21 March,2019

46 قذيفة جاهزة للانطلاق في معرض ”هويات دائمة“ ل ”كاتيــا طرابــلسي“ !

 

بقلم عبير انطون

12

منذ منتصف الثمانينات تجول اعمال الفنانة كاتيا طرابلسي بين معارض العالم، من باريس الى لندن ونيويورك ودبي والكويت واميركا الشمالية، كما في متاحف الجزائر للفن المعاصر وغيره. اليوم تحطّ الفنانة التعبيرية في معرض مميز في قلب بيروت التي عادت اليها مشتاقة و<موجوعة> حيث توزّع في معرضها الجديد 46 قذيفة على منصات جاهزة للانفجار الواناً وفنّا عالي المستوى، خبيراً بالادوات والتقنيات المختلفة… تستحضر طرابلسي العالم كله، ترسم وتنحت بعمل يدوي متقن هويات البلدان المختلفة وتعجز امام هوية بلد واحد. ترى، ما هو؟

في <غاليري صالح بركات> في كليمنصو كان حوار <الأفكار> مع كاتيا طرابلسي وبادرناها قائلين:

ــ ربما هي المرة الاولى التي تكون فيها القذائف جميلة وبأثر ايجابي في لعبة رائعة اردتها ما بين الحرب والثقافة. لنتعرف بهوية المعرض وكيف حولت اداة قاتلة للحرب اداة حياة وهوية دائمة؟

 – كما ترون يشمل المعرض 46 قذيفة تمثل 46 بلدا مختلفا من حول العالم. وقد اخترت للمعرض – المشروع عنوان <هويات دائمة> <perpetual identity> وسبب الاختيار ان كل قذيفة معروضة وعملت عليها تمثل هوية بلد معيّن. لماذا <الهوية الدائمة>؟ لان الهوية هي التي تبقى، هي التاريخ والمستقبل. فعلى الرغم من الحروب والاحتلالات والوقت الزمني الذي يمر بمختلف الأوطان تبقى الهوية صامدة شامخة وقوية. الحرب التي عشناها في لبنان شأن كل البلدان التي عرفت او تعيش حروبا اليوم لا تؤدي الى نتيجة، ومهما عصفت الرياح تستمر الهوية صامدة لا تمحى.

وتأخذنا طرابلسي امام قذيفة <مكسيكو> وتشرح قائلة:

 – خذوا هذه مثلا. اذا ما نظرتم اليها بدقة تجدون انها تمثل حضارة الـ<مايا>. صحيح ان حضارة الـ<مايا> اندثرت منذ زمن طويل، الا أنّ الشعب المكسيكي أعاد احياءها لأنها كانت تعيش على ارضه وتشكل جزءا من تاريخه. عادت لتحيا، لم تمح. التاريخ موجود في الغد. لمعرضي هذا اسم آخر ايضا، جميل وموح جدا وهو <Remembering The Future> اي تذكر المستقبل… فالمستقبل يعني كل شيء انطلاقا من التاريخ والماضي.

ــ كيف ولدت فكرة المعرض لديك، وقد توأمتها مع كتاب عن المشروع هذا؟

 – بدايتها كانت من قنبلة اهديت الي وانا مراهقة أيام الحرب من قبل شباب المدفعية آنذاك. كنا نفرح بهذه الامور ولم نكن نفكر بالأذى الذي تولّده.

ــ اين كنت في بيروت؟

 – في الاشرفية. بقيت القنبلة في البيت كتحفة في غرفتي طوال عشرين عاما الى ان تزوجت واخذتها امي. هذه القنبلة لم تمح من ذاكرتي، خاصة مع اندلاع الحرب السورية. شعرت بوجع كبير في داخلي. حزنت جدا، لأنني استعدت في <فلاش باك> حربنا اللبنانية العبثية. تساءلت ما هذا الذي تعيده وتكرره الانسانية من اخطاء مع السؤال الاساسي: ما هو نفع اي حرب؟ غدا قد تقسم سوريا او تبقى، ويبقى السوري سوريا وهويته راسخة. ما الذي لم نفهمه بعد؟ لماذا تشن الحروب، وما حاجتنا اليها؟ لماذا كانت الحرب في بلدي؟ ما الذي عشناه كلبنانيين طيلة اعوام طويلة وما الذي فرق بيننا وقسم مناطقنا؟ لماذا لا يزال احدنا يخشى الآخر رغم أننا نتشابه ونتلاقى؟ للاسف، كل هذه الاسئلة لم ننته منها بعد، ولم يحصل اي منا على جواب شاف لها، ولم نصل الى مصالحة حقيقية بيننا لاننا لا نتحاور ولا نتسامح ما يعني ان الحرب لا زالت قائمة ولو من دون أزيز مدافع او دوي قنابل. لم نفهم بعضنا، ولم نعتذر من بعضنا… وهذا المعرض يبرز أيضا جمال الانسان، فكل فرد منا غني في داخله ولديه ما يقوله ويقدمه للآخر، لكن خشيتنا وهذا <الاقفال> منا على هذا <الآخر> من جراء الحرب يجعلانا متباعدين.

5-(6)  ــ متى أمسكت بريشتك وادواتك العديدة وقلت اليوم سأبدأ؟

– لطالما أردد بأن الوحي رباني، يأتي من عند الخالق. انا فنانة تعبيرية، اعبّر عما اراه واحسه واقوله واشعر به، وكنت حينئذٍ متألمة مما يجري. اعتقد انه ليس من ابداع من دون ألم. كلنا تعذبنا. نحن شعب عانى كل فرد منا بطريقة او بأخرى.

ــ مع انك سافرت الى دبي لفترة طويلة…

– نعم عشت في دبي طيلة ستة وعشرين عاما. يمكن للانسان ان يطلع الى القمر، ان يسافر الى اقاصي الارض لكنه يحمل وجعه أينما حل. تعذبنا ولم نتكلم عن هذا العذاب بشكل كاف. القذيفة هي الأمر الوحيد الذي لا يمحى من الذاكرة، لا يمكن ان ينسى صوتها. يبقى هذا محفورا في الذاكرة. سفري الى دبي وسفر اولادي وبعدهم عني للدراسة في الخارج أمور جعلت الالم اكبر، فكانت ترتسم امامي الصورة الضبابية وكان المعرض.

ــ لماذا حدّدت عدد القذائف بـ46؟

 – لقد اخترت من كل قارة البلد الذي يعنيني، يقول لي شيئا. أردت ان يتمثل الكون كله في مشروعي، لا افرق بين عربي واجنبي… بين شرق او غرب. ونحن اللبنانيين منفتحون، وتجديننا منتشرين بأعداد كبيرة في زوايا العالم الاربع. من كل قارة اخترت بلدا يعني لي كلبنانية، من البرازيل الى اميركا ومختلف الدول الاوروبية كما اتخذت البلدان التي عانت من الحروب كفييتنام ايضا (تشير لنا الى القذيفة التي تمثل هذا البلد). هذا المشروع يبرز الى اي مدى نحن اللبنانيين متعددو الثقافات وعلى تواصل مع الدنيا كلها. والسبب الثاني لمعرضي، وهو جوهري، ايصال فكرة انه لم تعد التفرقة بين البلدان ممكنة، فكلها معنية… سوريا مريضة اليوم، العالم كله مريض، كذلك بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول بات العالم كله مريضا شرقا وغربا… علينا ان نعي اننا متواصلون كلنا كبلدان وشعوب. جميعنا لدينا القصة والاحتياجات الانسانية عينها.

ــ ما كانت صعوبات انجاز معرض مماثل وفيه مختلف انواع الفن من رسم وزخرفة وعمل على السيراميك والشك والخرز والاقمشة والنحت؟

– لم تكمن الصعوبات في انجاز اي منها فنياً، ولكن لما كنت اقوم بالابحاث لاستخلاص ابرز ما يشكل هوية بلد معين كنت اتساءل: هل سأتمكن من القيام بهذا المشروع الكبير؟ الا أن مدى جماله وغناه وقصصه الرائعة زادت من حماسي، كل قنبلة استوجبت مني بحثا كاملاً عن البلد الذي تمثله والاطلاع على المصادر المعروفة عنه، وكانت الابواب تفتح الواحد تلو الآخر.

وفي تجوالها بين المعروضات تزيد طرابلسي بعدما توقفت امام القنبلة التي تمثل الهند:

 – عن الهند تكوّن لدي المفهوم الذي سأتناوله سريعاً وارتسم للتو في مخيلتي <تاج محل> الذي هو مقام ديني وترجمة لقصة حب ايضا.

ــ من الناحية التقنية، اي قذيفة استغرقت وقتاً اطول من شقيقاتها لانجازها؟

( الى قذيفة ايران تأخذنا)…

– هذه! لقد تطلبت شهرا لانجازها لأن العمل عليها دقيق جدا وهو رائع. ما هو مكتوب ليس ايرانياً بل فارسي، وهو جميل جداً.

6 ــ من اين حصلت على القذائف؟

– انا صنّعتها، ومن نموذج القذيفة اللبنانية التي كانت عندي في البيت، وبالمقاسات عينها.

وتستطرد طرابلسي بعد ان تتوقف في جولتها معنا امام القذيفة التي تمثل لبنان وهي مكونة من شعارات واعلام مختلف الأحزاب اللبنانية فتسألنا بدورها:

 – هـــــل تعرفـــــون البلد الاصعب من حيث تحديد هويته ما كان؟ الهويــــة اللبنانية. لم اكن اجدها. ما هي هويتنا اللبنانيــــة، كيف نحددها ولماذا نختلف عليها؟ لم أجد جوابا.

 ــ ألم تعتبريها تلك التي تعرضينها هناك في المقلب المقابل لهذه؟ (قنبلة عن لبنان <لبنان في التاريخ> تمثل الفينيقيين والبحارة وسفنهم واعمالهم)!

تجيب طرابلسي قائلة:

– وهل الجميع متفقون عليها؟ فعلا لست اكيدة من الجواب. جذبتني هويات البلدان التي عملت عليها لان اهلها متمسكون وفخورون بها ما عدا نحن للاسف. وهذا صعب جدا للفنان ان يتقبّله. يمكنني ان ابكي على لبنان لان لا هوية واضحة او واحدة لهذا الشعب.في كل البلدان الهوية تنتمي لتاريخ واحد، وهويتنا نحن تنتمي الى مجموعات، الى ثلاثين حزبا مختلفا.اخذنا استقلالنا في العام 1943. قبل هذا التاريخ ما كانت هويتنا؟ ماذا كنا نفعل؟ كل الشعوب مرت بنا ونحن تائهون عن بلدنا.

ــ سبق ونشرت كتابا ونظمت معرضا بعنوان <جيل الحرب> ألهذه الدرجة تركت فيك جرحاً ينزف؟

– نعم وهو كتاب يرسم قصة موصوري الحرب اللبنانية الذين كانوا شهودا على الحرب الاهلية في الثمانينات وكان الكتاب بمنزلة تكريم لهم على جهودهم، وهو في الوقت عينه مشروع سياسي يسجل تاريخ بلد <قصصه معقدة> جدا.

<مــــــــاتريوشكا>

 و<مــــــــــاريان>…

2

ــ وضعت لبعض القنابل وجوها انسانية. لماذا؟

 – وهل اجمل من الوجوه؟ (وهنا تأخذنا الى قذيفة تمثل <ماريان> رمز فرنسا وبها جسدت الهوية الفرنسية: انظروا كم هي جميلة. ومن بعدها تنقلنا الى قذيفة <كندا> حيث <التوتيم>، ومن ثم قنبلة روسيا حيث الـ<ماتريوشكا> وهي الاولى التيعملت عليها في هذا المعرض وتمثل الام والى جانبها اولادها).

وبعد ان تشرح لنا طرابلسي عن قنبلة اميركا ايضا حيث الـ<بوب آرت> و<ميكي> ووجه <مارلين مونرو> و<الكولا> والعلكة و<سيجارة اللاكي سترايك> و<باتمان>، تنقلنا عبر <قنبلة افريقيا> الى سيراليون وتشرح لنا عن هوية هذا البلد وميزاتها.

وبعد استفاضة وحديث في تفاصيل القذائف التي تمثل هويات فييتنام، والمملكة السعودية، ومصر، وايطاليا وغيرها نسألها:

ــ هل ستنتقلين بالمعرض الى خارج لبنان؟

 – يجب ذلك. قريبا لدي معرض في فرنسا، وانا اعمل الآن على مجموعة صغيرة، وسوف اعرضها في <آرت باريس> من 4 الى 8 نيسان / أبريل المقبل.

ــ هل وجدت التجاوب المطلوب من حيث الزوار والمهتمين؟

– جدا. أنا سعيدة بانفعالات الناس ورضاهم وهم يقولون <انني تكلمت بلسانهم>.

ــ وهل زارك سفراء الدول وهويات بلدانهم جميعها موجودة هنا في <غاليري صالح بركات>؟

– آمــــــل رؤيتهــــــم جميعـــــــا فبلدانهم تناديهـــــم في معرضي.