21 September,2018

كامـــل مـــروة.. مــن أوائــل مـن رعــــوا الحــوار الـسـنـــي - الـشيـعـــي عـربـيـــــاً!

 

بقلم عبير انطون

5-(1)

بالتزامن مع ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية، وفي الذكرى الخمسين لاغتياله، استعادت العاصمة اللبنانية بيروت كبيرا من صحافييها، كامل مروة. ففي قلب الوسط الحزين الفارغ الا من رجال الامن على ابوابه والخالي من كل معالم الحياة او السياحة، يأتي معرض «كامل مروّة – الذكرى الخمسون: حياته في صُوَر> ليحرّك الركود في <سوق الذهب> وليستقبل وجوهاً لامعة صحافية واعلامية في غالبيتها، جاءت تؤدي التحية الخمسين لمن <قال كلمته ومشى> في درب حفرت اسمه بالقلم الحر والرأي الجريء، وبحداثة بنت <الحياة> صرحا صحافياً خرّج اجيالا ولم يزل..

رحلة في حياة كامل مروة تأخذك اليها الصور المنتقاة بحسب الحقبة المحكي عنها وحتى المقال الاخير، بدعوة من <مؤسسة كامل مروة>، كما يتضمن المعرض عددا من صفحات جريدة «الحياة> منذ أن أسسها مروة سنة 1946 ولغاية اغتياله عام 1966.

مروة وعبد الناصر

 من ولادته في بلدة الزرارية جنوب لبنان في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير 1915، ووفاة والده جميل تاجر الاقمشة الذي كان من اوائل المغتربين اللبنانيين الى المكسيك والتي عاد منها، الى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وبداية عمله الصحفي في العام 1934 في جريدة <النداء> لصاحبها كاظم الصلح تبدأ مسيرة كامل مروة. في 5-(10)العام 1937 انتقل الى <النهار> ليقوم بعد اربعة اعوام، أثناء الحرب العالمية الثانية، برفقة مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني، بجولة في الدول الأوروبية لاسيما تركيا وبلغاريا وألمانيا حتى عودته في العام 1946، عام اطلاقه جريدته <الحياة> من مكاتب <النهار> في سوق الطويلة، وليصدر في العام 1952 صحيفة <الدايلي ستار> باللغة الانكليزية. هذا كله جعل من حياة كامل مروة، زوج سلمى البيسار ووالد حياة وجميل ولينا وكريم ومالك، غنية وفاعلة. الصحيفتان اللتان ارتبطتا باسمه <الحياة> و<الدايلي ستار> الى جانب <بيروت ماتان> اشتهرتا بمعارضتهما لسياسات الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واتُهم مروة بأنه موال لبريطانيا ومنخرط في الخطة الغربية لمواجهة جمال عبد الناصر.

من هذه النقطة بالذات، مواجهة عبد الناصر، كان حديث <الافكار> مع الشاهد العيان على ليلة الاغتيال الكاتب في صحيفة <الحياة> عرفان نظام الدين، وقد كان مع زميله في الصحيفة جهاد الخازن آخر من رأتهما عينا كامل مروة، مسلمة اياهما الامانة. باسترجاع لذكرى اليمة عمرها خمسون عاماً، وبعد التوقف عند المعرض وصوره ومناسباتها الفريدة، يروي عرفان نظام الدين ليلة الاثنين 16 أيار/ مايو 1966، ويخبرنا بجديد لم يُعرف على نطاق واسع حول ما قاله الرئيس السادات لسلمى البيسار زوجة الشهيد كامل مروة والوفد المرافق لها اثناء زيارتهم للقاهرة. ويقول نظام الدين:

 كنت رئيس قسم الشرق الاوسط في صحيفة <الحياة> ايام الصحافي الكبير كامل مروة. موضوع الاغتيال معقد، وتتعلق القصة بحروب المخابرات في لبنان زمن الستينات. كان كامل مروة احد ابرز الصحافيين العرب، وكانت <الحياة> اهم الصحف اللبنانية – العربية، وكان الجو العام ملبداً بالصراع السعودي – المصري ايام سعود الفيصل وعبد الناصر وفي عز حرب اليمن، وكان حينذاك زمن مدير المخابرات في سوريا عبد الحميد السراج، فحيكت مؤامرة اغتيال مروة بعد تشكيل خلية للقتل كُلف بها ابراهيم قليلات، وقد جاء اعترافه صريحا في القرار الظني. اما عملية التنفيذ فتمت كالآتي:

 كان محمود اروادي يعمل على السنترال في <الحياة> مقابل مكتب كامل مروة، وكان هناك رجل للخدمة <اوفيس بوي> اسمه جميل خريس يُطلب منه تنفيذ بعض الامور، وله والدة مقعدة. اتصل احدهم بخريس بحجة ان منزله يحترق، ما اضطره لترك مكان عمله على وجه السرعة، فأُخلي الجو لتنفيذ العملية التي كُلف بتنفيذها شاب ناصري يُدعى عدنان سلطاني، خاصة انه معروف عن مروة كتابته لمقاله عند التاسعة من مساء كل يوم، كما أنه كان ينص <المانشيتات> ويحرر الاخبار بيده. اتصل اروادي بسلطاني واخبره بأن الجو مهيأ واتصل ايضا بكامل مروة مخبرا اياه ان لديه شخصاً من قبل صديقه ابراهيم بيدس يحمل له رسالة منه، فطلب مروة ادخاله، وكان يكتب مقالته الاخيرة. دخل سلطاني على انه حامل الرسالة، سلمه اياها ففتحها مروة وبدأ بقراءتها فعاجله برصاصتين من مسدس مزود بكاتم للصوت ليصيبه في قلبه فيما استقرت الثانية في رئته.

5-(22)ويزيد نظام الدين قائلاً:

 – كان مروة قوي البنية فاستل قبل ان يقع ارضا (منفضة) للسجائر كانت بقربه ورماها صوب الزجاج فكسره ما احدث صوتاً جعلنا نترك مكاتبنا. خرجت بسرعة من مكتبي المقابل لمكتبه في الطابق الثاني، وكان احدهم قد اقفل بابي من دون ان انتبه. في هذه الاثناء كان سلطاني يخرج من مكتب مروة باعصاب باردة، يلبس طقماً كاكياً مع نظارات سوداء، يحمل شنطة <السمسونايت> والعلكة في فمه. سألناه ماذا هناك، فقال ان مصدر الصوت هو من الطابق الاسفل.. نزلنا الى الطوابق السفلى نتساءل عما يجري فقالوا لنا انه المعلم، المعلم كامل.. هكذا كنا نطلق عليه جميعنا. عاودنا الصعود مع حارس بلدي من آل الرمال وهرولت مع الزميل جهاد الخازن الى مكتبه فرأيناه ممددا على الارض غارقاً بدمائه، يلفظ انفاسه الاخيرة، ينظر الينا وكأنه يقول: <لا تتركوا دمي يذهب هدراً>… لحق بعض الشباب بسلطاني عند مبنى العازارية، فقفز من فوق الطابق الثاني، ثم ركض صوب مدافن الباشورة فالقوا القبض عليه هناك اثناء مرور دورية، وكانت تلك جريمة الاغتيال الاولى في لبنان التي يتم القاء القبض على فاعلها فورا، فتُكشف الامور في حينها وتُعرف القصة بكاملها.. سُجن سلطاني عشرين عاما خرج بعدها، اما اروادي الذي سهّل له الدخول الى مكتب مروة، فقد تمكن من الفرار عبر نافذة في دورة المياه، وكانت سفينة بانتظارهما عند عين المريسة تمكن اروادي وحده من ركوبها بعدما أُلقي القبض على سلطاني الذي اعترف بكل شيء، وقال: <ان ابراهيم قليلات طلب اليه تنفيذ الجريمة>. تم القاء القبض على قليلات، لكن كما تعرفون احوال القضاء تم اخراجه من السجن وسارت تظاهرات في الشارع تنادي بالزعيم الوطني ابراهيم قليلات، الذي اصبح زعيم <المراطبون>.

ويزيد نظام الدين قائلاً:

 – كنت موجوداً مرة في اوتيل <شيراتون> القاهرة وانا اتلفت من حولي في <الكافيتيريا> وجدت اروادي في وجهي، هممت لاتجه صوبه فتنبّه إلي، وفر بسرعة البرق.. اغتيال كامل مروة هزني في العمق وقد كنت احبه جداً.. ويبقى لافتا السؤال الاهم: لماذا قُتل مروة في قلب مكتبه وكان يمكن اغتياله عند اي مفرق او منعطف اثناء عودته الى بيته في بيت مري في سيارته <الرينو 5> كل ليلة؟.. المقصود هو التوجه الى الشخص ومن يعنيهم الامر <اننا قادرون على قتلكم في عقر داركم>، تماما كما حصل مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يتجول بشكل متكرر في الـ<سوليدير> ويسلم علينا في الـ<سيتي كافيه> فرداً فرداً، وكان يمكن لاي قناص ان يُكلف بالامر، الا ان الرسالة كانت انه يمكن الوصول اليه ولو كان في حصن حصين.

 السادات.. والملف!

5-(21)

وفي ما يُعلن عنه للمرة الاولى ربما، يروي نظام الدين لـ<الافكار>:

في زيارة منا للرئيس المصري الراحل انور السادات، وكنا برفقة السيدة سلمى زوجة المعلم كامل، قال لها السادات: <سأعطيك الملف الكامل عن الاغتيال>، الا انه في اليوم التالي على هذا الحديث اتى مدير القصر الجمهوري معتذرا عن عدم امكانية تزويدنا بالملف لاسباب.. خاصة !

وعن ارتباط اسم كامل مروة بالحداثة الصحافية، يؤكد نظام الدين انه كان اول من ادخل التقنيات الجديدة حينذاك كالـ<اوفست> مثلاً، واول من اسس لفكرة الـ<بان اراب نيوز>، اي جعل صحيفة <الحياة> لبنانية وعربية في الوقت عينه: <كنا نبيع في الاردن 6 آلاف نسخة، في السعودية من 7 الى 8 آلاف نسخة، وفي مصر كذلك>. ويقرن الكاتب الصحافي حداثة كامل مروة بالدقة في نقل الخبر، ويفسر ذلك بمثال يعطيه:

– توليت قسم الشؤون العربية وكانت <الحياة> ميالة الى الملكيين في اليمن، الا ان مروة لم يرد مرة الا ان نمسك العصا من الوسط بين الملكيين والجمهوريين فننقل اخبار الجانبين بموضوعية تامة. كذلك يخبرنا نظام الدين عن تميز مروة بالنواحي الاجتماعية واهتمامه بها، <اذ كلفني مرة باعداد تقرير حول الغلاء في شهر رمضان، وكنا يومئذٍ نتحدث> بـ<الفرنكات>، واحتل ما يكلفه صحن الفتوش عند الافطار الصفحة الاولى..>.

وعن صحافي يرى فيه نظام الدين اليوم امتدادا لمروة وقلمه، يقول:

– للاسف لا احد يشبه كامل مروة من الصحافيين اليوم. رحل العمالقة من غسان تويني الى كامل مروة وجورج نقاش ورشدي المعلوف وسعيد فريحة وسليم اللوزي، حتى مقتل اللوزي له معناه بالطريقة التي أُردي بها. لم تكن كلمة كامل مروة مؤثرة في لبنان فقط انما في العالم العربي كله، وكان الصراع العربي في اوجه كما هو اليوم لكن ليس بـ<وساخة حاضرنا>. كان مروة هاشمي الهوى في بداياته الى ان بدّل موقفه، ويُشهد له انه رعى منذ تلك الايام الحوار السني – الشيعي، ما هيأ لاتمام زيارة الامام موسى الصدرالى السعودية ولقائه بالملك فيصل بن عبد العزيز، اذ اجتمع الاثنان برجال دين من الطرفين وقال اثناءها الملك فيصل رحمه الله: <اكتبوا ما انتم متفقون عليه في نقاط، واتركوا لنا الخلافات الاخرى نحلها>… للاسف قُتل كامل مروة، قُتل الملك فيصل، غُيّب الامام موسى الصدر، وجراء ذلك تعرفون الرابط بين ما نعيشه اليوم وبين الماضي.

5-(19) 

عطا الله: البرقية قبل يوم..

 

في المجال عينه، وحول تأثير كامل مروة العربي ما كان سبباً مباشراً في اغتياله، كتب الصحافي في جريدة <الحياة> سمير عطا الله <أنه بعد عملية الاغتيال ببضعة أسابيع التقى الكاتب والمفكر السياسي منح الصلح مع محسن ابراهيم في فندق <هيلتون> في القاهرة، وهو من مؤسسي <حركة القوميين العرب> ومقرب من الرئيس عبد الناصر، وقد أخبر ابراهيم الصلح أن الرئيس عبد الناصر أرسل برقية تعزية في اليوم التالي على اغتيال مروة، فرد الصلح بالقول: <أحمد ربك أن البرقية لم تصل قبل الاغتيال بيوم>.

وعندما روى محسن ابراهيم للرئيس عبد الناصر ما قاله الصلح انفجر ضاحكاً ثم توقف فجأة وقال بوجوم <كامل مروة لم يُقتل لأنه صحافي كبير بل قُتل لأنه أكبر من حزب معاد>.

 

شلالا.. زمن الكبار

 

 في سيرة كامل مروة أيضاً محطة عن ولادة <الحياة> من مكتب في جريدة <النهار>.. بتمعن كبير كان رفيق شلالا المستشار الاعلامي الرئاسي ومدير الوكالة الوطنية للاعلام سابقاً يقرأ ما جاء فيها، فسألناه عما يعنيه له اسم مروة، وكيف يفسر ولادة <الحياة> من مكتب لـ<النهار> منافستها الابرز، وبتشجيع حتى من غسان Pic-2تويني، فيجيب:

 – كنت لا ازال في بداياتي حين سمعت باسم كامل مروة وأعرف انه صحافي كبير له حضور مميز واسلوب عمل مختلف عن كل الاساليب الاعلامية التي كانت سائدة حينذاك، واكثر ما يعنيني انه مؤسس مدرسة <الحياة> التي خرّجت اجيالاً من الصحافيين ولا تزال. لطالما تميز مروة برأيه الحر وبجرأته التي دفع حياته ثمنها، شهيداً من شهداء الصحافة اللبنانية حتى من قبل ان يكون للصحافة ولبنان شهداء في التاريخ الحديث اي في حقبة ما بعد الاستقلال. انا ابن صحيفة <النهار> التي وُلدت <الحياة> في احد مكاتبها، وهذا امر لا يمكن ان نشهده اليوم حيث غابت روح الزمالة الفعلية التي كانت سائدة سابقاً. لم تكن <النهار> والـ<الحياة> تتنافسان بل تتكاملان والعمل الاعلامي الحقيقي هو عمل تكاملي بالاصل بين جميع مؤسساته، الا انه وكما كل شيء في لبنان تغير للاسف..لم نعد في زمن غسان تويني ولا في زمن كامل مروة!