25 September,2018

”كاريــــم“ فـي بـيـــــروت: الـحـــرب مـفـتـوحـــة مــع إيــــران ومطلــوب ”قــرارات صعبــة“ للمحافظــة علــى الاستـقـــرار!

لم يكن ما أعلنه مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي <روبرت ستوري كاريم> خلال زيارته لبيروت الأسبوع الماضي واحداً، لأن ما رصده المتابعون لهذه الزيارة أظهر أن حديث المسؤول الأميركي اللبناني الأصل اختلف بين ما قاله أمام الرسميين اللبنانيين الذين التقاهم، وما ذكره أمام السياسيين الذين زارهم، إلا أن القاسم المشترك في كل الزيارات التي قام بها <كاريم> كان التأكيد الأميركي على دعم الجيش اللبناني وزيادة التعاون بين القيادتين العسكريتين اللبنانية والأميركية لتمكين المؤسسة الأمنية الوطنية من القيام بدورها كاملاً على كل الأراضي اللبنانية بحيث تكون القوة العسكرية <الوحيدة> مع الأجهزة الأمنية اللبنانية الأخرى، ويكون سلاحها <السلاح الشرعي الوحيد> المنتشر من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال، مروراً بالعاصمة والجبل والبقاع، ولعل ما زاد في تأكيد المسؤول الأميركي على دور الجيش، المناورة التي حضرها مع قائد الجيش العماد جوزف عون والسفيرة الأميركية في بيروت <اليزابيت ريتشارد> والتي نفذتها قوة من المغاوير في جرود العاقورة بدقة متناهية إذ تخللتها رمايات حية أرضية وجوية.

وفي ما عدا <الثقة الكبيرة> التي أبداها <كاريم> بالجيش اللبناني وحرص إدارة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> على استمرار دعمه بالعتاد والخبرات ودورات التدريب، بدا أن مهمة المسؤول الأميركي في بيروت هي إيصال رسائل الى المسؤولين اللبنانيين ذات عنوان واحد تقريباً، وهو أن إدارة <ترامب> ماضية في <حربها> ضد إيران وهي لن تعدم وسيلة لإضعاف الجمهورية الإسلامية الايرانية وتعطيل قدراتها على ما وصفه بـ<الأنشطة العدائية الايرانية> في منطقة الشرق الأوسط عموماً وضد دول الخليج خصوصاً ودورها في اليمن لاسيما تأمين الصواريخ الباليستية وإطلاقها في اتجاه السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي هذا الإطار، تقول مصادر اطلعت على لقاءات <كاريم< مع الرسميين لـ<الأفكار> أن مساعد وزير الدفاع الأميركي كان صريحاً في حديثه لجهة شرح الاستراتيجية الأميركية المعتمدة في الشرق الأوسط راهناً، لافتاً الى أنها استراتيجية توافق عليها الرئيس <ترامب> ووزير خارجيته <بومبيو> ووزير دفاعه <ماتيس> ومستشاره <جون بولتون> والتي تقوم على القلق الكبير حيال ما تقوم به ايران مع الحوثيين في اليمن والنشاطات التي تدعم فيها حزب الله في لبنان وسوريا والعراق. صحيح – قال <كاريم> – ان لبنان يتعاون في مجال مكافحة التمويل غير المشروع للقوى الموالية لإيران وللتنظيمات الإرهابية ويطبق العقوبات المفروضة على طهران، لكن الصحيح أيضاً – حسب <كاريم> – أن الضغوط الأميركية ضد ايران سوف تتزايد وبالتالي سوف تتعرض الدول غير المتعاونة مع أميركا في حربها المعلنة لـ<ضغط شديد> أيضاً. ولم يخف المسؤول الأميركي قلق بلاده من الزيارة التي قام بها وفد حوثي ومن سبقه للبنان، معتبراً أن مثل هذه الزيارات <تطعن> سياسة النأي بالنفس التي يعتمدها لبنان و<التي نراها في واشنطن سياسة حكيمة>.

 

دور ايران خطر على لبنان!

ويضيف المطلعون على زيارة المسؤول الأميركي أن الحديث عن ايران لم يغب عن كل الجلسات التي عقدها في بيروت لاسيما وأنه تحدث عن <دور متنامٍ> لإيران في سوريا معتبراً أن ذلك يعرض الوضع للخطر و<يزعج> لبنان، متطلعاً – كما قال – الى مزيد من التعاون بين الحكومة اللبنانية <التي سوف تشكل قريباً> والحكومة الأميركية من أجل الحدّ من التأثيرات الايرانية على الأوضاع في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً. وأسهب <كاريم> خلال لقاءاته في شرح ما وصفه بـ<المخاطر الايرانية> على الاستقرار في المنطقة، من دون أن ينسى في كل مرة التشديد على ضرورة تعاون حكومات دول المنطقة، ومنها لبنان، مع <الجهود> الأميركية لـ<ضبط> التفلت الايراني الواسع المدى. وحرص مساعد وزير الدفاع الأميركي – استناداً للمطلعين أنفسهم – على الإشارة بوضوح الى أهمية استمرار <الاستقرار> في الجنوب اللبناني لافتاً الى <الجهود الجبارة> التي تبذلها إدارته للمحافظة على الاستقرار، من دون أن ينسى الإشارة الى <الضغوط> التي تواجهها إدارة الرئيس <ترامب> من الكونغرس الأميركي في كل مرة يطرح فيها موضوع المساعدات للبنان أو للقوات الدولية العاملة في جنوبه. من هنا سعى <كاريم> الى الحصول على <تأكيدات> بأن الحكومة اللبنانية سوف تستفيد من الفرص المتاحة حالياً أمام دعم لبنان وجيشه، والحد من الضغط الذي يقوم به عدد من أعضاء الكونغرس.

أما الرسالة الأصعب التي أودعها <كاريم> في بيروت قبل مغادرته فكانت أن العمل من أجل تثبيت الاستقرار في دول المنطقة وفي مقدمها لبنان، يتطلب اتخاذ <قرارات صعبة> لأن السلام له ثمن، ولأن الاستقرار يحتاج الى عوامل وأسس لا بد من توافرها من خلال هذه القرارات. وهذه الدعوة كرّرها المسؤول الأميركي خلال لقاءاته مع عدد من السياسيين اللبنانيين مثل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والوزير غطاس خوري الذي استقبله نيابة عن الرئيس سعد الحريري الذي كان في إجازة عيد الأضحى المبارك خارج لبنان. وعن هذه اللقاءات يقول المطلعون ان <كاريم> أظهر تشدّداً أكثر في الحديث عن <حلفاء ايران> في المنطقة ولاسيما حزب الله الذي دعا قياداته الى التعاطي <بواقعية> مع المتغيرات التي تحصل في المنطقة، محذراً من التمدد الذي سُجل في الأعوام الماضية للحزب في سوريا والعراق واليمن، والارتباط القائم مع ايران في مجالات عدة. ويضيف المطلعون ان مساعد وزير الدفاع الأميركي خرج عن لغته الديبلوماسية أكثر من مرة في سياق حديثه عن حزب الله، وهذا ما لم يفعله مع الرسميين اللبنانيين، بل اقتصرت هذه المداخلات <المضطربة> على أحاديثه مع السياسيين الذين عبّر بعضهم عن مشاطرتهم لـ<مخاوف> <كاريم> وتحذيراته!

وإذا كان المسؤول الأميركي لم يدخل مع الرسميين الذين التقاهم في التفاصيل المتعلقة بعملية تشكيل الحكومة، إلا أنه فعل ذلك مع السياسيين ناقلاً أجواء سبق أن أشارت إليها السفيرة <ريتشارد> خلال زياراتها للسياسيين وبعض المسؤولين، لجهة عدم ترحيب الإدارة الاميركية بأي دور وزاري بارز لممثلي حزب الله في الحكومة العتيدة انطلاقاً من علاقة الحزب مع ايران. وفيما أكدت المعلومات أن <التحريض> الأميركي طاول ايران بوضوح، أشارت مصادر مطلعة الى أن <كاريم> <لامس> اللغة التحذيرية في سياق حديثه عن حزب الله من دون أن يستعمل العبارات نفسها التي استعملها في حق ايران وإن كان عمد الى التذكير في أكثر من مرة بـ<الروابط> القائمة بين الحزب وطهران. وتؤكد المصادر نفسها أن ما كشفه مساعد وزير الدفاع الأميركي خلال لقاءاته في بيروت رسم بوضوح خطة التحرّك الأميركي في المرحلة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصــــاً في سوريـــا والعــــراق واليمـــــن، وإن كــــانت أحـــــاديث <كــــــاريم> عــــن سوريا لم تتجاوز المعطيات العامة المعروفة عن السياسة الأميركية المعتمدة تجاه سوريا من دون الدخول في التفاصيل، لاسيما المخططات الأميركية المستقبلية حيال الموقف في سوريا وما يُعدّ من حلول سياسية أو إجراءات عسكرية لاحقة.

لامبالاة حيال مبادرة موسكو!

وسجل المراقبون أن المسؤول الاميركي لم يركّز في أحاديثه على موضوع النازحين السوريين ما دلّ الى عدم اهتمام واشنطن بالمبادرة الروسية لإعادتهم الى بلادهم، علماً أن كل المعطيات تؤكد أن واشنطن ليست مستعدة لتقديم أي <تنازلات> في هذا المجال وهي تتعاطى بلامبالاة حيال التحرّك الروسي في ما خص ملف النازحين وعودتهم وفق المعايير التي وضعتها موسكو في هذا الإطار، وهذا <التجاهل> الاميركي يعني – حسب المراقبين أنفسهم – أن الولايات المتحدة غير مشجعة للقرار الروسي ولن تقدم أي دعم لتحقيقه، وهي سعت خلال الفترة الأخيرة الى تحريك الدول الأوروبية المتحالفة معها على عدم التجاوب مع المبادرة الروسية، وهو ما ظهر جلياً في موقف الخارجية الفرنسية التي اعتبرت أن الوقت لم يحن بعد من أجل عودة النازحين الى بلادهم، وكذلك عكست الأمم المتحدة بمختلف منظماتها الموقف نفسه واستمرت في التعاطي مع هذا الملف على أن لا حلول جدية في الأفق تساعد على تحقيق العودة التي وضعت لها نيويورك عبر منظمات الأمم المتحدة شروطاً غير قابلة للتحقيق راهناً. وعليه فإن ثمة من يعتقد أن التوجه الاميركي سيبقى سلبياً تجاه المبادرة الروسية، وإن كانت واشنطن قد دفعت بحلفائها الأوروبيين الى واجهة الرفض وظلت هي تحرّكهم خلف الكواليس لإبقاء الخطوط مفتوحة مع موسكو سعياً وراء تنازلات معينة تحقق <شراكة> أميركية – روسية في التسوية في سوريا التي لن تكون فقط سياسية بل اقتصادية وتجارية ناهيك بمخططات إعادة إعمار سوريا ومن سيتولى هذه المهمة في الآتي من الأيام!