25 September,2018

”كاريكاتور“ المسرحية الغنائية الاستعراضية الجديدة لروميو لحود

بقلم عبير انطون

2

يبدو انّ <بنت الجبل> المستعادة العام الماضي كانت وجه السعد على المؤلف والمخرج المسرحي الكبير روميو لحود، وما عاد لذلك الاعلان الذي جعلنا نحزن نحن متابعيه يوم قال <يمكن يكون آخر عمل بعملو> اي مكان في الانطلاقة مجدّدا على خشبة <تياتر دي أر> (مسرح الفنون) في جونية، المسرح الذي حلم به لحود فحمل افكاره على جناح الابداع، معيدا الحنين والذكريات لجيل سابق واعادة الاكتشاف للجيل الجديد والاهم تقديم نماذج أصيلة لمن يؤمنون بالفنّ اللبناني ووجهه الحقيقي. اليوم، بعد وعده لالكسندرا زوجته الراحلة بالوقوف من جديد مهما عصف به حزن الرحيل ولوعة الفراق لحبيبة العمر، وبعد اثنين واربعين عاما على مسرحية <سنكف سنكف> مع وردته الراحلة سلوى القطريب الذي يستمر عبق سحرها ينتشر في مسرحياته المستعادة، يقدم روميو لحود مسرحيته الغنائية الاستعراضية تحت عنوان <كاريكاتور> النسخة الجديدة المنقحة عن <سنكف سنكف> سابقاً..

حاضرنا الماضي. .

 العنوان الحالي <كاريكاتور> يرده المؤلف والمخرج روميو لحود الى وضعنا العربي الراهن <انها صورة مضخمة عن الوضع الذي نعيشه في لبنان منذ عقود، ومهما تبدلت الاسماء والوجوه واصحاب القرار الا ان المواقف المضحكة ــ المبكية للحكام والمحكومين بقيت على حالها حتى اشعار آخر>.

 تمتدّ المسرحية الاستعراضية لساعتين من الوقت، تحتضن خمسين مشاركا على المسرح عدا التقنيين الذين يعملون في الكواليس. ضخامة العمل بتفاصيله كافة تطلب ميزانية كبرى لا تحدد ارقامها، انما قد لا تقل عنتلك التي تطلبها العمل السابق <بنت الجبل> والتي بلغت تكاليفها ما يقارب المليون دولار الا ربع المليون، فغطت الكلفة وعادت بالارباح حتى بحسب ما يصرح لحود.

 يؤكد مؤلف العمل ومخرجه على المتعة التي تسافر بالمشاهد على متن مسرحيته طوال فترة العرض لكنها في الوقت عينه تحثه على التفكير في حاله والظروف التي يعيش فيها، مع لفتة خاصة صوب الجيل الجديد الذي يؤمن به لحود جدا، ويصوره الرافض الاول للواقع الراهن والساعي الى تغييره، وهذا ما يستشفّ في المسرحية من خلال الحبيبين الشابين اللذين يرفضان ما يدور حولهما. وما يدور، لا يطال المجتمع أو الوضع اللبناني وحده بل دول الشرق والغرب حيث لا يتمتع الكثيرون من رؤساء العالم الحاليين بالمستوى القيادي المطلوب، بحسب لحود.

في العام 1974 عرض العمل كما سبق وذكر تحت عنوان <سنكف سنكف> مع القديرة الراحلة سلوى القطريب، ملكة جمال الكون جورجينا رزق، عبده ياغي، طوني حنا ورضا كبريت. الوجوه تلك، لم ينسها اللبنانيون، فهي في ذاكرتهم راسخة ابدا. وللطاقم الجديد، اختار لحود بداية ً ملكة جمال ايضا، هي ملكة جمال لبنان للعام 1998 كليمانس اشقر التي بدأت بالبروفات معه ثم انسحبت لاسباب شخصية فهي ام لرضيع في شهره العاشر ولم يكن الجمع بين المهمتين سهلا. استبدلت كليمانس بسيدرا عيد: استاذة رقص ومسرح، خاضت المنافسة في مسابقة انتخاب ملكة جمال لبنان من 11 عاماً وانسحبت منها، وهي بحسب لحود لا تقل جمالا ولا موهبة عن اشقر التي غابت عن العمل. ومثلها تغيب ايضاً الين لحود، ابنة سلوى التي لن تطل في <كاريكاتور> على وعد ان تطل 1علينا في عمل مسرحي جديد العام المقبل. اما باقة الاسماء المشاركة الاخرى فتتشكل من وجوه جديدة عديدة، الامر الذي يؤمن به لحود الى اقصى الحدود، <ذلك ان منحها الفرص مفروض لا بل هو واجب>. من هذا المنطلق تمّ التعاون مع كل من عصام مرعب، وجاد القطريب الذي يعيش مع ماريتا نادر في <كاريكاتور> قصة حب كبيرة، اذ يلعب دور شقيق الملكة المتيم بابنة الملك ويرفضان ما يحصل من الاعيب بين المملكتين.

 الى هذه الاسماء تبرز مشاركة لكل من لودي قزي، سارة شلهوب، رفعت نهرا، حسن الموسوي، جان الهاشم، ريشار نعمة الى جانب طبعا البطل الرئيسي والوجه المعروف طارق تميم.

 ذكي بوجه آخر..

 

كشف الملك اوراق مملكته لـ<الافكار> بدءا من الشخصية التي يلعبها، فتحدث طارق تميم عن دوره والتفاصيل: <تعرفون ان المسرحية ليست جديدة وقد اعيدت كتابتها بما يتلاءم مع الزمن الحالي الذي نعيشه، ليس من ناحية صيغة الحكم فلا نعيش في مملكة اليوم، انما في نظام رئاسي شأن الكثير من الدول العربية التي تنطبق عليها ايضا احداث المسرحية. العب دور الملك وهو دور رئيسي وتتكشف خيوط العمل من خلال زيارة استقبل فيها ملكة المملكة المجاورة التي توفي زوجها فتولت زمام الحكم، والتي هي على خلاف مع مملكتنا بغية الوقوف على تفاصيل الخلاف وتفكيك العقد، وستلمسون ان أجواء المسرحية ليست سوى اسقاطات على عالمنا الحاضر حيث الخلافات بين الدول المتجاورة في أوجها.

وعن تسمية <كاريكاتور> يشرح تميم الآتي من خلفية مسرحية وتلفزيونية معروفة: <اعتقد ان الاستاذ روميو اختار هذا العنوان تحديداً لان الوضع السياسي كله مضحك، فالامور تسير فيه بشكل كاريكاتوري، كذلك فان الكاريكاتور يستخدم للـ<عقص> اي الاشارة الساخرة الى امور عميقة وجوهرية للانتباه اليها. تعرفون ان المسرحية من نوع الاستعراض الغنائي وهي كوميدية لكنها لا تعتمد على المقالب <farce> انما ينطبق عليها ما يكمن وصفه بـ<farcial> وهي الكوميديا المضحكة – المبكية، وفيها اللطشات و<الزكزكة> الواضحة انما في الاعماق.

IMG_7703-----4وعن ثوب الملك وصعوبة ارتدائه كشخصية يقول طارق:

– هو <كاراكتير> مختلف، تصوره الاستاذ روميو بشكل جعله <مهضوما> بدون شك وبيروتيا حتى العظم. لقد كتب على الورق بشكل متأن بحيث انه يظهر لشعبه بانه طيب القلب مغلوب على امره، وهو بطريقته الذكية هذه يكسب ودهم ويقنعهم ان ما بيده حيلة وبان القرارات الصعبة لا دخل له فيها، فهي <تأتي من فوق> ما يجعله يتجنب غضب شعبه او ثورتهم، وبذلك يضمن بقاءه على الكرسي، يعاونه في ذلك مستشاره وجاسوسه الماكر. لقد جعلت الملك بيروتيا تماما في كلماته وطريقة لفظه، الامر الذي اراده الاستاذ روميو طالبا زيادة العيار نوعا ما، وذلك لابراز التناقض وجعله جليا ما بينه وبين الملكة <الكلاس> صاحبة الرقي و<الاتيكيت> الاجتماعية على نسق بعض السيدات اللواتي يستخدمن اللغة الفرنسية ويتحركن بحسب اصول اللياقة المفروضة اجتماعيا، لا بل هي اكثر من ذلك ارستقراطية متعجرفة وسطحية ايضا لا تعرف احوال مملكتها ولا متطلبات اهلها وشجونهم.

 

الرئيس والصورة!

وحول الاسقاطات على الوضع اللبناني الذي تغير عما كان عليه اثناء كتابة المسرحية والتحضير لها بحيث كان الفراغ سيد الموقف حينئذٍ، واذا ما كانت <الزكزكة> تطال الرئاسة الجديدة يجيب الملك:

– كتبت بعض الامور البسيطة غير القاسية التي تتناول الرئاسة، تمنى الامن العام حذفها حتى لا تفهم بان المقصود بها فخامة الرئيس بعينه، كما ان صورة فخامة الرئيس العماد عون كانت موجودة في الاعلان السابق للمسرحية حيث الصور الكاريكاتورية لمختلف السياسيين اللبنانيين، وذلك وقت لم يكن انتخاب الرئيس قد تم بعد، ما جعل تغييرها مفروضا، فأعيد طبع <الافيش> من دون صورة الرئيس وكذلك بطاقة الدعوات وغيرها، وقد كان من المفترض بالمسرحية ان تنطلق قبل اسبوع من موعدها مما جعل التأخير الزاميا. ويضيف:

– <منّا مقربين صوب العهد> انما نعكس بكلامنا واقع الدول العربية جميعها حيث الحكام مثل <الماريونييت> يدارون بأيدي من هم اكبر منهم، وفي المسرحية يشار اليهم باسمي <الولايات> و<الاتحاد>. ومن خلال المسرحية يظهر لنا الحكام <كالسمنة والعسل> بين بعضهم يتحدثون في جلساتهم الخاصة عن اضطرارهم الى اتخاذ هذا القرار او ذاك بناءً على رغبة من هم <اعلى>. .

 

الملك لا يغني!..

لا يغني تميم في المسرحية وكان ذلك بناء على رغبة منه مع تأكيده ان الاغنيات رائعة، بينها <يا بو السواعد> التي يؤديها عصام مرعب وقد اداها سابقاً عبده ياغي، <ومين شردلي الغزالة> و<طال السهر> لطوني حنا فضلا عن موشح <لما بدا يتثنى> و<دويتو> <يمكن شي يوم> بصوتي جاد قطريب وماريتا نادر الوجه الغنائي الجديد والمتمكن، ويقول:

– طلبت من الاستاذ روميو الا اغني، لان من يتولون الغناء انما يرفقونه مع كوريغرافيا معينة، ودوري يتطلب حضوراً كبيراً على المسرح وطاقة لادائه، لذلك يتولى مدير البلاط الملكي الغناء بدلا عني الا في بعض الجمل البسيطة. اما تمثيليا، فيشفي غليل تميم جدا، ذلك المشهد المكتوب بحوالى الصفحة في نص لحود يتحدث فيه عن الوضع الذي وصلنا اليه وحالات <داعش> و الارهاب والقتل والدمار.

3 وعن ترشيحه للدور والعمل مع لحود صاحب الخبرة الطويلة في المسرح والممثلين، يقول تميم:

– العمل مع الاستاذ صعب لا بل شاق.. <صدقونا منهلك>، لان الاستاذ روميو المغروم بعمله يطلب الكمال في اصغر التفاصيل، ولديه صورة دقيقة يرسمها عما يريد ايصاله للمشاهد من خلال نصه. ويحمد تميم الله انه <بيلقط عالسريع>، علماً ان الدور صعب من حيث <بيروتية> الملك، وهو دور لم أجسِده قبلا، كما ان في <الكاراكتير> تبدلاً كبيراً في المزاج، وهناك كلام كثير على المسرح ما يتطلب اداء جمل طويلة وحوارات شبه دائمة بين الملك وبين الحاشية، كلام لا يمكن تبديل حرف منه عما هو في ورق الاستاذ…

العلاقة بين لحود وملكه البيروتي لم تكن وطيدة في السابق: <كنت اعرفه واسلم عليه في كل مناسبة يكون فيها موجودا وجميعنا يعرف اسم استاذ روميو العريق، كان يبادلني التحية بدون طول كلام. ولما دعاني للعمل معه في هذه المسرحية سألته: لم اخترتني؟ فاجاب: <حاطك براسي من وقت الدعاية> وهذه قديمة تعود الى اكثر من عشرين عاماً يوم قال طارق لجدته في ذلك الاعلان: <تيتا حاج تقشري بصل>… وكان حينذاك اعلانا ترويجيا لاحد انواع الفول المدمس..

ويضحك طارق مضيفاً:

– اجابني الاستاذ روميو أيضاً: اخترتك لما اتت اللحظة المناسبة فأنا اراه ملكا كوميديا ظريفا، يشبهك شكلا ومضمونا. سألته اذا ما كان يطلب تغييرا في مظهري، فاكد انه يريدني كما انا، مع عدم قص شعري حتى يكون جديرا بشعر ملك حيث يظهر طويلا من تحت التاج.

وينهي تميم السعيد بتجربته الفريدة:

– اعتقد ان الاستاذ سعيد بعملي معه واعرف ذلك ممن سبق وتعاملوا معه. فما كان يضحك في التمارين الا نادرا كما نمي اليّ، وهنا اجده يضحك على <ملكه البيروتي العتيق> بعد ان خرج من الورق حياً يرزق على الخشبة، وقد سمعت منه اكثر من مرة كلمة <برافو> التي اتمنى سماعها لنا جميعا كفريق بعد مشاهدة المسرحية!