطوّر لساننا الى ما ليس له قدرة على الفائدة، ولم تعد أي فائدة من التنكيت ولا من التشهير ولا من البكاء.

انتظرنا من المجتمع المدني ما يمكن أن يُشكّل صدمة لأنفسنا وللحكّام، فإذا بالمجتمع المدني <الديموقراطي> يغرق بنظام ديموقراطي ليس له مثيل في العالم، ويخسر بطول اللسان بعدما اكتشف أن بعض السياسيين يتميز بلسان أطول…

من هنا، هل يمكن أن يكون الكلام الهادئ خير من كلام التجريح؟ وهل لا يزال خير الكلام ما قلّ ودلّ صالحاً في بلاد الأرز؟

ممكن، ولكن العلّة الكبرى في مكان آخر. إنها في ديموقراطيتنا التوافقية العجيبة الغريبة التي لا معنى لها ولا تفسير ولا إفادة.

إنها واحدة من أسباب الصراع على الحكم والرئاسة، وهي كانت ولا تزال تسمح بالقول سلفاً وقبل التطوّرات السلبية انه يمكن أن تحدث بل لا بُدّ وأن تحدث، أو كما حدثت حتى الآن.

بمعنى آخر، تقول انه لا بدّ من حدوث شيء غير عادي، لأن المواضيع المُختلَف عليها غير عادية وقابلة للتسميم والانفجار وفي أحسن الحالات للتأزيم…

ما العمل؟

لا رؤية واضحة في المدى المنظور ولا حتى في المدى البعيد، فهذه الفلسفة اللبنانية، بل الاختراع اللبناني في ممارسة الديموقراطية التوافقية عطّلت تقدّم البلد وازدهاره عشرات السنين.

إذ كيف تكون ديموقراطية وتوافقية في آن؟ فهذه تدحض تلك، وكيف تُمارَس؟ وأي مجلس نيابي أو حكومة سينبثقان منها؟

هل يستطيع المجلس مراقبة أو محاسبة حكومة هي منه وفيه؟ وكيف تحكم حكومة يتباهى من في داخلها أنه يستطيع تعطيل قراراتها؟ وهل تستطيع الديموقراطية التوافقية أن تؤلف حكومة ديموقراطية في معناها الحقيقي؟

لم يشهد العالم حالة شبيهة بالحالة اللبنانية التي لا ينفك البعض في الاعتزاز بها على أنها مضرب مثل ومثال للعالم.

إنها الحالة التي من العجز أن تأتي برئيس للجمهورية مُنتخب بإرادة ممثلي الشعب، وهل يمكن أن تأتي الديموقراطية التوافقية برئيس ديموقراطي وبأكثرية الأصوات؟

ويقولون إننا ننتمي الى عالمٍ ثالث هو مُتقدّم الى حدّ بعيد عن عالم <رابع> يمكن أن يتشكّل أو يرى النُور (بضم النون) مع الحالة اللبنانية… ولكن أين نحن من زمن العجائب؟.. عجيبة أن يشاركنا أحد عالمنا الرابع!

كيف يحكم رئيس الجمهورية؟ هذا إذا وصل، وهل التوافق عليه يجعله حاكماً أو رئيساً؟

وكيف تحكم حكومة، هذا إذا شُكّلت، بالتوافق؟ وماذا يحدث إذا لم يتوافق أعضاؤها؟ يحدث كما يحدث الآن وكما حدث بالأمس وقبل سنين عديدة…

في لبنان، لا يمكن القول ان الوزارة الجديدة مفاجأة، المفاجأة الوحيدة هي في الإقدام عليها! ولا يمكن القول ان عملية انتخاب رئيس للجمهورية مفاجأة، المفاجأة الوحيدة هي في الإقدام عليها!

وبعد، هل يمكن أن تحكم الوزارة براحة، من دون مشاكل ومشاحنات وصراخ وكلمات رخيصة وان تصدر قرارات؟ بالتأكيد لا. لأن الزعامات من خارجها هي التي تحكم وتتحكّم بها، ولأن أعضاءها ينتمون الى مجلس نيابي لن يستطيع محاسبتهم لأنهم منه وفيه.

السياسيون الجدد يأخذوننا الى عتمة المجهول، ونحن في مرحلة حرجة من مراحل المصير: نريد مقاعد تأتي من تصويت وليس من انتخابات، نريد حصصاً لا رجالاً، نريد توافقاً قد يتحقق يوماً وقد لا يتحقق أبداً، ولكنه الوحيد المؤتمن على وجودنا ومستقبلنا.

أو لعلّهم يريدون تثبيت التعطيل الى ما شاء الله، فهو يفيد في تحسين أوضاع المقاعد وزيادتها ويُبقي لبنان على ما هو عليه، الدولة الوحيدة التي لا كهرباء فيها ولا رئيس للجمهورية، وبعض ناسها – وهم في ازدياد – يسعى الى الفساد.

إن الديموقراطية التوافقية مطابقة لضم النيابة مع الوزارة وليس للفصل بينهما.

إن الديموقراطية التوافقية لا تحاكِم ولا تحاكَم ولا تحكم، إنها <عطيلة> وعصية على المحاسبة والمساءلة، وتأمين المساواة والفرص السياسية والإدارية للكفايات وذوي الاختصاص والعلم والمعرفة، إنها أهم غذاء للفساد والساعين إليه…

إن الديموقراطية التوافقية حوّلت الأقنية التلفزيونية حصصاً لسياسيين ونافذين يتصرّفون بها كما يشاؤون وفقاً لأهوائهم ومصالحهم.

صحيح ان الديموقراطية الحقيقية والصحيحة قد لا تأتي بممثلين حقيقيين على غرار ما يحصل في الدول الديموقراطية العريقة حيث الناس لا تُحسن الاختيار دائماً ولا تصيب في الاستفتاء أحياناً – الأميركيون أتوا بـ<جورج بوش> الابن مرتين، والفرنسيون خذلوا <ديغول>، والإنكليز أسقطوا <تشرشل> – ولكن الصحيح أيضاً أن الديموقراطية التوافقية عديمة الفرص للاختيار، أكان حسناً أو سيئاً، بل هي عملية فرضها المال تارة والقوة تارة أخرى والخطابات الشعبوية تارة ثالثة.

إننا في لبنان، على موعد مع الشروع في التغيير عملاً فاعلاً لا قولاً كما هو رائج في المناسبات، ولن نبقى مرضى مطلوب منا أن نطبّق وصفة معيّنة مجرّبة في حالات نتفق معها بنسبة ونختلف بنسبة.

نريد نظاماً ديموقراطياً صافياً ونقياً، تحكم فيه الأكثرية البرلمانية وتُعارض الأقلية، شريطة أن يكون قانون الانتخابات عادلاً… ولكن، من سيصنع هذا القانون؟